الحلقة الثامنة والعشرون

جريدة جسر التواصل: كيف تصف لنا ولقراء الجريدة روايتك “عيطة بيضاوية”؟
الحسين السطاتي: روايتي “عيطة بيضاوية”، هي مناداة واستنجاد لبطلها الفتى “الحسين السطاتي”، الذي أعطيته نفس اسمي الفني، وهي “عيطة “، هي صرخة احتجاج ضد الظلم والفساد والقهر، وتجاهل المرأة المغربية عموما والمرأة الريفية البدوية بصفة خاصة، منها المرأة الفنانة “الشيخة”، وروايتي هي صرخة المقهورين المظلومين في هذا الوطن، وهي تعري الفساد والظلم والزبونية والمحسوبية والعنصرية، ونفاق المجتمع الذكوري الأبوي، فهي عيطة فنان شعبي “شيخ للعيطة”، دفعته الظروف والأقدار أن يلج عالم الضابطة القضائية ويعمل دركيا في مستنقع محاربة الجريمة، ليجد الفساد بكل أنواعه ينخر المؤسسات العمومية، والجشع والطمع وانعدام الضمير المهني، وانعدام الوازع الديني في كل مكان بكل مدينة أو قرية يحل ويعمل بها، ليعود هذا الدركي الضابط إلى أصله إلى فن العيطة “حرفة تشياخيت” التي وجد فيها الحب والسلام والأمن والأمان.
جريدة جسر التواصل:كيف جاءت فكرة كتابة روايتك “عيطة بيضاوية”؟
الحسين السطاتي: قضيت مدة اثنان وعشرون سنة في سلك الدرك الملكي ، وعملت ميدانيا في حقل الضابطة القضائية، في محاربة الجريمة، وأنا حائز على شواهد وديبلومات، منها :ضابط للشرطة القضائية، وضابط للشرطة العسكرية، وضابط مكلف بالأحداث، وضابط الشرطة التقنية العلمية، وتقني التشخيص الجنائي الإجرامي، وضابط الشرطة الإدارية، وضابط الأبحاث المركزي، وحائز على الشهادة العليا الإعدادية للدرك الملكي، وبحثت في جرائم متنوعة ومتعددة، جرائم مختلفة كالقتل والاغتصاب والاختطاف وعصابات المخدرات وجرائم الإرهاب، وجرائم التهريب الدولي للمخدرات والتهريب الدولي للإبل والسجائر عبر الحدود المغربية الجزائرية، بل كنت متهما في بعض الجرائم، فأردت أن أوظف خبرتي الميدانية وموهبتي في الكتابة، وأنقلها في كتب عن طريق السرد، كما رغبت أن أتقاسم مع القارئ ما يعانيه ضابط الشرطة القضائية، الذي يتقلب بين نارين، بين سلطة الرئيس المستبد الخائن الفاسد وتهديدات المجرمين، وكذلك حياة الفنانين الشعبيين “أشياخ وشيخات” فن العيطة، أردت أن يعيش معي القارىء أحداثا مشوقة عشتها وأخرى عايشتها.

جريدة جسر التواصل:ما هي الروافد التي خصبت نصوصك السردية؟ ومن أين تستمد عناصرها؟ وبمن تأثرت من الكُتاب؟؟
الحسين السطاتي: من الصعب الإحاطة بكافة الخلفيات التي تشكل نصوص المبدع، لكني أعتقد أن التجربة هي العنصر الأول الذي يتحكم في منجزي الأدبي، وكل مقال أو كتاب أكتبه هو توثيق لتجربة ذاتية، دون إغفال السياق أو الظرفية التي أكتب خلالها، هذا بصفتي فنان شعبي “شيخ للعيطة” موسيقي عازف كمان “كومنجي” ومغني لفرقة موسيقية غنائية “رباعة الشيخات”، ودركي متقاعد برتبة أجودان، ضابط للشرطة القضائية والعسكرية..وخياط وحلاق وفلاح راعي ومزارع..كل هذه تجارب عشتها وأوظفها في نصوصي السردية، أما عن الروافد الأدبية فأنا منحاز إلى تيار الكتاب الذين سعوا إلى مغربة القصة، فكلنا نعلم أن السرد المغربي مر بعدة فترات منذ مرحلة التأسيس، إلا أنني تأثرت بالمرحلة التي بدأت فيها النصوص تنبثقا من الأجواء المشرقية وأذكر هنا النصوص التي أبدعها كل من الراحل محمد زفزاف، ومصطفى المسناوي، وأحمد بوزفور وغيرهم من الرواد ، وقد ازدهر هذا النمط من الكتابة خلال سنوات الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وفي كتاباتي الروائية تجدني مأخوذا بأجواء الرواية الكلاسيكية المغربية التي تستمد مقوماتها من تراثنا اللغوي وبيئتنا المحلية، من خلال الشخوص والفضاءات التي تنهض على الواقع الاجتماعي، ككتابات الرواد الراحلين كل من محمد شكري ومحمد خير الدين وإدريس الخوري..هذه الكتابات التي استطاعت أن تخلد في الزمن كما خلدت “عيوط ” ومنها : “حاجتي في كَريني وخربوشة، وركوب الخيل، ولغزال، ودامي، والشاليني ورجانا في العالي..”، أما في الرواية العالمية ومنها العربية. فأنا متأثر بالأدب الروسي من أمثال عمالقة الأدب بمن فيهم، العملاق دوستيويفسكي، وليو تولستوي ، وتشيخوف، ونيتشه..والأديب الأمريكي هيمينكَواي، والكولومبي مارسيل كارسيا ماركيز، كما تأثرت بعمالقة الأدب العربي ومنهم: طه حسين، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ونجيب الكيلاني، وعبد الرحمان منيف، ووفيق العلايلي، وسهيل إدريس، ويوسف السباعي، وإحسان عبد القدوس، وعبد الله أحمد، ونوال السعداوي، وخناتة بنونة، وزهرة رميج، ولطيفة لبصير، وفتيحة مورشيد، وفدوى مساط، وسناء العاجي والراحلة مليكة مستظرف..كل واحد من هؤلاء أخذت منه شيئا.
جريدة جسر التواصل: جريدة جسر التواصل: ما رأيك بالكتاب الذين يكتبون باللهجة العامية؟
الحسين السطاتي: كل كاتب يكتب باللغة التي يرتاح لها، وتعطيه إشباع ذاتي، وللناس فيما يعشقون مذاهب، وأذواق البشر تختلف، وحتما هناك شريحة كبيرة تفضل الكتابة باللهجة العامية، “الدارجة العربية المغربية”، كما نجد أن هناك كتاب كبار لهم باع طويل في الكتابة، يعدون من عمالقة الأدب العربي ونجدهم يتركون أثرا باللهجة العامية لبلدانهم في كتاباتهم التي تعتمد على اللغة العربية الفصحى، لتكمل بذلك جمالية النص والحوار، وأنا شخصيا دائما أضمن حواراتي في الكتابات الأدبية بعض العبارات والجمل باللهجة العامية، كما كتبت نص مسرحي فردي بعنوان “عيطة الكرسي”، باللهجة العامية الدارجة، وكتبت مسرحية تحت عنوان “الرقص مع الذئاب في عيطة الغاب”.، وبالنسبة إلي، كانت تجربة ناجحة.
جريدة جسر التواصل:ما أهمية حضور الكاتب لمعارض الكتاب والمشاركة بفعالياتها الثقافية؟
الحسين السطاتي: حضور الكاتب مهم جدا في مثل هذه الفعاليات، التي تقام على مدار السنة في المدن المركزية وبعض المدن الهامشية، فهي محطة جميلة للالتقاء الكاتب بجمهور القراء ومشاهدة انعكاس ردودهم مباشرة، وكذلك الالتقاء بالكتاب الآخرين والزملاء وتبادل الخبرات والآراء معهم، والحضور لتوقيعات كتب، وحضور الجلسات الثقافية، والاطلاع على جديد الساحة الثقافية الأدبية، والجميل أن يعيش الانسان تلك الأجواء الرائعة في هذه الأعراس الثقافية.
جريدة جسر التواصل: بصفتك كاتب قاص وروائي وشاعر زجال، بماذا تنصح في شأن القراءة والكتابة؟
الحسين السطاتي: أنصح بتشجيع وتحفيز النشء على القراءة والمطالعة وتوفير خزانات ومكتبات عمومية في الحواضر بمختلف ربوع المملكة، وحتى بالقرى، وانجاز برامج تحفيزية في هذا المضمار وتجويد صورة الكتاب في مخيالهم حتى يقبل الشباب على القراءة من منطلق اختياري وبمادرات فردية وجماعية، هكذا سنقرأ لجيل مثقف وذي فكر عميق، بعيدا عن ثقافة استهلاك المعلومة الجاهزة التي تقدمها الشبكة الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، التي أعتقد أنها تزود الناشئين بثقافة سطحية وقتية.
جريدة جسر التواصل: هل يخضع الحسين السطاتي لإغراء الكتاب المشهور، فتقبل على شرائه وقراءته؟
الحسين السطاتي: فعلا لقد حصلت معي عدة مرات، ووقعت في فخ شراء كتاب ذاع صيته، فتبين لي بعد قراءته أن المضمون لا يتناسب مع كل تلك الضجة الإعلامية والدعاية التي رافقته.
جريدة جسر التواصل: في خضم مسؤوليتكم على مشروع للحلاقة، وقيادة فرقة موسيقية غنائية “رباعة الشيخات”، متى تجدون الوقت للقراءة والتأليف؟
الحسين السطاتي: لقد تربيت منذ الصغر على القراءة والكتابة ونشأت على ذلك منذ مستوى دراستي الاعدادية، فالتعلق بها قد ترعرع معي، فلا يمكنني أن أقضي يوما بلا قراءة ولا كتابة إلا إذا دعت الضرورة لذلك، فلابد أن أجد فسحة للقراءة في كتاب، أو كتابة مقال أبته خواطري حول حدث من الأحداث أو قضية من القضايا التي تشغل بالي، أو حول حادثة تكون حديث الساعة بين الناس، إذ لابد لي من تخصيص وقت ولو يسير للقراءة والكتابة ولو كان في فترات العمل، أو عندما أكون في سفر أو قبل أن أخلد للنوم والراحة، أو حتى لما أكون “شيخ للعيطة” في سهرة فنية بمهرجان أو عرس، فمن شب عن شيء شاب عنه.
جريدة جسر التواصل: الفنان الحسين السطاتي كاتب قاص وروائي وشاعر زجال، وهو نفسه الفنان الموسيقي المغني “شيخ العيطة”، فأين يجد الحسين السطاتي نفسه أكثر؟
الحسين السطاتي: لذي عدة هوايات أرتاح في ممارستها، منها الرياضة، والقراءة والكتابة والموسيقى “العيطة”، والصيد البري “القنص”، وركوب الخيل، لكن كل واحدة من هذه الهوايات أمارسها حسب المستطاع من الوقت ومن المال، لأن هناك هوايات مكلفة ماديا وجسديا وموسمية كالصيد البري وركوب الخيل، لكن الأهم عندي حاليا هو أنني أتفرغ بكل طاقتي وجوارحي إلى القراءة والكتابة، وبين الفينة والأخرى أمسك بآلتي الموسيقية “الكمنجة”وأتمرن، أو ألتقي بزملائي الموسيقيين في مقهى ونتدرب شفويا حيث نناقش موضوع العمل الفني، وعندما تكون لي فرصة عمل فني كإحياء سهرة أو عرس أو مهرجان، أتفرغ كليا للموسيقى، أحب موسيقى العيطة منذ طفولتي إذ يمكن القول أن العيطة في جيناتي، أجد فيها راحة نفسي ومتعة فكري وهناء بالي، كما يجدها الآخرون في الرسم والنحت وكرة القدم والتمثيل وغير ذلك، أجد متعتي وذاتي وراحتي في عالم العيطة “حرفة تشياخيت”.
جريدة جسر التواصل: يقال أن وراء كل رجل عظيم امرأة أو بمعنى أخر كل عظيم لا يمكنه أن يكون عظيما إلا لأن ثمة امرأة إلى جانبه وتقود خطاه، هل هذه المقولة تنطبق على الفنان الحسين السطاتي؟ وهل يمكن لك أن تحدثنا عن تلك المرأة التي وقفت بجانبكم خلال مسيرة حياتكم؟
الحسين السطاتي: أولا أنا لا أنتمي لصنف العظماء الذين تكلم عنهم صاحب القولة، لكن الله عظيم وعظمني وخلقني إنسان في أحسن تقويم وتلك هي عظمتي، وعندي نجاحاتي كما عندي اخفاقاتي، طبعا من ورائي ومن أمامي وإلى جانبي نساء، بداية من أروع امرأة أمي “المرشود السعدية” رحمها الله وأسكنها فسيح جناته، وأخواتي الستة كل واحدة باسمها، ومعلماتي وأستاذاتي وشيخاتي..وزوجتي “كريمة نرجس” وبنتاي “بذرة وريحانة”،كل واحدة من هؤلاء النساء لعبت دورا محوريا في حياتي، والتي تعبث معي كثيرا بعد أمي، هي زوجتي لها جزيل الشكر وجازاها الله عني خير الجزاء، ضحت معي بالكثير ومازالت تضحي، رافقتني في السراء والضراء، تحملت عبأ السفر والتنقلات في المراكز الدركية بين القرى والمدن التي عملت بها كدركي ضابط للشرطة القضائية والعسكرية، وتحملت مشاق تربية الأبناء ..فعلا إنها امرأة مناضلة ومكافحة وعظيمة، لقد أعادت تربيتي وتكويني، وحتى لما عدت إلى فن “العيطة”، فهي تتحمل حماقاتي، صعب أن تعيش المرأة العادية مع فنان شعبي “شيخ الشيخات”، لقد ساعدتني مشكورة في كل خطوة أخطوها بالصبر والتنازل عن طلباتها كزوجة، مما كان يخفف علي من وطأة المسؤولية العائلية وتعبها، وتتيح لي الجو الملائم خلال الكتابة أو تحرير مقال أو تهييىء مؤلف، لم أسمعها تشتكي أو تلومني، كانت تعمل ومازالت تعمل بجهد وفي إيثار، وتنصرف صامدة صابرة حتى كبر الأبناء وتدفع معي عربة الحياة بكل عزم وإرادة، وتتركني في حالي وتنصرف إلى أشغالها في البيت وحتى خارجه إلى عملها فهي اضافة إلى شؤونها المنزلية تعمل حلاقة وخبيرة تجميل للنساء، وأحيانا تعمل معي في الأعراس لتنكَيف وتزيين العروسات، وتصرفاتها هاته، كانت من أكبر المساعدات التي قدمتها لي المرأة بمعنى زوجتي “كريمة نرجس” فهي السبب في كل ما وصلت إليه من نجاح في حياتي العملية والفنية المتواضعة.
جريدة جسر التواصل:كثيرا ما تكون نجاحات الفنانين على حساب واجباتهم الأسرية، فهل شغل الفن الحسين السطاتي عن زوجته وأبنائه؟
الحسين السطاتي: بالفعل هذا كلام صحيح ، بالنسبة إلي ربما تكون السيدة زوجتي “كريمة نرجس” جازاها الله خيرا، قد تكفلت بسد الفراغ، وتحملت عبأ الرعاية والإشراف اليومي على تسيير مملكتها العائلية، وذلك منذ أن كنت دركيا موظفا بسلك الدرك الملكي، كضابط للشرطة القضائية والعسكرية، حيث كنت شبه دائم الغياب عن البيت لضرورة الأبحاث القضائية سواء بالمركز أو خارجه، دائم التنقل في أبحاثي، وحتى لما عدت بعد التقاعد إلى الساحة الفنية، وإن كنت الآن قريبا منهم، والحمد لله الأبناء كبروا وأدعو الله لهم بالتوفيق والنجاح في حياتهم.
جريدة جسر التواصل: كثير من الزيجات حصلت بين الفنانين “أشياخ وشيخات” فن العيطة، هل فكرؤت أن يحصل معك أمر مشابه؟
الحسين السطاتي: فعلا هناك عدد من الفنانين “اشياخ وشيخات” فن العيطة تزوجوا وكونوا عائلات، وكسائر الزيجات منها الزواج الذي نجح والزواج الذي فشل، أما بالنسبة إلي أنا فأنا متزوج كما سبق وأن قلت لك، ولا أفكر في التعدد، الحمد لله أعيش مع زوجتي قانعان وراضيان ببعضنا البعض، ولنا أبناء، ولا يمكنني أقبل امرأة أخرى تكون زوجتي غير هذه المرأة التي قضت معي ما يزيد على ثلاثين سنة، أفنت صحتها وشبابها علي وعلى تربية أبنائي، وإلى حد جوابي على هذا السؤال لن أخونها ولن أرضى بغيرها زوجة لي، ومن شيمي الصدق والوفاء لن أخون العهد لن أخون زوجتي “كريمة نرجس” ولن أخون العيطة والكتابة.
جريدة جسر التواصل: كيف يرى الفنان الحسين السطاتي انعكاس الثورة الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي على الأغنية العيطية وعلى المشهد الأدبي بشكل عام؟
الحسين السطاتي: من منظوري الشخصي أرى أن التقدم التكنولوجي بما فيه الرقمي قد عاد على المشهد الفني والأدبي بصفة عامة، بكثير من الأشياء الايجابية وسهل مأمورية الأنسان المبدع، رغم أن هناك سلبيات، وقد جرت العادة أن نتحامل على التكنولوجيا الرقمية، كلما خضنا في موضوع الحديث عنها، وفي اعتقادي أن المعضلة غير مرتبطة بالضرورة بهذا الانفجار الإلكتروني الذي فضرته المتغيرات والسياقات العالمية، أرى أنه يمكن بل يجب علينا استغلال مواقع التواصل الاجتماعي واستثمار الوسائط الإلكترونية لتجاوز مشكلة الفن بصفة عامة بما فيه الموسيقى والغناء وكذلك تجاوز مشكلة القراءة، هذا إذا سلمنا أن المقصود بالقراءة هي مطالعة النصوص مهما اختلفت حواملها ورقية كانت أم الكترونية، وإلا سنكون ملزمين بتحديد العامل الأساسي في تراجع القراءة ضمن المنظومة الرقمية ككل، أقصد هنا سيادة الصورة ومقاطع الفيديو، آنذاك يمكننا القول نعم، ولو نسبيا على كل حال، أما أن نلقي المسؤولية كلها على مواقع التواصل الاجتماعي والوسائط الالكترونية بصفة عامة فلا أتفق، وأراه هذا غير منطقي ويتنافى مع روح العصر والظرفية التي أصبحنا نعيشها، عليا أن نساير العصر وإلا اتهمنا بالرجعية والتخلف، وتقبل الواقع شئنا أم أبينا، فالمواقع الإلكترونية حاليا حافلة بالمكتبات الضخمة التي تتيح للقراء من جميع أنحاء العالم آلاف الكتب في شتى الأصناف، ولا ننسى أيضا دور المواقع الإلكترونية في الترويج للكتب الجديدة فهي منصات تفاعلية متجددة وقناة مهمة ليطل عبرها الكاتب على القراء في ظل التحديات المطروحة، فالكاتب حاليا لم يعد ملزما بنيل الاعتراف من مؤسسة ما حتى يبدع، يكتب وينقح ويطبع إبداعه، أضف إلى ذلك تراجع الرقابة على النصوص مع ظهور المنصات الالكترونية بمعنى اكتساح مواقع التواصل الاجتماعي لحياة الانسان، والتي أضحت منابر إعلامية رائعة ومتاحة في أي زمان ومكان، عبر هاتف نقال بحجم كف اليد، يتابعها آلاف بل ملايين القراء من كل بلدان العالم. هذا من جهة أنني كاتب قاص وروائي وشاعر زجال، أما من ناحية أنني فنان شعبي “شيخ للعيطة” موسيقي عازف كمان “كومنجي” ومغني لفرقة موسيقية غنائية “رباعة الشيخات”، فالثورة الرقمية انعكست بالإيجاب الكبير على الفن الشعبي الغنائي ومنه فن العيطة، وذلك باستعمال المعدات والتجهيزات الالكترونية الرقمية بما فيها من آلات موسيقية حديثة ولوازمها كمكبرات الصوت ومعدلاته وتنقيته، إضافة إلى سهولة نقل الحدث الفني “سهرة، عرس، قصارة، مهرجان..” بطريقة رقمية عن بعد ليشاهده عدد كبير من المتابعين، بطريقة مباشرة عن بعد وكأن الجمهور حاضر معنا بالحفلة ولو كان موزعا عبر مناطق بعيدة بالعالم، وذلك بفضل التكنولوجيا الحديثة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، ويمكنني تسجيل السهرة الموسيقية بجودة عالية وبأقل تكلفة كما أنه يمكنني أن أتوصل بالإكراميات والهدايا من الجمهور في تلك اللحظة عبر العالم، إذ صح التعبير تصبح سهرة عالمية، عن طريق شاشات الهواتف النقالة، بإمكان المعجبين والجمهور أن يرسل إلي الأموال عبر حسابي المالي الالكتروني الذي سأكون قد أعلنت عليه على شاشة السهرة الكبيرة أو على يافطة الكترونية، وهذا كله يرجع الفضل فيه إلى التطور العلمي التكنولوجي.
جريدة جسر التواصل: هل أتى يوم على الفنان الشعبي “شيخ العيطة” والكاتب القاص والروائي “الحسين السطاتي” وسئم فيه من الحياة؟
الحسين السطاتي: أبدا لا أيأس من الحياة، ولأكن صريحا معك، لم يخطر ببالي أبدا قتل نفسي بمعنى الانتحار، لكنني وصلت إلى درجة قتل بعض الأشخاص المجرمين لأنني أعرف أن جريمة القتل لا ينفذ في مرتكبها الإعدام بالمغرب، قد أسقط في قبضة العدالة وأحاكم بالسجن المؤبد لكنني لن أعدم، إذن مهما أ، هناك حياة فهناك أمل، ولكنني كنت أتراجع ولا أنفذ ما انتويت وما خططت له، وخاصة أنني كنت أسبح بل أعوم في مستنقع الضابطة القضائية مع مجرمين خطيرين كبار وبلا ضمير يستحقون القتل، وكانت لا تطالهم يد العدالة الفاسدة لأنهم أثرياء ويشترون الذمم والمناصب، لكن الحمد لله تعقلت وعدلت عن فكرة القتل، وقد شاهدت بأم عيني عقابهم من عند الله ، والحمد لله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل، وقد تطرقت لبعض هذه الأحداث والجرائم في روايتي بعنوان “عيطة بيضاوية”. لكني لم يسبق لي أن فكرت في الانتحار أو يئست من الحياة بل بحكم أنني كنت مدربا عسكريا لضباط الصف بالجيش، فأنا على علم حتى العيش بالسجون هو حياة وقد تكون أحسن مما أعيشه خارجها، أنا مسلم وإيماني بالله قوي، وإن مع العسر يسرا، كثيرة هي الأيام التي تكالبت علي فيها الظروف، والتي تألمت وعانيت وتعذبت فيها، لكن لم يخطر ببالي لحظة أن سئمت الحياة، فالحياة تظل في كل الأحوال جميلة وجديرة بان تعاش، وأن نكافح ونحارب ونناضل من أجل تحسين والرفع من مستواها، وتنقيتها قدر الإمكان من الظلم والقهر والاستبداد، وهذا الكلام أوجهه إلى الأجيال القادمة للشباب والشابات الذين ينبغي أن تمتلأ نفوسهم بحب الحياة وحب النفس وحب الوطن، والرغبة في العمل والإخلاص فيه والضمير المهني، والصبر حتى يتجاوزون الظروف السيئة فلا فرح يدوم ولا حزن يدوم، ونحن نتحدى الصعاب بالجهد الفاعل والتحدي المستمر.
جريدة جسر التواصل: ما أجمل هدية قدمت لك من الجمهور؟
الحسين السطاتي: كل الهدايا التي تقدم لي من طرف الجمهور جميلة ورائعة ومنها الإكراميات المالية خلال الحفل التي نسميها في لغة أهل العيطة ب”عمار” أو”التعلاق”، لكن من أروع ما قدم لي كهدية هو لوحة فنية تشكيلية من الفنانة التشكيلية الأستاذة أمينة الطنجي الشناوي الشرقاوي وقد رسمتني بدقة متناهية، وقدمتها لي بمناسبة تكريمي من طرف الصرح الثقافي “لمة شرقاوة أهل أبي الجعد”، وشكرا لأهل هذه المدينة الرائعة العريقة، والتي كان لي شرف العمل بها كدركي ضمن عناصر الضابطة القضائية لمدة خمسة سنوات، وأحييت بها عدد من السهرات والأعراس بصفتي فنان شعبي “شيخ للعيطة”.
Views: 26























