
سجل التاريخ الفني العديد من روائع الموسيقى المغربية العصرية، وجلها نالت شهادة تقدير من مبدعي الشرق. وتبقى رائعة قصيدة أنت جوهرة تلألؤ في سماء الإبداع الموسيقي المغربي المعاصر. أغنية خالدة من درر الشعر العربي الرصين، كتبها الشاعر الرومانسي أبو القاسم الشابي وصاغ أنغامها الأب الروحي للموسيقى المغربية العصرية الرائد الأستاذ عبد النبي الجراري غواص الأصوات المغربية ومكتشفها، وزان هذه الأغنية صوت مغربي طوع غناء القصيد منذ بداياته الفنية التي بدأها مع أيقونة ورائد مدرسة التلحين العربي الأستاذ أحمد البيضاوي()، وقد أبدع عميد الأغنية المغربية الأستاذ عبد الوهاب الدكالي في أدائها بإحساس ينم عن مشاعر الصدق والوفاء بصوت جعل من هذه القصيدة أن تعبر عن الإبداع الموسيقي بالمغرب.
استهل الأستاذ عبد النبي الجراري تلحين قصيدة أنت بتقسيم على آلة العود من مقام الحجاز كار على طريقة الملحنين الكبار في شكل محاورة بين الفرقة الموسيقية وآلة القانون من عزف الأستاذ صالح الشرقي() الذي سيقوم بعزف منفرد جملة موسيقية بطريقة غاية في التعبير ثم تتم إعادة هذه الجملة الموسيقية ولكن هذه المرة ستقوم آلة الكمان بعزف منفرد على نفس مقام الحجاز كار بإحساس مختلف عن آلة القانون استعرض فيه الأستاذ عبد النبي الجراري بقدرته على ترجمة أحاسيس الشاعر الحالمة ونعلم أن آلة الكمان كانت ولازالت تستعمل في التعبير عن الحب والرومانسية لما لصوتها من تأثير على المستمع.
بعد هذه المقدمة الموسيقية الحرة تشرع الفرقة الموسيقية في عزف جملة لحنية موقعة على إيقاع الرومبا 4/4 في شكل راقص ينم على ذكاء الملحن وخصوبة أفكاره اللحنية. بعد جملة التمهيد التي تعزف في طبقة متوسطة يبدئ المطرب عبد الوهاب الدكالي بالغناء في شكل نداء موجه من الشاعر لحبيبته، معلنا عن بداية القصيدة مع جملة موسيقية من جواب المقام في شكل بديع ومنمق ليعود للغناء، ولكن هذه المرة يعود المطرب النداء من درجة موسيقية أعلى محاول إيصال صوته لمحبوبة الشاعر أبو القاسم الشابي وهي محاولة من الملحن في التعبير على حرقة النداء.
ثم يقوم الملحن الأستاذ عبد النبي الجراري بتصوير المشهد بشكل راقص يتناوب فيه الغناء مع الموسيقى بصورة مرحلة الشباب الحالم وهذا التصوير يستمر حتى نهاية المقطع الموسيقي الأول الذي يتغزل فيه الشاعر وبوحه بمشاعره لمحبوبته، وهذه المرة سينهي الملحن هذ المقطع على درجة الراست(دو) إعلانا لصورة شاعرية مملؤة بالشجن.
مع بداية المقطع الثاني سنلاحظ أن عبقرية الملحن الأستاذ عبد النبي الجراري تتجلى في توظيفه لآلة الناي في عزف منفرد (صولو) غاية في الرقة والشجن يصاحب المطرب عبد الوهاب الدكالي الذي أبان على تمكنه من أداء الغناء المرتجل الحر(موال) بدون إيقاع مع مصاحبة للفرقة الموسيقية، هذا النوع من الغناء ليس متاح للجميع بل، هو مجهود فردي يتطلب الإلمام بطريقة الغناء الصحيح المعتمد على مخارج الحروف، والنفس الطويل، والإحساس المرهف بالإضافة إلى التمكن من المقامات وأجناسها، ليؤدي هذه الجملة الموسيقية الحرة التي أداها وأبدع فيه عميد الأغنية المغربية العصرية الأستاذ عبد الوهاب الدكالي.
في المقطع الثالث استعمل الملحن الأستاذ عبد النبي الجراري تركيبة لحنية موقع على إيقاع الرومبا 4/4 ليؤكد مرة أخرى على أنه على علم بحالة الشاعر أبو القاسم الشابي في بوحه لحبيبته بشكل لا يمكن التنازل عنه. وستمر اللحن على مقام الراست (دو) الذي عرف بمقام التطريب وقد سماه الفرس(راست) ومعناها المستقيم. وهنا نقف، لنؤكد موهبة الرائد الأستاذ عبد النبي ونظرته الفنية للقصيدة التي أبان فيها على حرفية وإتقان فوجد موطأ قدم بين أكبر ملحني القصيدة خلال القرن العشرين.
هذه محاولة في تحليل الأغنية المغربية التي تناولت القصيدة كأحد نواع التعبير الفني المغربي الباذخ بالعديد من الروائع نذكر منها قصائد الأستاذ أحمد البيضاوي، وقصائد الأسطورة عبد السلام عامر، وقصيدة أنا من أنا للرائد الملحن محمد بنعبد السلام، والملحن عزيز حسني في قصيدة سهد للمطرب عبد الهادي بلخياط، وقصيدة أراك للمطربة لطيفة رأفت.























