عبد الرحمان دلدول :”فنّ محامل الشّارع” ” بين أصالة الرؤية و رحابة الرؤيا الفنيّة”

جسر التواصل27 أكتوبر 2020آخر تحديث :
عبد الرحمان دلدول :”فنّ محامل الشّارع” ” بين أصالة الرؤية و رحابة الرؤيا الفنيّة”

إيمان حسيون

 

لطالما كان الفنّ حرّا طليقا ترعرع في البراري و الغابات عندما كان الإنسان البدائيّ يحاول أن يختلق لغة يفهم بها العالم و يستقرئ خبايا الطبيعة. كان النّحت و الرّسم ملجأه للتّعبير ولحماية نفسه. نشأ الرّسم على محامل حرّة متعدّدة قبل أن تقيّده اللّوحات و الأطر والمدارس الكلاسيكيّة وتنطوي عقود من الزمن و الفنّان أسير معطيات المجتمعات الرّأسماليّة التّي تفرض بُناها الفكريّة و ذائقتها الفنيّة على الفنّان و المتلقّي. إلاّ أنّ الهوامش لم تختف. وظلّ فنّ الشّارع في فترات الطفرة الفكريّة متنفّس الرسّامين. فحيثما تنبت الثورات و صرخات الفئات الاجتماعية الهشّة ينبت الفنّ/الرّسم على الجدران و في الطرقات. لكأن المحامل التقليديّة تضيق به. فكان القرافيتي فنّ المتمردين و المارقين عن القانون في أوروبا و في الثقافة العربيّة كان الرّسم قرين الشّعر و تيّارات الأدب و فنون العمارة و وليد تصوّرات صوفيّة دينيّة للحياة و البناء. فنقش الرسّامون العرب ورسموا على الخواتم و الملابس و جدران المساجد و القصور و الحجارة. و كان الرّسم عندهم متّحدا بالخطّ العربيّ محاولةً للتشكيل الخطوطيّ التصوّفيّ للعالم الإسلاميّ و محاولة لتجميل العالم مع تيّار أدب الظرفاء و المتظارفين في العصر العبّاسيّ.
و تطرح مسألة خروج الفنّ عن أطره التقليديّة بشدّة في العصر الحديث و تتوالى الثّورات السياسيّة و الثقافيّة ليصبح الفنّان حِلاّ من قيوده. والفنّان عبد الرحمان دلدول ابن بيئته و سليل تيارات فنيّة مختلفة أثرت تجربته. يشدّ إليه تِقانة الرسّام المبدع الحاذق لما يصنع دونما تكوين أكاديميّ و جموح الفنّان الذي يرود كلّ مسالك الفنّ و التجريب دون حدود. و كما يتقن “دلدول” الرّسم داخل الأطر فإنّه تمرّد و ابتكر مشروعه الفنّيّ و الثقافيّ الخاصّ به. و اختار أن يبثّ الرّوح في التراث الفنّيّ العربيّ. فكان مشروعه “فنّ محامل الشّارع” (the street clothing art)نقطة فاصلة في مسيرته الفنّيّة حيث قرّر الفنّان أن يخرج بألوانه وخطوطه عن إطار اللوحة التقليدية و يحوّل الجمال إلى محمل متحرّك و يوميّ وحياتيّ هو الملابس و القمصان و الحقائب أي كلّ ما هو ملبوس و محمول و كأنّه يرغب أن ينزل من برجه العاجيّ و من الجدران الباردة التي يُعَلَّق عليها ليصير الجسد محملا متحركا يسير به وينشر رؤاه و ضوءه و تصوّراته و جماليّته الخاصة. و كأنه شاء للوحة أن تخترق الأبصار في كلّ آن في الشّارع و في العمل وفي وسائل النّقل فنتنفس معه فنّا و ترتاح أعيننا قليلا من قبح العالم. ففنّ محامل الشّارع(the street clothing art) مشروع ثقافيّ شامل يرنو من خلاله صاحبه إلى الاضطلاع بدور المثقف العضويّ القادر على التغيير و النقد و البناء. يطمح “دلدول” إلى تهذيب الذوق العامّ و إكساب الذائقة الشبابيّة أصالة طريفة في انتقاء الملبس المزاوج بين الحديث و الأصيل دون الحاجة إلى التهافت على الماركات العالميّة و التزويقات الأجنبية الدّخيلة. ممّا يسهم في إحياء التراث المحليّ ودمج الفنيّ التراثيّ بالاقتصاديّ من خلال دعم المنتوج التونسيّ إنتاجا و استهلاكا و تحوّله إلى علامة هويّة فنيّة و اقتصاديّة أيضا.كما يطمح إلى أن يصير مشروعه الثقافيّ منهجا فنيّا معترفا به يدرّس في رحاب الجامعات و ينشأ معه جيل من الفنّانين المتصالحين مع هويّتهم. قادرين على بث الروح من جديد في الحركة التشكيلية التونسية و مدها بطاقات خلق جديدة توائم بين الانتماء والروح التراثية المميزة و بين الأشكال الحداثية للإبداع.
و رسوم عبد الرحمان دلدول على القمصان ليست مجرّد لوحات منظمة منتمية إلى تيارات تشكيلية معلومة و ليست أعمالا قصديّة ينطلق الفنان فيها من رؤية سابقة كي يصبها خطوطا و ألوانا على قمصانه. بل هي تنبع من رؤيا وليدة لحظة الخلق ينطلق الفنان من العدم ليرسم فوضى العالم وهسيس اللّغة و صدى النّفوس و القلوب حوله.
فلنتأمل تشكيليّة رسومه:إنّ البناء الفنيّ للقميص-اللوحة بناء انفجاريّ عجيب لا يعترف بالحدود و لا بالتصنيفات الى مدارس فنية معلومة. تتداخل العناصر الهندسية و الخطوط فيبدو تكعيبيّا ولكن بروح عربيّة أصيلة تحيلنا على فنّ الزخرفة و الرّقش العربيّ. فعناصر اللوحة بانحناءات خطوطها و أقواسها و قبابها و صوامعها و تعرجاتها تشكّل أطيافا للعمارة التونسيّة. و تكتمل هذه المكونات التراثية بحضور الخطّ العربيّ فالتشكيل الحروفيّ عنصر بارز في محامل الشّارع و هو بقدر ما يحضر كمعطى تشكيليّ يتمّم تناسق اللّوحة و انسجامها الخطّيّ و اللّونيّ فلا يبدو أبدا مسقطا أو مضافا فإنّه أيضا يمثّل معطى لسانيّا ثقافيّا ناطقا. فحروفيّة عبد الرّحمان مستلهمة من الموروث الشعبيّ هي أمثال شعبيّة و أقوال عاميّة مأثورة مثل” عروسة زغرطولها في وذنيها أو حمورية في الوجه و لا غصّة في القلب”…وغيرها كثير مما ينتقيه الفنّان ليخلق تكاملا عجيبا بين قصديّة اللغة و قصديّة الخطّ و التشكيل. ففضاءاته المتخيلة تلتقط ماهو بصريّ و ماهو حكائيّ لتخلق تميّزها العجائبي. حيث يعمد الرسّام إلى تأصيل الذائقة و تَوْنَسَة رؤيته الفنيّة و إكساب فضاء اللوحة هويّة الانتماء و الكينونة. فيصبح القميص-اللّوحة علامة هويّة للابسه وحاملا لرؤاه ومواقفه و شفرة مرئيّة للمتلقّي تعوّض اللغة المنطوقة. و يتمّم اللّون بنية الفضاء التشكيلية لعبد الرّحمان دلدول. ألوانه المنتقاة بعناية مزخرف و دقّة نحّات. اختار الفنّان أن يجعلها بنية انفجاريّة ثائرة تجمع المتضادين الألوان الحارّة و الألوان الباردة. في توزيع متواتر أحيانا منتشر بهدوء وانسجام متوتّر أحيانا أخرى غير نظاميّ بالمرّة تطغى عليه الألوان الحارّة. فالأحمر و البرتقاليّ والأصفر هي الألوان المهيمنة قرينة الأزرق. تذكّر النّاظر بألوان المدينة العربيّ و الأزقّة القديمة وتنضح بروح البنية اللونيّة الزّاهية للباس التّقليديّ التونسيّ التّي تكمّل توجّه الفنّان نحو تأصيل رسوماته و إعادة إحياء الذاكرة الشّعبيّة و استلهام رموزها في الملبوس و المنطوق و الثقافيّ واليوميّ. فيتحوّل بذلك مشروع محامل الشّارع إلى مشروع ثقافيّ أصيل يرنو به صاحبه أن يبعث الرّوح في التّليد و يلبسه لبوس الحديث حيث تعوّض القمصان القطنيّة الخفيفة الألبسة الكتّانية والصّوفيّة و الحريرية في اللّباس التونسيّ القديم فيواكب الحداثة و النجاعة المطلوبة و نسق الحياة السّريع و لكنّه يحافظ على البنيّة التشكيلية و اللّونيّة و الرسائل الرمزيّة في خطوطه و حروفه فيمزج الأصالة بالحداثة. والانفتاح بالالتزام و الخفّة بالعمق الدلاليّ و يتحوّل التّاريخ إلى غذاء بصريّ يوميّ يثري أبعاد يومنا. و تلك عبقريّة الفنّان أن يخلق و يغيّر نظرتنا للقديم وينفتح على مسالك التجريب دون أن ينبتّ عن جذوره. و يعانق سموات الإبداع العالميّ وهو ثابت الهويّة والمرجع.

Views: 5

الاخبار العاجلة