الحلقة الثانية من السلسلة الحوارية من السيرة الذاتية “عيطة ركوب الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي.

جريدة جسر التواصل: متى اكتشف الحسين السطاتي موهبته في الموسيقى والغناء ؟
الحسين السطاتي: اكتشفت موهبتي في سن صغيرة، منذ وعيت وأنا بالبادية، تأثرت بما حولي وأنا طفل، كنا نصنع الموسيقى بطريقة تقليدية بدائية، من النباتات وحتى من الحشرات، إذ كنا نصنع من براعم سنابل الشعير والقصب مزامير ونلهو بها، ونمسك النحل ونضعه في علبة عود الثقاب الفارغة ونغلق عليه ليصدر طنينا، ونستمتع بهذا الجو الموسيقي البدائي، و كنت أرى بعض الرعاة يعزفون على آلاتهم التقليدية الموسيقية في الخلاء بما في ذلك “الناي، والقصبة، والمطبك، ولوتار، والكمنجة..”، وحوالي سن العاشرة كنت أتسلم منهم الآلة الموسيقية وأعزف عليها، ووقع حبي واختياري لآلة الكمنجة، لأن لها حضوة وقيمة داخل المجموعة الموسيقية، وتعلمت من زملائي الرعاة كيف أصنع آلتي، وعن طريق التكرار والإجترار في العزف وغناء بدأت التعلم بالتدريج، وكانت تلك الشرارة الأولى لانطلاقي في عالم موسيقى الفن الشعبي وفن العيطة.
جريدة جسر التواصل: تلعب مرحلة الطفولة دورا أساسيا في تكوين شخصية الفنان، كيف ساهمت طفولتك في تحديد مسارك الفني؟
الحسين السطاتي: فعلا للطفولة دورا مهما في تكوين شخصية الانسان ومنه الفنان، وبالنسبة إلي بحكم أنني ريفي من بادية “أولاد عبو” منطقة ” أولاد سعيد” ضواحي مدينة سطات، نشأت وكبرت في جو طبيعي رومانسي، وسط الحقول الخصبة والسهل المنبسط، تعلمت الموسيقى بطريقة تقليدية بدائية، تأثرت بموسيقى الرعاة، فن العيطة، تشربت هذا الفن وراء قطيع الغنم، في المرعى، بجانب البئر، أو بالبيدر بجانب كومات التبن “النوادر”، وعلى ضفاف الوادي، كانت تتعاقب علي الفصول الأربعة، وكان لكل فصل روعته ورومانسيته، الربيع بزقزقة العصافير والخضرة والورود والأزهار البرية، وأصوات البهائم والدواجن..والصيف يجمع جو الحصاد والدرس والحفلات ومواسيم التبوريدة، وفصل الخريف بالاستعداد لموسم فلاحي جديد بالحرث وتقليب الأرض، وتساقط أوراق الأشجار، ليأتي الشتاء بروعته من طقس شاتي مكفهر، ورعد وبرق، وصب للمطر وجريان للمياه في السواقي والروافد، كنت أعيش موسيقى طبيعية، هي التي كونت وجداني الفني، فهذه الطبيعة الغناء هي التي منحتني الموسيقى والغناء، ومن هنا اشتعلت أولى شرارات جمرة العيطة.

جريدة جسر التواصل: كيف كان الحسين السطاتي يوافق بين الدراسة والعمل الفني؟ ألم يكن يشكل لك العمل مع الشيخات حرجا أمام الأساتذة وزملائك التلاميذ ؟
الحسين السطاتي: بل العكس هو الصحيح، كان ذلك يشكل لي فخرا واعتزازا أمامهم، ويعطيني ثقة في النفس، بكوني فنان موسيقي ومغني وأنا في سن المراهقة، يعني تقريبا منذ أن كان عمري أربعة عشر سنة وأنا أمارس الفن الشعبي وفن العيطة، أصلا أنا بدوي وأنحدر آنذاك من أسرة فقيرة، حيث كنت خلال العطل المدرسية أمتهن مهنا موسمية بالأسواق الأسبوعية بالمنطقة، كبيع السجائر بالتقسيط، أو بيع الماء “سقاء”، وبيع التين الشوكي أو ما تسمى”الهندية”، أو أشتغل في الأعمال الفلاحية عند كبار الفلاحين كالحصاد والدرس وجمع التبن، وأعمل أحيانا كصانع متعلم بالخياطة أو في الحلاقة، المهم أن أحصل على المال، وخلال فترة الدراسة كنت أعيش بالقسم الداخلي، لذلك نشأت متعود على العمل بدون حرج ولا خجل، وهذا ساعدني كثيرا خلال مرحلة التدريب العسكري الدركي بالقاعدة العسكرية، وحتى أتناء عملي المهني كدركي ضابط للشرطة القضائية والعسكرية نشيط في حقل الضابطة القضائية ومحاربة الجريمة، أما خلال مرحة دراستي بالمستوى الثانوي، فكان بعض أساتذتي وزملائي يحضرون لبعض حفلاتي ومنها الأعراس والمواسم الفلاحية، وخلال مشاركتي بالمجموعة الغنائية في الأنشطة الثقافية للمؤسسة التعليمية خلال مناسبات الأعياد الوطنية، كما أن العمل ضمن مجموعة موسيقية غنائية “رباعة الشيخات” كان يضمن لي مبلغا من المال، أقضي به حاجياتي وأساعد به والداي.
جريدة جسر التواصل: دخلت سلك الدرك الملكي ومع ذلك لوحظ اهتمامك الكبير بهذا النمط الفني، فكيف كانت علاقتك مع الفنانين؟ وكيف عملت على التوفيق بين الأمرين ؟
الحسين السطاتي: قبل أن أكون دركيا ابتداء من شهر أبريل لسنة 1994، كنت من قبل فنانا شعبيا، موسيقيا عازف كمان “كومنجي” ومغني لمجموعة غنائية موسيقية “رباعة للشيخات”، يعني كنت قد ألفت أجواء الحفلات والأعراس، وذقت متعة الموسيقى العيطية ولقاء الجمهور وسماع عبارات الإطراء والمجاملة، والحصول على المال والمتعة واللذة وأنا أزاول هوايتي في الموسيقى والغناء، وكنت قد حضرت لبعض سهرات الفنانين الشعبيين وشاهدت ما يحصلون عليه من أموال في الليلة الواحدة بل في ساعات قليلة بفضل الإكراميات من الجمهور، دون تعب ولا توتر ولا تعليمات ولا أوامر، فعرفت أن “العيطة” كريمة وسخية، لهذا قررت منذ دخولي الوظيفة العمومية أنني لا محالة عائد إلى هذا الفن الجميل الأصيل الكريم، إضافة إلى هوسي وشغفي بفن العيطة، لذلك بقيت على تواصل مع الفنانين الشعبيين “أشياخ وشيخات”، في جميع القرى والمدن التي عملت بها كدركي ضابط للشرطة القضائية والعسكرية، وكنت أربط معهم صداقة متينة، وهي صداقة أشياخ العيطة بمعنى أنني كنت شيخا للعيطة ببذلة الدركي، كنت أساعدهم قدر المستطاع، حيث اشتريت مجموعة من الآلات الموسيقية الوترية والإيقاعية ولوازمها ومعداتها من مكبرات الصوت والآلات الالكترونية والرقمية، وكنت أقوم بكرائها لهم وقتما احتاجوا إليها، وكانوا يساعدونني “أشياخ وشيخات” في مهامي الدركية وخاصة في بعض أبحاثي القضائية الإجرامية، كانوا مثل إخوتي وأخواتي، تجمعنا أخوة الفن العيطي، تجمعنا ثقافة الحرفة الفنية ” حرفة تشياخيت”، وكنت أحيانا خلال أوقات إجازاتي المهنية أمارس هوايتي في العزف على الكمان والغناء مع مجموعة غنائية، لكن كشخص هاو وعاشق للموسيقى لا كفنان محترف، لأنني أعرف أن القانون الإداري للوظيفة العمومية يمنع ازدواجية العمل وذلك بالجمع بين العمل الفني الموسيقي والعمل الدركي، لأن الدركي بصفته باحثا في ميدان الجريمة ضابطا للشرطة القضائية والعسكرية وضابطا للشرطة الإدارية، لا يمكنه أن يعمل عملا ثانيا داخل دائرة نفوذه، وعليه أن يلتزم الحياد في أبحاثه، فإذا صار فنانا معروفا وصار له جمهورا فمن الصعب عليه أن يوفق بين المهنتين، لذلك كنت جد حريص في مزاولة هوايتي الموسيقية بالمناطق التي عملت بها، ومن حسن حضي أنه لم يكن حينها قد انتشرت الهواتف الذكية والكاميرات الرقمية، الحمد لله خرج السربيس على خير، والله يخرج العيطة على خير”.
جريدة جسر التواصل: عدت إلى المجال الفني بشكل احترافي، هل جابهتك صعوبات معينة؟
الحسين السطاتي: الحياة كلها صعوبات في جميع الميادين، وما دمنا على قيد الحياة ستعترضنا عراقيل وحواجز، لابد أن نقاومها بالإيمان والصبر والعزيمة..والصعوبات التي تواجهنا ونتحداها هي التي تجعلنا أقوى وتكسبنا مناعة ضد الأزمات، لقد كانت ومازالت وستظل الصعوبات تعترض طريقي، لكن بفضل الله والصبر والاجتهاد والالتزام وحب المغامرة والتحدي والعزيمة، أتحدى الصعاب، سأستمر في الزحف بروح يملؤها التفاؤل حتى أتجاوز العقبات وأصل إلى هدفي، وأنا أسلك درب الحياة أعيش وأستمتع في طريقي وألعن الصعوبات المادية والمعنوية، بل أشكرها أحيانا لأنها تشحذني وتصقلني، ولا أندم على شيء جربته وفشلت فيه، لكني أندم على شيء لم أجربه، فحتى لو فشلت في الوصول إلى حلمي أكون قد استمتعت وعشت شرف المحاولة، لقد عدت إلى الميدان الفني بعد حصولي على التقاعد النسبي، يعني بعد قضائي مدة اثنان وعشرون سنة بالدرك الملكي سلك ضباط الصف، بمعنى كما سبق وذكرت صار لدي راتب شهري للتقاعد لا بأس به يقيني شر الحاجة والسؤال، ومسكن يجمعني بعائلتي، ولدي تغطية صحية عسكرية، وتأمين عن الحياة، وأستفيد أنا وزوجتي وأبنائي من جميع خدمات المصالح الاجتماعية للدرك الملكي، والخدمات الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية، وهذا من فضل ربي، له الحمد والشكر، وكانت عودتي إلى الميدان الفني عن دراسة وتخطيط، إذ طيلة خدمتي المهنية كنت على اتصال وتواصل مع الفنانين الشعبين، وكما سبق وذكرت كنت أقوم بشراء وجمع الآلات الموسيقية ولوازمها من آلات الكترونية ورقمية ومكبرات للصوت، كنت أحيانا أكون في دورية بسوق أسبوعي بصفتي ضابط الشرطة القضائية والعسكرية ورئيس الدورية ومعي دركيين في المهمة، مرتدين بذلتنا الدركية الرمادية القانونية، ودون اكتراث بزملائي ولا بجو السوق، كنت أشتري ما أصادفه من آلات موسيقية ولوازمها، كمنجة أو وتار أو عود أو بندير أو دربوكة أو طعريجة”..وأحيانا أعزف على الآلة الموسيقية أمام البائع من أجل تجريبها ومعرفة جودتها النغمية، أقوم بذلك من داخل السوق وسط الرحابي، فكان زملائي الدركيين يتحرجون ويخجلون من فعلي ومن تصرفاتي هاته، لكنني رئيسهم العسكري وواجب عليهم طاعتي وتنفيذ أوامري، فأنا ريفي وأعتز ببداوتي وفني، ومنهم من كان تلميذا عندي، درسته ودربته، فهم يعرفون جيدا شخصيتي، فحتى البائع أحيانا كان يصاب بالدهشة والذهول لما أخبره بأن الآلة الموسيقية أريدها لي وأنا أتفحصها مرتديا بذلتي الدركية الرمادية إضافة إلى هذا وأنا دركي اكتسبت ثقافة فنية موسيقية بقراءة أبحاث الباحثين المغاربة والأجانب حول فن العيطة والموسيقى بصفة عامة، وصارت لي مكتبة كبيرة بالمنزل مملوءة بما اقتنيته من كتب من الأسواق والمدن، واستفدت فنيا من أشياخ وشيخات العيطة بالمناطق التي عملت بها، وكنت أقوم باكتراء المعدات الموسيقية لأصدقائي الفنانين بثمن رمزي مناسب وأحضر معهم للحفلات وأشاركهم أحيانا وصلات غنائية، كما كنت أشارك معهم في تسجيل الأغاني داخل الأستوديوهات الكبرى بمدينة الدار البيضاء والرباط.. لذلك كانت مرحلة انتقالي من حقل الضابطة القضائية إلى العيطة المرساوية، مرحلة عادية بل أعتبرها ولادة جديدة بالنسبة إلي، ولا أنكر خير إدارة الدرك الملكي علي.
جريدة جسر التواصل: ما الذي تغير في حياتك بعد عودتك من حقل الضابطة القضائية إلى العيطة المرساوية؟
الحسين السطاتي: تغير كبير انتقلت من طريق الحبس إلى طريق العرس، “طريق لحباس إلى طريق لعراس”، كنت عنصرا نشيطا في حقل الضابطة القضائية بصفتي دركي ضابط للشرطة القضائية والآن صرت شيخا للعيطة عنصرا ناشطا في مجموعة غنائية، صارت لي شهرة فنية، وصرت أكثر حرية في التنقل والعيش كما أريد، لأن للوظيفة قانون إداري واجب الالتزام به، وأنا الآن إضافة إلى هوايتي الفنية فإني أستثمر في مجال الحلاقة والتجميل وتنظيم الحفلات.
جريدة جسر التواصل: كيف جاءتك فكرة أن تصبح فنانا ؟
الحسين السطاتي: لم أكن أع ما أقوم به، منذ طفولتي كان يعجبني أن أصنع آلاتي الموسيقية بيدي، كانت تلك من بين لعبنا في البادية، كنت أصنع المزمار من لب القصب الأخضر ومن سيقان السنابل، وكنت أصنع ألتي الكمان “كمنجة الطارو” من إناء مبيد الحشرات أو إناء زيت المحرك”، إلى أن وجدت نفسي فنانا موسيقيا أعزف على آلة كمان حقيقية وأغني مع مجموعة موسيقية “رباعة الشيخات”.
جريدة جسر التواصل: بعد هذه السنين في الفن والنجاح في الوظيقة وفي الفن هل تشعر الآن بالندم على شيء ؟
الحسين السطاتي: لا أبدا لا ولن أشعر بالندم، الندم لا يتبعه سوى الغصة والمرض والحسرة.. الحمد لله أنني في الخمسينات ومازلت في صحة جيدة جسديا ونفسيا، أقول جيدة إلى أن يتبت الطب عكس ذلك، وهذه نعمة من نعم الله ونجاح كبير، الصحة هي العمود الفقري للحياة، قد أتحسر على أشياء لم أجربها، لكن هذه سنة الحياة، أنا الآن لا أعد نفسي أعمل بقدر ما أستمتع بهواياتي، أحب العمل الذي أزاوله، بصفتي فنان شعبي “شيخ للعيطة”، وكاتب، قاص وروائي وزجال،
جريدة جسر التواصل: ماذا تعني العيطة بالنسبة للفنان الحسين السطاتي؟
الحسين السطاتي: العيطة بالنسبة إلي هي تلك الأنثى الحسناء الكريمة المعطاء، أحببتها بكل جوارحي وتبعتها منذ طفولتي فصدتني في الأول، لكني أصررت وألححت في مغازلتها إلى أن طاوعتني، أعطيتها كل ما في وسعي، فطاوعتني وأعطتني كل ما تمنيت وأكثر، ساعدتني في دراستي و في تكويني الثقافي و ساعدتني في مهنتي كدركي ضابط للشرطة القضائية والعسكرية، وأدخلتي أماكن لا أستطيع أن أدخلها لو لم أكون فنانا شعبيا “شيخ للعيطة”، عرفتني على أشخاص من مختلف الأجناس والجنسيات، أكرمتني أمتعتني، وها هي ترافقني حتى في سن تقاعدي، لذلك سأظل وفيا لهذه الحسناء ولن أخذلها، أتمنى أن ترافقني طيلة رحلتي العمرية، هكذا أرى محبوبتي “العيطة”.
جريدة جسر التواصل: ما مدى انعكاس منصات التواصل الاجتماعي على حياة الحسين السطاتي ؟
الحسين السطاتي: عالم مواقع التواصل الاجتماعي يأخذ مني وقتا وذلك انسجاما مع العصر، سواء في مجال الفن الموسيقي الغنائي أو في مجال الكتابة السردية، حيث أنشر إبداعاتي على حساباتي وصفحاتي على هذه المواقع، التي تتيح لي التفاعل السريع مع الجمهور وتدفعني للانتشار أكثر، حتى بالنسبة للكتابة إذ أنه في ظل أزمة النشر والتوزيع، وفي ظل البيئة الثقافية الراهنة، وما تعرفه من عزوف عن القراءة، إلى جانب تسيد الصورة والفيديو على حساب الكتاب، فمن الطبيعي أن يسعى الكاتب بكل السبل إلى مواكبة الوضع عبر استثمار المعطيات والوسائل المتاحة له، من وسائل سمعية وبصرية وحسابات على منصات التواصل من أجل توسيع دائرة جمهوره والانتشار أكثر.
جريدة جسر التواصل: ماذا تعني العيطة والكتابة للحسين السطاتي ؟
الحسين السطاتي: أعتبر الكتابة عزاء وخلاص، وإعادة صياغة الوجود، فقد ساعدتني على ترميم حياة رثة ومتصدعة، بالكتابة استطعت أن أتجاوز الألم والمرض، وبالعيطة استطعت أن أنسى أوجاعي ولو للحظات مع الناس ومع الفرقة الموسيقية “رباعة الشيخات”، فموسيقى العيطة هي عمل أدبي شامل تجمع فيه ما تفرق في غيره، نجد في العيطة شعر الزجل والموسيقى والغناء والرقص، والفكاهة، وفي النص العيطي نجد القصة القصيرة جدا، والقصة القصيرة، والرواية الطويلة، كما نجها تتناول الخرافة والأسطورة.
جريدة جسر التواصل: الحسين السطاتي فنان شعبي قائد فرقة موسيقية غنائية “رباعة الشيخات” هل تعتمد على الصوت أم الصورة ؟
الحسين السطاتي: طبعا في المباشر أعتمد على الصوت والصورة والأخلاق، وفي التسجيل أحيانا أكتفي بتسجيل الصوت فقط ، وأحيانا أقوم بتسجيل الأغنية بالصورة والصوت مباشرة من الحفل أو السهرة، فالصوت حاليا غالبا مقترن بالصورة، أحب أن أظفر بالصوت والصورة لكن ما باليد حيلة المشكل مادي محض، كما أنني كتبت “عيطة العين” قصيدة في مائة وأربعين بيتا شعريا زجليا، ومزجت بين اللحن المرساوي والعيط الفيلالي البلدي، وكتبتها رواية طويلة في أربعة أجزاء طويلة، أعطيتها عنوان “العين الزرقاء” عيطة العين”، وأتمنى إن شاء الله أن تترجم إلى فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني.
جريدة جسر التواصل: أصبحت أحد رموز فن العيطة بالمغرب، خلال سنوات قليلة من العمل الفني بعد حصولك على التقاعد من العمل الدركي، وصرت تحيي مهرجانات وسهرات عمومية، وشاركت في ندوات ومحاضرات.. ما الذي ساعدك على ذلك، هل هو الحظ أم أنك اجتهدت على نفسك؟ ؟
الحسين السطاتي: هناك عدة عوامل ساعدت على ذلك وكانت سببا في نجاحي منها: ثقافتي الفنية، والاجتهاد الشخصي، بإتباعي فن العيطة والكتابة حولها، كما أن فن العيطة يُحضى بإقبال وقبول كبير بين المغاربة، وكل هذه العوامل ساهمت في نجاحي الفني.
جريدة جسر التواصل: هناك العديد من الفنانين المغنيين من جيلك دفعهم تردي المشهد الغنائي المغربي إلى الانسحاب وهناك من يفكر في الانسحاب..بالنسبة إليك هل تتعامل مع المسألة بشكل ايجابي أم تنتابك أحيانا حالات من الإحباط تدفعك إلى نفس التفكير؟
الحسين السطاتي: أنا دركي متقاعد برتبة “أجودان”، وكاتب قاص وروائي وشاعر زجال، وأستثمر في مجال الحلاقة بصفتي حلاق ومدرس ودرب للحلاقة، أما بالنسبة لفن العيطة “حرفة تشياخيت” فهي هوايتي ولا يمكنني أن أنسحب من هوايتي كما أهوى رياضة كرة القدم، و الصيد البري “القنص” وركوب الخيل.
جريدة جسر التواصل: هل الفن مهارة مكتسبة أم إبداع فطري ؟
الحسين السطاتي: الفن الحقيقي بصفة عامة هو إبداع فطري، ومهارة مكتسبة معا، بدليل أن هناك الكثير ممن يدرسون الفن وعلى دراية بكل المهارات لكنه لم يتمكن من اكتشاف الإبداع الذي يملكه كي يظهر بصمته المميزة في المقابل هناك من اكتشف وعرف أن لديه إبداعا فطريا لكنه لم يعززه بالمهارة والتدريب، فلم يظهر أو يزهر، الإبداع الفطري يحتاج إلى سعي كي يزهر، هو كالبدور يبذر في الأرض ويسقى وتأخذ البذرة وقتا في النمو والتجدر لتزهر، أما أنا بصفتي فنان شعبي ” شيخ للعيطة” موسيقي عازف كمان “كومنجي” ومغني لفرقة موسيقية “رباعة الشيخات”، أؤمن بأن كل واحد منا فنان في مجال تخصصه. أبحث دائما في المجال الفني الذي أشتغل فيه وأتعلم، وأكتسب ثقافة حوله، وأتدرب وأتواصل مع زملائي سواء في الفرقة أو الفنانين لصقل موهبتي والتحسن إلى الأفضل.
جريدة جسر التواصل: كفنان شعبي “شيخ للعيطة” ماهي انتظاراتك المستقبلية لفن العيطة ؟
الحسين السطاتي: فن العيطة أو حرفة “تشياخيت” كانت ومازالت وستظل في القمة تحتل الصدارة “الطوندونس”، رغم كل العقبات، فهي أغنية حب وحرب، وإذ صح التعبير فهي أغنية جنس، لهذا تجد الجمهور متعطش لهذه الموسيقى وهذا النوع من الأغنية الشعبية، والعيطة هي ملكة عادلة على شعبها الوفي، للرجل مثل المرأة ولا فرق بين أبيض وأسود ولا لعربي على عجمي إلا بالفن.
جريدة جسر التواصل::هل سبق لك أن عشت لحظات صعبة في عالم الفن ؟
الحسين السطاتي: بحكم أنني دركي متقاعد، وكنت سابقا مدربا عسكريا وضابط للشرطة القضائية، عشت تجارب مريرة في عالم الجريمة، لهذا كل ما أتعرض له في حياتي الفنية أعتبره تسلية كيفما كانت نوع الأزمة، مشاكل الفن بالنسبة إلي تبدو تافهة ولا تستحق حتى أن تحكى بالمقارنة مع مستنقع الضابطة القضائية وحياة الإجرام.
جريدة جسر التواصل: أنت فنان شعبي “شيخ للعيطة” موسيقي عازف كمان “كومنجي” ومغني لفرقة موسيقية “رباعة الشيخات”، وكاتب قاص وروائي..في نظرك عالما العيطة والكتابة هل هما منفصلان أم متكاملان؟
الحسين السطاتي: الكتابة وفن العيطة عالمان متكاملان، ويمكن القول بأن فن العيطة يجمع عدد من الفنون فهو فن غنائي تراثي أصيل، فن أدبي شامل يجمع الموسيقى وشعر الزجل والغناء والرقص وحتى العرض المسرحي..لهذا فالعيطة والكتابة منسجمان فيما بينهما وكل واحدة تكمل الأخرى.
جريدة جسر التواصل: بين كتابة المقالة والشعر والقصة والرواية والحلاقة وموسيقى العيطة، أين يجد الحسين السطاتي نفسه ؟
الحسين السطاتي: فن العيطة يسكنني، أنا مهووس وأعشق “حرفة تشياخيت”، أجد فيها تسلية ومتعة وراحة ومدخول مادي ومغامرات جميلة، وهي المادة الخام لكتاباتي الأدبية، ففن العيطة كما قلت هو فن أدبي قائم بذاته، ولكل هواية مكان في شخصيتي.
جريدة جسر التواصل: ما هي أهم مرحلة في قطار حياتك؟ وهل من محطة ترغب في إلغائها أو حذفها؟
الحسين السطاتي: ليست هناك أية مرحلة أريد حذفها أو إلغائها، لأن كل مرحلة وكل محطة في حياتي عشتها بشعوري وبذاتي، وليست كل المحطات رائعة، هناك محطات تلقيت فيها ضربات قاسية موجعة، وهذا لا يعني أن تلك المحطات سألغيها، بل العكس هي المرحلة التي كونتني وجعلتني أكثر نضجا وأكثر ثقافة، وهي المحطة التي عبرها قطاري حتى وصل إلى هذه المحطة الرائعة التي أنا فيها الآن، ومازلت أواصل السفر إلى محطات أخرى في رحلة الحياة.
جريدة جسر التواصل: ما هو الحلم الذي مازال لم يتحقق للفنان الحسين السطاتي ؟
الحسين السطاتي: الحلم لا يتحقق لهذا سمي حلما، وكل ما حققته في حياتي كان قائما على التمني والعمل الجاد، بتحديد الهدف القريب والهدف المتوسط والبعيد ثم التقدم، ولم تتحقق أمنية الأمنيات أن تتحول إحدى رواياتي إلي فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني، أتمنى أن تترجم روايتي الطويلة “العين الزرقاء” إلى فيلم أو مسلسل، وقد استلهمتها من الأغنية التراثية ” عيطة العين”، من فن العيطة البلدية الفيلالية.
Views: 36
























