حوار بين  ‎عبد الرحمان الوادي‎ وعبد المجيد فنيش:من قال إن الكتابة عن المسرح ليست جزءاً من صناعته؟

جسر التواصلمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
حوار بين  ‎عبد الرحمان الوادي‎ وعبد المجيد فنيش:من قال إن الكتابة عن المسرح ليست جزءاً من صناعته؟

 ‎عبد الرحمان الوادي‎

 ـ الوادي: أستاذ فنيش، قضيت عمراً تتحدث عن المسرح المغربي. ألا تخشى أنك أصبحت تعرف عنه أكثر مما يشاهده الجمهور؟
ـ فنيش: المعرفة ليست تهمة.

ـ الوادي: تصبح كذلك حين تتحول إلى بديل عن الخشبة. نحن نكتب عن المسرح أكثر مما نصنع المسرح.
ـ فنيش: من قال إن الكتابة عن المسرح ليست جزءاً من صناعته؟
ـ الوادي: حين يدخل المتفرج إلى القاعة لا يرى المقالات ولا الندوات ولا الجوائز. يرى أجساداً أمام جسده. إن لم يرتجف، فقد فشل كل شيء.
ـ فنيش: المسرح ليس جهازاً لقياس الارتجاف.
ـ الوادي: لكنه ليس مقبرة محترمة أيضاً. لماذا يبدو جزء من مسرحنا كأنه يطلب من الجمهور أن يحترمه بدل أن يزعجه؟
ـ فنيش: لأنك تختزل المسرح في الصدمة.
ـ الوادي: وأنتم تختزلونه أحياناً في الوقار.
ـ فنيش: الوقار ليس عيباً.
ـ الوادي: قد يكون كارثة في المسرح. المسرح ولد قليل الأدب؛ يسخر من الملك والمتسول والشيخ والمثقف ومن نفسه. متى صار علينا أن ندخل إليه بعد أن نخلع أحذيتنا؟
ـ فنيش: حين يفقد المسرح ذاكرته يتحول إلى ضجيج.
ـ الوادي: وحين يفرط في ذاكرته يتحول إلى متحف.
ـ فنيش: أتريد منا أن نحرق التراث؟
ـ الوادي: بالعكس. أريد أن نحرق بخور التراث. الملحون والحلقة والحكواتي والطقوس الشعبية ليست قطع أثاث نضعها فوق الخشبة ونقول: اُنظروا، هذا مغربي.
ـ فنيش: التراث أعمق من ذلك بكثير.
ـ الوادي: إذن لماذا يستعمله بعض المسرحيين كجواز سفر ثقافي؟ طربوش هنا، بندير هناك، لازمة ملحونية، ثم يقال لنا: ها هي الهوية.
ـ فنيش: أنت تحاكم تجارب كاملة من خلال نماذج رديئة.
ـ الوادي: أنا أسألك عن الخطر لا عن النماذج. ألا يصبح التراث أحياناً طريقة مهذبة للهروب من الحاضر؟ نتحدث عن الحلقة حتى لا نتحدث عن الإنسان الذي لم يعد يجد حلقة يجلس فيها. نستحضر الحكواتي حتى لا نسأل لماذا لم يعد أحد يريد سماع الحكاية. نستدعي الملحون بينما الشاب في الصف الأخير يحدق في هاتفه.
ـ فنيش: وماذا تريد؟ أن نجعل المسرح فيديو من ثلاثين ثانية؟
ـ الوادي: لا. أريد أن يكون أقوى من الثلاثين ثانية.
ـ فنيش: هذه مسؤولية جيلكم أيضاً.
ـ الوادي: عندما يعجز جيل الرواد يقول للشباب: الكرة في ملعبكم. وعندما يغير الشباب قواعد اللعب تقولون: أين الأصول؟
ـ فنيش: لأن التجديد لا يعني الجهل بما سبق.
ـ الوادي: صحيح. لكن بعض الرواد يريدون من الشاب أن يعرف ما سبق، ويقلده، ويحترمه، ثم يسمون ذلك تجديداً.
ـ فنيش: أنا لم أقل ذلك.
ـ الوادي: هل انتهت الاحتفالية؟
ـ فنيش: الأفكار الحقيقية لا تنتهي بهذه البساطة.
ـ الوادي: هل تحولت الاحتفالية من تمرد على المسرح السائد إلى مؤسسة لها شيوخها ونصوصها المقدسة وذاكرتها التي تدافع عن نفسها؟
ـ فنيش: كل تجربة تعيش طويلاً تصبح لها ذاكرة.
ـ الوادي: والذاكرة أول خطوة نحو السلطة.
ـ فنيش: ونسيان الذاكرة أول خطوة نحو الفراغ.
ـ الوادي: إذن نحن بين سلطتين: سلطة الماضي وفراغ المستقبل.
ـ فنيش: وبينهما المسرح.
ـ الوادي: لا، بينهما الممثل. هو الذي يدفع الثمن. المؤلف يكتب، المخرج يشرح، الناقد يؤول، والممثل يقف عارياً أمام الفشل.
ـ فنيش: لذلك ظل الممثل جوهر المسرح.
ـ الوادي: لكننا خنقناه بالإخراج، وبالسينوغرافيا، وبالمفاهيم.
ـ فنيش: أحياناً.
ـ الوادي: إذن ماذا بقي له؟
ـ فنيش: أن يتمرد.
ـ الوادي: المسرح المغربي مليء بالتكريمات. لماذا نكرم المسرحيين أكثر مما نشاهد أعمالهم؟
ـ فنيش: لأن التكريم اعتراف.
ـ الوادي: أم تعويض؟
ـ فنيش: تعويض عن ماذا؟
ـ الوادي: عن قاعات لم تمتلئ، ونصوص لم تقرأ، وعروض ماتت بعد ثلاث ليال، وفنانين لا نتذكرهم إلا عندما يرحلون. هل المهرجانات أنقذت المسرح المغربي أم أخفت مرضه؟
ـ فنيش: الاثنان ممكنان. المهرجان قد يمنح العرض حياة، وقد يصنع وهماً بالحياة.
ـ الوادي: نلتقط الصور، نكتب: نجاح باهر، نتبادل الدروع، ثم تطفأ الأنوار ولا يسأل أحد أين ذهب الجمهور؟
ـ فنيش: الجمهور ليس بريئاً أيضاً.
ـ الوادي: لا تلم الجمهور.
ـ فنيش: لماذا يكون الفنان وحده متهماً؟
ـ الوادي: لأنني لا أستطيع إجبار الناس على أن تحب مسرحيتي.
ـ فنيش: ولا يمكنني أن أصنع ذائقته وحدي.
ـ الوادي: إذن من المسؤول؟
ـ فنيش: الجميع.
ـ الوادي: هذه الكلمة أكبر مقبرة للمسؤولية. بعد كل هذه العقود، ماذا غير المسرح فعلاً؟
ـ فنيش: غير أشخاصاً.
ـ الوادي: كم؟
ـ فنيش: لا أعرف.
ـ الوادي: إذن ربما بالغنا كثيراً في الحديث عن رسالة المسرح.
ـ فنيش: ربما.
ـ الوادي: ربما؟
ـ فنيش: الفنان الذي يملك أجوبة نهائية ينبغي أن يغادر المسرح. المسرح يبدأ عندما تسقط الإجابة.
ـ الوادي: سؤال أخير: لو دخل شاب الآن وقال لك: كل ما فعلتموه لم يعد يكفيني، ماذا تقول له؟
ـ فنيش: أقول له: الحمد لله.
ـ الوادي: لن تغضب؟
ـ فنيش: أغضب إذا قال: سأكرر ما فعلتموه.
ـ الوادي: وإن قال: سأهدمه؟
ـ فنيش: أسأله: ماذا ستبني؟
ـ الوادي: وإن قال: لا أعرف؟
ـ فنيش: عندها أفتح له باب المسرح. الذي لا يعرف بعدُ… هو الوحيد الذي ما زال قادراً على الاكتشاف.
ـ الوادي: ربما كانت مشكلتنا أننا عرفنا المسرح أكثر مما ينبغي.
ـ فنيش: لا. مشكلتنا أننا توهمنا أننا عرفناه.
ـ الوادي: هذه أسوأ بكثير. إذن لنسقط الستار.
ـ فنيش: الستار يسقط في العروض الميتة فقط.
ـ الوادي: وفي العروض الحية؟
ـ فنيش: يسقط المتفرج من يقينه.
 

الاخبار العاجلة