سعيد عنيد….يكتب قصة الصبي الحزين

جسر التواصل26 يونيو 2020آخر تحديث :
سعيد عنيد….يكتب قصة الصبي الحزين

بقلم/ سعيد عنيد

يحكى أن قاضيا كان له بنت و ولد، و كان هو و زوجته سعيدان بهما، و كان الصبي والصبية منسجمين مع بعضهما أيما انسجام، لا يفترقان لحظة واحدة، و لا تمر ساعة في النهار إلا و هما معا، و في الليل أيضا، كانا يقضيان وقتا ليس بالقصير في الحديث و اللعب، كانا كعصفورين عاشقين، لا يطيب لأحدهما عيش إلا بجانب صاحبه، كانت تربطهما علاقة مقدسة فاقت الأخوة و الصداقة و الحب و الإدمان! علاقة تعجب لها الكثيرون، الكبير و الصغير، و ظلت أسرارهما مدفونة في قلبي الصبي والصبية.
كان اسمها زينب و كان اسمه سيف، كانت أصغر منه سنا و أقصر طولا و كان أقصر منها خيالا و أقل جمالا، كانت مرحة و حنونة و كان لطيفا و دائم الإبتسامة و الصمت، كانت أكثر حساسية منه و كان أكثر ذكاء منها، كانت تحب القصص الخيالية و كان يحب الرياضيات، كانا مختلفان قليلا و كان اختلافهما يجمعهما في شخص واحد!
كانت الأسرة تسكن بيتا فسيحا يطل على بحيرة طبيعية جذابة، في أسفل هضبة خضراء تنوعت أزهارها و أشجارها، باتجاه القبلة حيث تطلع الشمس كل صباح فتزيده سحرا و دفئا. كانت الطبيعة المحيطة بالبيت كجنة في درجة الكمال، كسيمفونية موسيقية متناغمة و منسجمة، أو كلوحة تشكيلية بديعة، تتوه العين عند رؤيتها، زاخرة بالحيوانات و الطيور و الأشجار و الورود و الفراشات، طبيعة لا تتوقف فيها الحياة، و لا يتوقف فيها الرقص و الغناء.
كان الصبي والصبية سعيدان في جنتهما بقدر سعادة آدم و حواء في الجنة قبل أن يخدعهما الشيطان، وفي يوم من أيام الربيع، خرجا من البيت ليستمتعا بالشمس الدافئة و ليتنزها في الطبيعة الساحرة فيقطفان أطيب الورود و يستمعان إلى أعذب الأصوات، حاملين محفظة صغيرة و مظلة سوداء، كانت الحديقة الفسيحة دافئة بأشعة الشمس الناعمة التي تخترق الأشجار كالسيوف، مانحة الشعور بالراحة و الاسترخاء، كان الصبي والصبية فرحان جدا و هما يسيران بين الأزهار، تمتعهم المناظر الجميلة من اليمين و اليسار، و تطربهم العصافير من فوق الأشجار، مرة يمسكان بيد بعضهما كزوجين في عرس زفافهما، مرة يتكئان على بعضهما، و مرة ينفصلان فيهرب بين الأشجار المثمرة لتتبعه و هي تناديه بصوتها الرقيق 《توقف سيف! لقد رأيتك!》، كانا يلعبان الغميضة لوحدهما، يغنيان مع العصافير، و يرفرفان مع الفراشات أو يرميان متاعهما فوق العشب و يتبعانها بعفوية و هي تحلق حول النباتات و الأزهار أو تطير مبتعدة في الفضاء، يتنقلان بحرية من مكان لآخر كنحلتين تبحثان عن الرحيق الخالص، أو يتسابقان إلى الورود المتفتحة فيقطفها سيف و ترتبها زينب مثلما تفعل الحمامتين أثناء بناء عشهما.
كان للطبيعة سحر لا يقاوم
و للأزهار المختلفة أريج لا يساوم
كانت البحيرة تلمع تحت أشعة الشمس الذهبية
و الطيور الطليقة تتغنى بالحب و الحرية
كان الطقس الدافئ العطر يترك بصمات نعمانية على الوجوه
و الأشجار و الظلال
المختلفة الأشكال
تجعل الناظر يحتار و يتوه
هناك على ضفاف البحيرة
تمشى الصبي و توقفت الصبية
أثبتت في التربة الرطبة مظلتها السوداء
و جلست فوق صخرة صغيرة ملساء
و فتحت محفظتها و أرخت رجليها في الماء
متناولة خيطا رقيقا و طعما و سنارة
كان تلهفها للصيد يزيدها شوقا و إثارة
و في المياه العذبة العميقة
رمت سنارتها و انتظرت كم من دقيقة
كانت الإبتسامة لا تفارق شفتيها
متنفسة التفاؤل في أعماق رئتيها
و هي تنظر إلى الصبي
إستقبلت السنارة ضيفا كبيرا
كان سيف شاردا و هو يتابع بعينيه الطيور السعيدة
و يتأمل السحب الغامقة البعيدة
فلم ينتبه لأخته زينب و هي تقاوم السمكة العنيدة
كانت زينب تسحبها إليها
لكن السمكة استعصت عليها
و قبل أن تطلب المساعدة من أخيها
زلقت من فوق الصخرة مسحوبة إلى البحيرة
إلتفت الصبي على إثر سماعه لصراخ الصبية
فأسرع لينقذها قبل أن تغرق
كانت تقاوم، مرتجفة، كحمامة وقعت في فخ أخرق
لم يستطع سيف إنقاذها من الموت
فأخذ يصيح على أهل البيت بأعلى صوت
أتى القاضي و الخدم مسرعين
كانت الصبية زينب قد غرقت في الحين
غطس الغطاسون ليخرجونها بسرعة قبل فوات الأوان
لكن ذلك اليوم كان أصعب امتحان
لقد ماتت الصبية المسكينة
و صدمت تلك الوجوه الحزينة
كانت شاحبة كوردة تحت الجليد
صورتها أبكت الشيخ و الوليد
أما سيف فقد فقد وعيه عند رؤية المشهد الفظيع
متجمدا كأنما بات تحت الصقيع
بكى الناس الصبية حتى العياء
و ما غير من شيء ذلك البكاء
دفن القاضي جسد الصبية
بجانب البحيرة
و دفن معه روح الصبي الحزين
كل شيء مات
و ما بقي إلا الأنين
كل شيء فات
و ما بقي إلا الحنين
و بعد سنة من الألم
و الحزن و الضياع و السقم
كان يزور فيها سيف أخته الوحيدة
خرجت بجانب قبرها شجرة فريدة
تفوح أغصانها برائحة جميلة
منظرها حسن رغم أنها ليست طويلة
فأصبح الصبي يستظل تحتها
و بعد صمته الدائم أصبح يحكي لها
كانت تستمع إليه و لا تتكلم
كان يستعيد ذكرياته تحتها فيتألم
هذه الشجرة لم تكن كباقي الأشجار
كانت تؤنسه و تكتم له الأسرار
سماها الصبي الحزين زينب
و بقي يزورها دوما دون أن يتعب

الاخبار العاجلة