“المرأة التي رممت شظايا رجل الأيام والليالي بدونها “الجزء الأول “الفصل الرابع “-الوجه والمرآة- للكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان

جسر التواصل20 يناير 2022آخر تحديث :
“المرأة التي رممت شظايا رجل الأيام والليالي بدونها “الجزء الأول “الفصل الرابع “-الوجه والمرآة- للكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان

جسر التواصل : خص الكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان جسر التواصل بروايته العميقة ” المرأة التي رممت شظايا رجل الأيام والليالي بدونها” وجسر التواصل اذ تقدمها للقارئ فانها تقدم عملا روائيا متميزا للاستاذ عزوز شخمان الذي قضى سنوات طويلة في العمل الصحفي ما بين صحافة مكتوبة ومسموعة وكان له حضور بارز في الاعلام الرياضي المغربي والعربي …

عزوز شخمان

 

    (13)
أصبحت بدون امرأة. ولا مرآة. وبدون وجه كذلك. فماذا بعد؟ هذا ما أجهله. كل ما أعلمه أن الكينونة البشرية ترتبط أحيانا بالأشياء الصغيرة وأحيانا بالأفكار الكبيرة أو المشاعر الدافقة التي يصعب حصرها في نطاق ضيق أو محدد يصعب التحكم فيها وفي زخمها. وأحيانا أخرى يكتشف الانسان أن كل ما عاشه وتعلمه واختبره لم يكن سوى صدى للأوهام المتلاحقة المماثلة أو المتشبهة بحقيقة الأشياء، ولكنها ليست هي عين الحقيقة. هذه الازدواجية في الفهم أو التعاطي مع بعض الوقائع والأفكار هو أيضا جزء مما أسميه أسوء المخاوف التي كثيرا ما تدفعني الى الاصطدام مع نفسي في الأحوال والأوقات غير المناسبة وقد تؤدي الى اختلال الموازين ما بين تمظهراتي السطحية وقناعاتي الجوفية. وما المرآة سوى انعكاس للواقع الظاهري الذي هو في حد ذاته مرآة للماتريكس. أي انه انعكاس مزيف لدواخلنا الافتراضية. لا شك أن للمرايا دور في حياة البشرية يتجاوز مجرد النظر اليها بغرض التناغم النرجسي ذواتنا وأشكالنا الوجودية والتعايش معها لإثبات وجودنا الصوري. نحاول بدرجات متفاوتة التأقلم مع صورنا وملامحنا وتقبلها في نهاية المطاف قبل أن يتقبلها الآخرون. ولكن الى أي حد تعكس هذه المرآة حقيقتنا الداخلية. وماذا لو تعمقنا أكثر وتساءلنا عن إمكانية اعتبارها بوابة خفية لعوالم مجهولة؟ ماذا لو حاولنا اقتحام ما وراء ظاهر المرآة والصور التي تعكسها طول الوقت؟ الى أين ستقودني كل هذه الأفكار المجنونة التي تدور في ذهني الان، وأنا أقف وحيدا في منتصف الليل خلف مرآة مطموسة المعالم؟ لا أدري ما الذي يكمن خلفها من نداءات وعوالم مجهولة؟ لا أريد لخيالي أن يشتط بي أكثر مما هو حاليا وأدرك جيدا أنه في هذه اللحظة بالخصوص ثمة كائن مختلف مختبئ ومندس في موقع ما. ربما داخلي أو حوالي، أو لعله يتآمر مع تلك الزمرة من الشخوص والكينونات المتشاكسة في أغوار نفسي. إنه رابض، ولكن ليس بتلك البراءة التي قد يبدو عليها. إنه كباقي الوحوش والخصوم يتحين الفرصة للانقضاض كلما لمس في ضعفا أو رهبة أو ترددا. وأنا هنا في قلب الليل البهيم وسط الوحدة والعزلة وهزالة الأضواء المنبعثة من المصباح الوحيد الذي سمحت لنفسي بإبقائه ساهرا بجنبي. في غمرة هذا المشهد أدركت بشكل ما أنه السيناريو المثالي لاي هجوم محتمل من العالم الآخر، حتى لو كان بتواطؤ مع هذا الكائن المتباهي بدوره كعميل مزدوج. ولكن من تراهم هؤلاء المتربصون والمتواطئون الآخرون؟ لقد تعودت على تحدي وتجاوز تواطؤات أسوء من هذه أبطالها شياطين من الإنس تعتبر اساتذة مبرزين مقارنة مع هذه الكائنات الرخوة والهلامية. هكذا أسرت الي نفسي متعددة الوجوه والأصوات وكانت تجيب في نفس الوقت … أتسخر مني؟ الا تعرفهم؟ اليس هم من يروننا من حيث لا نراهم؟ ويحضرون متى يشاءون ويغيبون متى يروق لهم ذلك؟ ألا يمكن أن يحاصروننا في أي وقت وحين؟ ألا يطاردوننا حتى في الاحلام؟ كفى كفى. أجبتها مقاطعا حتى هم في عالمهم لديهم حدودهم وقدرهم الذي لن يتعدوه. وأن تجرؤوا فمرحبا بهم في معركة دونكيشوتية جديدة لن يكون لهم قبل بها. هذه طريقتي في مراوغة وقمع هذا النوع من الوساوس والهواجس المتطفلة. لعلها مجرد محاولة سخيفة للتأثير علي وافقادي السيطرة على أعصابي. هي واحدة من المعارك الوهمية التي تندلع داخل النفس البشرية الواهنة لكنها لا تفتأ أن تنطفي فجأة بنفس السرعة. لكن ماذا عن ذلك العميل المزدوج؟ أليس يتقن دوره بشكل يدعو للإعجاب؟ هل لكنني سوف لن أمكنه من ذلك؟ ولن أبدي له أي إعجاب. محاولاته هاته بالخصوص لا تعجبني، بل تستفزني وتستفزني للرد عليه وعلى كل حلفائه المفترضين منهم والحقيقيين. لابد من المواجهة والقيام بخطوة استباقية. قلت مخاطبا نفسي ومن خلالها أولئك المندسين والمختفين من ورائها: هؤلاء إن وجدوا لا اهتم لأمرهم ولا أخشاهم. هذا كل شيء. فإن كانوا يرونني فأنا أيضا أستطيع أن أراهم بطريقتي الخاصة ولدي اسلحتي الفعالة لردعهم. يكفي أن انثر عليهم رذاذها فقط حتى تنطمس رؤيتهم وهويتهم وينكمشوا في ثنايا تلابيبهم وإذا ما أصروا فسيكون نصيبهم بصقة أسوء من تلك التي ألقيتها على وجهي. ولعل المرآة مطموسة الوجه كفيلة لعلهم يتعرفون على حجم الأضرار التي يمكن أن تلحق بهم. من قبيل حرمانها من النظر الى العالم الخارجي من خلال وجهي. ألا يمكن أن يكون وجهي هو المرآة العاكسة للواقع. نعم أحيانا قد يروننا دون أن نراهم ويغتابوننا ويزلقوننا بالسنتهم الحادة أو ما يشبهها في عالمنا وهذا أقصى ما يمكنهم أن ينالوا من شخص في مثل حالتي لكنها ليست مشكلتي ولست أبالي. أعرف أن المرآة لا علاقة مباشرة لها بالأمر. لكن ماذا لو حدث الأسوء وسقط الكفن عن المرآة. واقصد بذلك الإزار؟ وماذا سيكون رد فعلي لو اطل منها وجه غير وجهي وظل غير ظلي وأنا لوحدي الآن في قلب هذا الليل البهيم؟ حتما سأولي الادبار ككل رعديد إذا لم تسعفني ذاكرتي ومخزوني الديني الذي لا يلتجئ إليه أمثالي الا في هذه المواقف الأنانية والمصلحية. أليست هذه هي المعادلة البراغماتية السوية التي صارت ديدننا منذ تهافتنا على تغيير جلودنا؟
اخرس أيها الشقي الى اين المفر؟ دعك في شؤونك الفيزيقية. “حاصر حصارك لا مفر”، “اضرب عدوك لا مفر” ، “واضرب عدوك بي”، “فأنت الآن حر”
انتابتني حمية درويشية مفاجئة وقمت إلى المعركة الوهمية وأنا ما أزال امتشق سيفي الدونكيشوتي مغالبا رعبي، فأحسست على الفور بطمانينة وقوة رهيبة من شأنها أن تشق أي رأس متجبر يتجرا على الظهور أمامي خصوصا إذا كان رأس وحش وهمي من أمثال “رجل القش” أيقونة عالم المغالطات المنطقية. هاهي تلك الوحوش التي تعودت على دحرها في الخيال هروبا من الواقع والحقيقة بدأت في استعراضها أمامي وأنا ارقبها في عجز. لقد اعادتني إلى صوابي وذكرتني بدونيتي. التفت إلى نفسي الأمارة موبخا إياها على توريطي :
أليست كل المعارك الحقيقية خسرنا ها حتى قبل أن تنطلق شرارتها ؟ ولم يتبقى لي سوى معركة اخيرة وستكون معك أو ضدك دون شك فلم لا نخوضها بشرف؟
لم أسمعك جيدا. لقد تلفطت بكلمة غريبة عني. وحتى لو سبق لك التعامل معها فلا شك أنها لم تكن في موضعها أو زمانها.
بعدما نطقت نفسي هذه العبارة الأخيرة أدركت أنني سأدخل كتاب غينيس في سجل أكثر المنتكسين المنكوبين خسارة حتى مع نفسه لهذا بدأت أخطط لردة فعل مدوية. لكن ظلي الوقح تدخل في اللحظة الأخيرة لفك الاشتباك وذكرني بأن الوضع لا يحتمل وأن علي الإنسحاب والذهاب إلى النوم فهل معقلي الأخير وملجأ من لا ملجأ له. شعرت بفقدان السيطرة وأن شيئا ما على وشك الوقوع. كان شعورا فظيعا يطغى على بقية الأفكار المضطربة والهواجس المستسلمة. حاولت تدارك الأمر وبادرت إلى طمأنة نفسي اللوامة او الجزء المتماسك منها. لن يقع أدنى شيء يعكر الجو فهو أصلا متعكر منذ أمد بعيد. إنني في مواجهة اسوء مخاوفي، هذا كل ما في الأمر. انها مخاوف متمثلة في العزلة والغربة والوحدة والوحشة وصمت الليل الطويل. وجاء بعدها عني أو ابتعادها. ليضعني في مواجهة المرآة. مرآة الحقيقة وليست تلك المرايا الثلاث التي قمت بتغطيتها بجبن وخسة حتى لا أرى ما لا يعجبني. لم لا أبسط الأمور واعترف لنفسي بشتى أنواعها اللوامة منها والأمارة بالسوء والطماعة والمتهافتة والنرجسية المسألة بتلك البساطة. فمغادرتها المفاجئة وافتقادي لحضورها الإنساني وحضنها الدافئ وحضورها الذي يسكنني ويدثرني بالحدب الذي احتاجه حتى لا اتوه أكثر في رحلاتي الجنونية المنافيزيقية والسوريالية هو من حرك كل شيء.. وهو من أعاد للقلم نشاطه والكتابة معناها النبيل والاصيل.لا خوف علي الان بعد وصولي الى هذه القناعة.

 

 

      

Views: 13

الاخبار العاجلة