الحلقة 13

جريدة جسر التواصل: ماذا عن ذكريات الفنان “شيخ العيطة” الحسين السطاتي، المتعلقة بأول مرة تغني أمام الجمهور وتعزف الكمنجة؟
الحسين السطاتي: أول جمهور لي كان من أبناء الدوار، لقد كونت مجموعة غنائية على شاكلة المجموعة الغنائية الشهيرة “نجوم بوركَون”، وكانت مجموعتي من أبناء الدوار وهم: “المعقول محمد وأخوه المعقول أحمد والمرحوم عمر ورؤوف سعيد ولد رحال، ورؤوف المصطفى”، كا نجتمع بالليل قرب حانوت “مي التايكة” أو ببيت مهجور “حطة مي رحمة”، أو بالبيدر “الكَاعة”، وكانت آلاتنا الموسيقية تقليدية بدائية، “كمنجة الطارو، جوج بنادر أو ثلاثة، وطعريجة” وكان الجمهور من أبناء الدوار كبارا وصغارا وأحيانا شيابا وشبابا، كان شعورا طفوليا جميلا ورائعا بما يحمله من فرح وخوف وارتباك وتعرق، أما عن أول سهرة بآلة كمنجة حقيقية ومع مجموعة فنية، كانت تجربة فريدة، أتذكر كانت بمناسبة إقامة سهرة فنية بمجموعة غنائية “رباعة الشيخات” ليلة عيد الأضحى، وهي عادة دأب على القيام بها شباب الدوار، وكنت حينها في سن الثانية أو الثالثة عشر من عمري، وبطلب من الجمهور سلمني شيخ المجموعة آلته “الكمنجة” وبدأت العزف وشاركتني المجموعة الوصلة الغنائية، وأحسست حينها أنني فعلا فنان حقيقي. وخاصة بعدما علقت لي الأموال من طرف الجمهور وتفاعل معي بشكل مثير، واستحسن أفراد الفرقة الموسيقية عزفي وغنائي وفي الأخير سلمني”شيخ الفرقة” مبلغ مائة درهم ونوه بأدائي أمام الجمهور، وكان هذا المبلغ يشكل ثروة مالية بالنسبة لي وعربون محبة، وشهادة تقدير واعتراف بي كفنان، منذ تلك السهرة صار يناديني بعض رجال الدوار بلقب “الشيخ الحسين الموتشو” وتعني الفنان الحسين الصغير.
جريدة جسر التواصل:هل تتذكر أول سهرة رسمية أديتها كفنان شعبي بمناسبة وطنية؟
الحسين السطاتي: كانت سهرة بالقسم الداخلي بثانوية ابن رشد بمدينة برشيد ربيع سنة 1989، بمناسبة ذكرى عيد العرش، رفقة زملائي من التلاميذ “منهم الترابي عزيز، والحور محمد، ومحمد السالمي”، وبعدها توالت السهرات في المناسبات الوطنية بمنطقة “سيدي معروف أولاد حدو” بمدينة الدار البيضاء وسهرات عمومية بمدينة “سطات”.
جريدة جسر التواصل:ما هو اللون الغنائي الذي يطرب الفنان الحسين السطاتي؟ ولمن يستمع؟
الحسين السطاتي: أستمع لأنواع مختلفة من الموسيقى والغناء، حسب الوقت المستطاع وحسب الحالة المزاجية التي أكون فيها، وتطربني كثيرا الموسيقى الصامتة التركية والكردستانية، أطرب لسماع موسيقى الناي الصامتة، أستمع لأنواع مختلفة من ألوان الفن المغربي من أجل التتبع كي أساير الظرفية، أحيانا أعشق سماع والاستمتاع بأغاني عيطة الساكن بآلة النفخ الموسيقية “الزمارة” ضمن المجموعة الموسيقية، ونسميها “المكَرونات” وهي عبارة عن آلة موسيقية نفخية تقليدية، مصنوعة من قصبتين متلاصقتين بهما ثقوب وبمقدمتها قرن ثور، اشتهرت بها مجموعات فنية بمدينة “سطات” كمجموعة “العونات”، ومجموعة “أولاد شبانة”.. كما تطربني أغاني العيطة المرساوية بصوت الراحلة فاطنة بنت الحسين، والرحل بوشعيب البيضاوي، وشيخ لشياخ خالد ولد البوعزاوي، وفي فن العيطة البلدية الجرفية الفيلالية أستمع لأغاني الشيخ محمد باعوت..وأستمع لعدد كثير من شيخات وأشياخ العيطة، أذكر منهم الشيخ بوشعيب البيضاوي وأحمد البيضاوي والمصطفى الميلس، والداودي عبد الله، وعبد السلام ولد علو، وعبد الرزاق البيشي السطاتي.. وفي الشيخات أطرب لسماع الشيخة فاطمة الزحافة، والشيخة فاطنة بنت الحسين، والسيخة ضونة، والشيخة الخودة والشيخة خديجة مركَوم، والشيخة خديجة البضاوية…
جريدة جسر التواصل: ما هي طقوسك قبل بداية أية سهرة أو حفل فني؟
الحسين السطاتي: طبعا يكون هناك حماس ممزوجا بالارتباك، وقليل من التوتر، أعرف أنه شيء عادي بحكم تجربتي كمدرس وكمدرب عسكري، وكضابط شرطة قضائية وعسكرية..أتفقد المجموعة الغنائية، الحاضر والغائب، والحرص على موازنة الآلات الموسيقية ومع آخر اللمسات التذكير بالأغاني المبرمجة في السهرة، ثم نصعد إلى الخشبة أو ندخل إلى العرس، مع مراعاة عدم الإكثار من موازنة أصوات الآلات الموسيقية، والتأكد من جودة صوت المكبرات الصوتية، والدخول في وصلة التقديم حسب نوعية السهرة.
جريدة جسر التواصل:بصفتك فنان شعبي “شيخ للعيطة”، هل في رأيك لصوت الفنان الموسيقي العيطي عمر افتراضي؟
الحسين السطاتي: بصفة عامة الفنان لا يتقاعد، إلا إذا صار عاجزا عن القيام بفنه، وبصفتي فنان شعبي “شيخ للعيطة”، وموسيقي عازف كمان “كومنجي” لمجموعة غنائية “رباعة الشيخات”، أقول لك أن راقص القعدة لا يتقاعد وشيخ العيطة لا يشيخ، أما عن الصوت فكم من فنانين حققوا شهرة لأغانيهم وهم في سن الشيخوخة، وبخصوص فن العيطة، فكلما كبر الفنان وافقه لقب شيخ العيطة، وهناك أشياخ وشيخات أبدعوا في سن السبعين والثمانين والتسعين واللائحة طويلة منهم: الشيخة فاطنة بنت الحسين، والحاجة الحامونية، والحاجة الحمداوية، والشيخة عايدة، والشيخ عبد الله البيضاوي تألق بعد عودته من فرنسا،، والشيخ الباعوت محمد، والشيخ جمال الزرهوني، والشيخ الدعباجي والشيخ ميلود الدهامو وكثيرون غيرهم…
جريدة جسر التواصل: ما هي نظرة الفنان الحسين السطاتي للغد؟
الحسين السطاتي: أنا فنان متفائل، والغد علمه عند الله، واليوم كان غدا بالنسبة للأمس، دائما هناك تطور وتقدم وتحسن، وأتمنى أن يكون غدي أحسن من يومي، لكن بالنسبة إلي أكيد سأزداد معرفة لكني في المقابل أتوجه في رحلتي إلى الرحيل الأبدي، يعني هناك ضعف في الصحة الجسدية والعقلية، ونقص في الطاقة، ولكن لذي ثقافة وأعرف كيف أتقبل وأتصرف مع المراحل العمرية. للعمر سلطان وللفصول طقوسها وألوانها لها معاناتها ولها جمالها.
جريدة جسر التواصل:بالنسبة لممارسي فن العيطة “حرفة تشياخيت”، يقال أن الثروة المالية لا تأتي من المهرجانات، وإنما من إحياء الحفلات الخاصة والفنادق والملاهي، فما هو مطلبك الأول؟
الحسين السطاتي: المال ليس هدفي الأول من احترافي للفن بل رضاء الناس وأمتهن الفن من أجل الفن، لأمتع وأشبع نفسي وذاتي أولا أغني وأكتب لنفسي، وأمتع الناس الذين يحبون فني، أمتهن الفن من أجل أن أصل إلى أهداف لا مادية سطرتها وبرمجتها، وأبحث في مشاركاتي الفنية بالمهرجانات عن قيمتي الفنية في قلوب الناس عشاق الفن الشعبي الطربي الأصيل، فن العيطة المغربي، أما المال فشيء ثانوي بالنسبة إلي أنا في الخمسينات من العمر، ومتقاعد دركي، ولي أبناء كبروا والحمد لله، هذا كله من فضل ربي، فإذا جاء الفن بالمال والشهرة فهذا ما أصبو إليه، وإن لم يأتي بشيء، فقد استمتعت برحلتي الفنية.
جريدة جسر التواصل: ما هي المحطة الفنية الأبرز التي تركت أثرا في نفسك؟
الحسين السطاتي: أحن إلى فترة الشباب ربيع العمر، لكن المرحلة المؤثرة هي مرحلة العودة من جديد إلى الساحة الفنية بعد تقاعدي، يعني بعد أكثر من عقدين من الزمن في الوظيفة العمومية بسلك الدرك الملكي، وكنت أشعر حينها أنني ولدت من جديد، وأنني انتصرت على الواقع المر، خرجت من السجن إلى الحرية، خرجت من الحبس إلى العرس، وحققت ما كنت أطمح إليه.
جريدة جسر التواصل: أراك لست فقط محبا للعيطة بل مهوسا ومجنونا بها، أليس كذلك؟
الحسين السطاتي: طبعا إذا صح التعبير فأنا مجنونا بالعيطة، ومهوسا بها منذ الصغر، فهي نقطة ضعفي وفيها نقطة قوتي، وحتى وأنا ضابط للشرطة القضائية والعسكرية، كنت أشارك “الشيخات” في حفلات الأعراس في القرية أو المدينة التي كنت أعمل بها، وهذا كان يهدد وظيفتي ويمكن أن يعرضني للعقوبات قد تصل إلى العزل من المهنة والسجن، ومع ذلك كنت أمارس هوايتي، عندما كنت أمسك الكمان في العرس كنت أنسى أنني ضابطا، بمعني كنت “شيخ العيطة” في بذلة الدركي، أما بالنسبة لنقطة القوة، فقد كنت دائما مرفوع الرأس أمام عصابات المخدرات والتهريب الدولي للسجائر، والرؤساء الدركيين والقضائيين الفاسدين، والمجرمين بصفة عامة، حيث كنت أرفض الامتثال للأوامر الفاسدة المجحفة اللاقانونية لبعض الرؤساء الدركيين والقضائيين، لأني كنت أعرف أنني شيخ للعيطة وإذا فصلت من وظيفتي سأعود في المساء إلى الحانة أستمتع مع الشيخات والجمهور، وقد أتقاضى في الليلة الواحدة ما كنت أتقاضاه في الشهر بل في العام. لذلك أنا مجنون بهذه الحبيبة الحسناء ألا وهي العيطة.
جريدة جسر التواصل:هل الحسين السطاتي راض على ما قدمه من أعمال فنية؟ وهل نجحت لحد الساعة في اختيار أسلوبك الغنائي؟
الحسين السطاتي: نعم أنا جد راض عما قدمته إلى حد الآن في الساحة الفنية الغنائية والأدبية، أعدت غناء مجموعة من العيوط الخالدة، وسجلت أكثر من عشرين أغنية، وشاركت في عدة سهرات وحفلات ومهرجانات وحضيت بالعديد من التكريمات بقرى ومدن مختلفة بالمملكة،، وفعلا لقد نجحت في اختيار أسلوبي الغنائي وهو أسلوب شعبي أصيل يتمثل في فن “العيطة المرساوية”. الذي اخترته منذ البداية، أي منذ ما يزيد على ثلاثين سنة.
جريدة جسر التواصل: أنت قادم من ريف مدينة “سطات” وبالضبط من “جمعة أولاد عبو”، واستقريت بمدينة “تامسنا” بجوار الرباط، فهل كان هذا بمحض الصدفة أم اختيار؟
الحسين السطاتي: لدي سكن بالدوار ريفي، بمسقط رأسي، “دوار أولاد سيدي رحال الزاوية” بريف “جمعة أولاد عبو” أو ما كانت تسمى “جمعة فوكو”، منطقة “أولاد سعيد” بضواحي مدينة “سطات”، ولي حاليا والحمد لله سكن ثان بمدينة “تامسنا” اقليم وعمالة “الصخيرات تمارة”، واخترت هذا المكان حسب إمكانياتي المادية، وموقعه في المركز بين البيضاء والمحمدية والرباط وسلا والقنيطرة وسطات، يعني وسط المغرب، حيث تنشط الحركة الثقافية الفنية الموسيقية والأدبية، وقريب جدا من المستشفى العسكري “محمد الخامس بالرباط”، تكفيني حافلة بخمسة دراهم لأكون في بطن العاصمة الرباط أمام مسرح محمد الخامس ووزارة الثقافة..تحيط بالمدينة من جهة الغابة كما يحيط بها من جهة الغرب البحر، وأحمد الله وأشكره على هذه النعمة.
جريدة جسر التواصل: كيف تظل محافظا على رشاقتك وجمالك رغم كبرك في السن؟
الحسين السطاتي: لم يسبق لي أن دخنت ولا شربت الخمر، وأتبع نظام غدائي صحي، كما أنني حريص على ممارسة الرياضة، وشرب الماء بكثرة، وحريض على إجراء فحوصات طبية دورية، بما فيها الطب العضوي والمراقبة النفسية، وبطبعي إنسان اجتماعي وأكره العزلة، وأكثر من النشاطات الثقافية والأدبية والموسيقية. أعيش بالحب والأمل في غد أحسن، أعيش بالإيمان وأسامح وأنسى الإساءة ما استطعت، وأصلي وأطلب الله أن يرزقني الصحة والعافية وراحة البال.
جريدة جسر التواصل: ماذا يقول الحسين السطاتي عن العمر؟
الحسين السطاتي: العمر مجرد رقم، لكن له سلطان علينا، كل مرحلة عمرية لها ما يميزها، ولكل سن حلاوته، وعلينا أن نتقبل تقدمنا في السن، وعلى الشخص المتقاعد أن ينسى كلمة متقاعد، ويحسبها انطلاقة جديدة للعمل فيما يحبه،ويجب علينا أن نعترف بتقدمنا في السن وأخذنا نصيبنا من الدنيا ومازلنا نأخذ، وعلينا أن نعرف كيف نتعامل مع المشاكل الصحية الجسدية والنفسية، وأن لا نركن إلى الخمول، بل علينا أن نواصل الحلم، نواصل الحركة، نواصل الكفاح لكي نرتاح، وألا نتوقف عن الحلم، ونضع بين أعيننا أهدافا جديدة إلى أن يحين الحين ونرحل.
Views: 19
























