عمر بنجلون واليسار المغربي: حين تدخل المعارضة البرلمان وتخرج الشعارات من الخزانة 

جسر التواصل28 سبتمبر 2026آخر تحديث :
عمر بنجلون واليسار المغربي: حين تدخل المعارضة البرلمان وتخرج الشعارات من الخزانة 

عبد العزيز الخطابي

·من «جدار الصد» إلى سؤال البديل: هل يستطيع اليسار أن يحوّل المعارضة من خطاب سياسي إلى ممارسة يومية تقاس بما تقوله الأرقام والقوانين والنتائج؟
في السياسة المغربية. هناك كلمات تشبه القمصان القديمة: تتغير الحكومات، وتتغير البرلمانات. وتتغير الوجوه. لكنها تعود دائماً إلى الخزانة نفسها. المعارضة. الديمقراطية. العدالة الاجتماعية. القدرة الشرائية. المال الانتخابي. استقلال القضاء. ومحاربة الفساد… كلمات لا تشيخ. لأنها ببساطة لم تجد بعد من يقرر إحالتها إلى التقاعد.
ومن الرباط. خرج عمر بنجلون. البرلماني عن تحالف اليسار. ليعلن أن نواب التحالف الثمانية سيختارون المعارضة. وأن دورهم سيكون مراقبة العمل الحكومي والتصدي لما وصفه بالسياسات والقوانين الجائرة. مستندين إلى مقتضيات الفصل العاشر من الدستور. كما تحدث عن إمكانية التنسيق مع أطراف أخرى في آليات برلمانية محددة. من قبيل ملتمسات الرقابة ولجان تقصي الحقائق. مع إبقاء قرار التحالفات السياسية بيد الأجهزة الحزبية.

 

هنا تبدأ الحكاية الحقيقية. لا لأنها حكاية ثمانية مقاعد. وإنما لأن اليسار المغربي يجد نفسه أمام امتحان مختلف هذه المرة: لم يعد مطالباً فقط بأن يقول ما لا يعجب الحكومة. بل أن يثبت أن المعارضة يمكن أن تكون مؤسسة سياسية تنتج البدائل، لا مجرد غرفة انتظار إلى حين موعد الانتخابات المقبلة.
فأن تقول إنك ستشكل «جدار صد» أمام القوانين التي تعتبرها جائرة. عبارة سياسية قوية. لكن المواطن. في نهاية المطاف. لا يأكل الجدران. ولا يدفع فاتورة الكهرباء بالشعارات. ولا يشتري الدواء بمقتضيات الدستور.
المواطن يريد أن يعرف: ما هو القانون الذي سيعترض عليه اليسار؟ ولماذا؟ وما البديل الذي سيقترحه؟ وإذا كان الحديث عن القدرة الشرائية والأسعار والمحروقات والأمن الغذائي. فما هي الأرقام التي سيقدمها؟ وما هي مشاريع القوانين أو التعديلات التي سيضعها فوق طاولة البرلمان؟
هذه هي النقطة التي يصبح فيها الخطاب السياسي أكثر صعوبة من الخطابة السياسية.
لقد تحدث بنجلون عن إعداد بعض القوانين خارج ارتباط واضح. من وجهة نظره. بالبرامج الانتخابية أو الحكومية وبالتعاقد السياسي مع المواطنين. كما أثار قضايا القدرة الشرائية والأمن الغذائي واستقلالية مهنة المحاماة والحقوق والحريات. وهذه كلها ملفات قابلة للنقاش السياسي والمؤسساتي. لكن قيمتها الحقيقية ستظهر عندما تتحول من عناوين عامة إلى مقترحات محددة يمكن مناقشتها والتصويت عليها ومحاسبة أصحابها.
فاليسار الذي يدخل البرلمان اليوم ليس هو اليسار الذي يقف خارج المؤسسة ويكتفي بالاحتجاج عليها.
داخل البرلمان. للخطاب ثمن آخر.
هناك محاضر. وتصويت. ولجان. وأسئلة. ومقترحات قوانين. وملتمسات. وأرقام. وحجج قانونية. وأحياناً تلك الكارثة الصغيرة التي اسمها «المسؤولية»
والمسؤولية. كما يعرفها السياسيون جيداً. أقل رومانسية من الشعارات بكثير.
ثم إن اليسار نفسه مطالب بأن يطرح السؤال على ذاته قبل أن يطرحه على الآخرين: لماذا احتاج كل هذا الوقت كي يعيد ترتيب أوراقه؟
عمر بنجلون عاد في تصريحاته إلى سنة 2011. واعتبر عدم انخراط اليسار بقوة في تلك اللحظة «خطيئة» بحسب ما نقلته وسائل إعلام. موضحاً أنه كان من أنصار المشاركة آنذاك. وربط ذلك بما يعتبره تأخراً في تقدم اليسار السياسي.
والاعتراف بالأخطاء السياسية ليس ضعفاً. بل بداية ضرورية لفهم أسبابها.
لكن التاريخ لا يمنح السياسيين دائماً فرصة ثانية بالصيغة نفسها.
فاللحظات السياسية لا تنتظر طويلاً. وإذا كان اليسار يعتبر أن سنة 2011 كانت فرصة ضائعة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: لماذا ضاعت؟ بل أيضاً: ماذا تعلم اليسار منها؟
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي تيار سياسي هو أن يتحول الاعتراف بالأخطاء إلى طقس سنوي. مثل ذكرى حزينة تُستعاد في الندوات. ثم تعود الممارسة إلى النقطة نفسها.
لقد حصل تحالف اليسار في الانتخابات التشريعية الأخيرة على ثمانية مقاعد، مقابل مقعدين في الولاية السابقة، وفق المعطيات المنشورة حول النتائج. ويضم التحالف حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد.
وهذا التوسع البرلماني يفتح أمام اليسار مساحة أكبر للحضور المؤسساتي. لكنه في الوقت نفسه يرفع سقف الأسئلة حول أدائه.
ثمانية مقاعد ليست رقماً بسيطاً بالنسبة إلى حزب أو تحالف يساري ظل لسنوات يشتكي من محدودية حضوره المؤسساتي. لكنها أيضاً ليست عدداً يسمح بتحويل البرلمان إلى منصة للخطابات الطويلة ثم انتظار أن يقتنع المواطن بأن شيئاً تغير.
الفرق بين المعارضة المؤثرة والمعارضة الرمزية لا يصنعه عدد الخطب. وإنما مقدار ما تستطيع تلك المعارضة أن تكشفه. وتناقشه. وتقترح بديلاً عنه. وتدفع الحكومة إلى تقديم أجوبة واضحة.
وهنا تحديداً سيواجه عمر بنجلون ورفاقه أصعب اختبار.
فالمواطن الذي يسمع حديثاً عن «التصويت الواعي» ورفض المال الانتخابي يريد أن يعرف أيضاً ماذا سيفعل النائب بعد أن تنتهي الانتخابات. والمواطن الذي يسمع عن الدفاع عن القدرة الشرائية يريد أرقاماً وسياسات، لا مجرد وصف للمعاناة. والمواطن الذي يسمع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية يريد أن يرى هذه المفاهيم وهي تتحول إلى تشريع ومراقبة ومساءلة.
أما الحديث عن اليسار في أفق خمس أو عشر سنوات. وعن الانتقال السياسي الجديد. وعن وضع الاشتراكية في قلب المعادلة السياسية. كما جاء في تصريحات بنجلون. فهو حديث عن المستقبل، والمستقبل في السياسة لا يكفي أن يُرسم بالكلمات؛ يحتاج إلى طريق. ومحطات. ومؤشرات يمكن للناس أن يروا من خلالها إن كان المسار يتقدم أم يدور حول نفسه.
ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث لليسار المغربي اليوم هو أن يتوقف قليلاً عن سؤال الآخرين: لماذا لا يصوت الناس لنا؟ وأن يبدأ بسؤال أكثر إزعاجاً: ماذا قدمنا لهم عندما كانوا يحتاجون إلينا؟
ليس السؤال اتهاماً، بل هو سؤال سياسي مشروع.
فاليسار لا يحتاج فقط إلى استعادة موقعه داخل البرلمان. وإنما إلى إعادة بناء العلاقة مع المواطن خارج البرلمان. المواطن الذي لا يقرأ البيانات الحزبية. ولا يحضر المؤتمرات. ولا يعرف أسماء المكاتب السياسية. لكنه يعرف جيداً ثمن الخبز. وفاتورة الماء والكهرباء. وثمن الوقود. وكلفة التعليم والعلاج. ويعرف أيضاً الفرق بين وعد انتخابي وبين سياسة تغير حياته.
لذلك فإن معركة اليسار المقبلة لن تكون فقط مع الحكومة.
ستكون. بدرجة كبيرة، مع ذاكرته السياسية نفسها.
مع السنوات التي مرت، والشعارات التي قيلت. والفرص التي ضاعت. والانقسامات التي أنهكت التنظيمات. والمسافة التي اتسعت بين لغة السياسي ولغة المواطن.
وقد يكون هذا هو المعنى الحقيقي لعبارة «جدار الصد» التي تحدث عنها عمر بنجلون: ليس جداراً في مواجهة الحكومة فقط، وإنما جداراً أمام عودة السياسة إلى عاداتها القديمة.
فإذا استطاع اليسار أن يحوّل مقاعده الثمانية إلى أسئلة دقيقة. وملفات موثقة، ومقترحات قوانين. وبدائل اقتصادية واجتماعية قابلة للنقاش، فسوف يصبح وجوده البرلماني مادة سياسية يومية لا مجرد رقم في نتائج الانتخابات.
أما إذا عادت الكلمات إلى مقاعدها القديمة، وعادت الشعارات إلى خزائنها القديمة، فقد يجد المواطن نفسه أمام المشهد نفسه الذي يعرفه جيداً: سياسيون يتحدثون عن المستقبل، ومواطن يبحث عن حاضره.
وهنا لا يعود السؤال: هل يستطيع اليسار أن يعارض؟
فذلك قراره المعلن.
السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا سيقدم اليسار للمغاربة عندما تصبح المعارضة نفسها مطالبة بأن تقدم الحساب؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي لعمر بنجلون، وللتحالف الذي يتحدث باسمه، ولليسار المغربي كله.
فالزمن السياسي لا يقيس الأحزاب بما تقوله عن نفسها. وإنما بما تستطيع أن تفعله عندما تصبح الكلمات مطالبة بأن تتحول إلى أفعال.

الاخبار العاجلة