ذ : عزيز مازي.
ومن بين العوائق التي ترسخ الفكر التقليدي في الأفراد وتجعلهم خاضعين وأسرى له وتحول دون التحاقهم بقافلة الفكر الحديث، واكتسابهم بنية فكرية حداثية مستقلة عن التقليد أو الفكر التقليدي، وهذه البنية الفكرية قوامها أولا: فكرة الحرية، وثانيا الإعمال الأقصى للعقل بالمعنى النقدي بحيث هو قوة نقدية.
المستوى الأول من العوائق: هو التقليد الواعي بذاته و بأهدافه كما يقول’’ الأستاذ عبد الله العروي ’’ الذي يتقصد مقاومة التحديث والفكر العقلاني، وينكره ويناهضه ويدينه ويعتبره نشازا وجهالة، ويتوجب عليه إعلان التوبة والعودة إلى الصراط المستقيم . وهذا العائق هو أقوى العوائق لأنه متولد عن إعادة إنتاج المعارف و الأفكار الجاهزة و الثقافة التقليدية لذاتها باستمرار بعيدا عن أي مراجعة ونقد ذاتي ، وبعيدا عن أي مجهود فكري عقلي لاستيعاب مضمونها .
والمستوى الثاني من العوائق :هي العوائق المرتبطة بالثقافة السياسية التقليدية القائمة على الولاء وطاعة أولي الامر باعتبارهم ظل الله في الأرض، و المؤسسات المجسدة لهذه الأفكار و التصورات.
والمستوى الثالث من العوائق: العوائق الاجتماعية والمؤسسات التقليدية التي تكبل الفرد وتحول بينه وبين التحرر من أسر البنيات التقليدية : كالعشيرة والقبيلة والأسرة التقليدية والشرف و…
والمستوى الرابع من العوائق : هي العوائق الفكرية والإبستيمولوجية أو المنهجية التي تتمثل في رفض العلم ومنطق البحث العلمي، القائم على الملاحظة والتجربة، وذلك مقابل اللجوء إلى التأويلات والآستلهامات الغيبية في كافة المجالات الاجتماعية.
إذن يمكن القول أن هذه العوائق غير بريئة فهي تترصد الأفراد إما على شكل مؤسسة تقليدية أو عادة من العادات التقليدية أو رأي شائع أو مثل أو…وتطال كل مجالات الحياة الاجتماعية. ’’يقول هيجل ’’عندما ترمي فكرة بثقلها على المجتمع تصبح قوة، ويمكن إبادة شعوب من أجلها.
ولكي تتدارك الأمة العربية عامة و وطننا خاصة هذا التأخر التاريخي، وللخروج من هذا المأزق ، يتوجب ضرورة القطيعة مع الأفكار التي تمجد الماضي و تبكي على الأطلال لأن الواقع في غنى عن تلك المشاعر الواهية، واعتناق مفاهيم الفكر الحديث والفكر التنويري ، والتركيز على دعامات الفكر الثابتة التي تنظم سير المفكر وتمده بالطاقة الفكرية اللازمة ليصبح مثقفا عضويا يساهم في حل معيقات مجتمعه وتنميته، وتجنيبه الانغماس في إديولوجيات متعصبة لا تفتح له إلا سبيل العدمية. وضرورة القيام بمراجعة شاملة لمفاهيم وتصورات وآليات تفكيرنا للتخلص من موانع النهضة، ولا نظل نتغنى بالحرية بل يجب البحث عن الأسباب التي تكبل حريتنا، وهذا هو التحرر الحقيقي، وإصلاح اعطابنا المجتمعية التاريخية، ونكون فاعلين في المجتمع ونساهم في بناء الرأي العام، وننظر للأشياء نظرة نقدية لأن أهمية الفكر النقدي تكمن في تمكين الإنسان من خلق المسافة اللازمة حيال ما يتلقاه في حياته اليومية، ولكي لا يبقى سجين الكلام الرائج والمعارف الجاهزة ،ولا يبقى ضمن الفكر والثقافة الشائعة التي تمنعه من بناء ذاته و من بناء رأي شخصي مبني على أسس عقلانية كونية، وهذا يضمن للفرد نمو ريش جناحيه لمغادرة عش الثقافة الشعبية المبنية على العادات والخرافة، وليس على قيم ومبادئ عقلية تحترم الفرد وتؤمن بالاختلاف ويتحرر من كل الأغلال التي تعمل العديد من الجهات و الأجهزة فرضها عليه.
يقول الدكتور محمد عابر الجابري في كتابه ’’تكوين العقل العربي’’ ص:347: أن المسلمين بدأوا يتأخرون حين بدأ العقل عندهم يقدم استقالته، وحينما أخذوا يتلمسون المشروعية الدينية لهذه الاستقالة. وفي حين بدأ الأوروبيون يتقدمون حينما استيقظ العقل عندهم و بدأ يسائل ذاته.
إذن يمكن القول أن هذه الصراعات السياسية الإديولوجية والترابية …منعت الحوار, منعت الفلسفة .فالمغرب سيضيع إذا ظل ينتظر العالم العربي ليحقق هذه النهضة، فهذا الفضاء أصبح يعيش الضياع يعيش الفوضى، وفقد الأمل في الحاضر وأصبح متشائما تجاه المستقبل، لهذا فنحن في حاجة إلى حوار لزرع بذور الأمل في حياتنا، وكما قال الدكتور ’’عزيز الحدادي’’ فالشعوب التي لا تتحاور بل تتقاتل فما المصير الذي ينتظرها…؟؟؟ فلهذا فمن الضروري أن نجعل من الثقافة والمعرفة والتعليم أولى الأولويات ويكون قاطرة للتنمية وليس في ذيل البرنامج الحكومي السياسي، ونرفع شعار التعليم للجميع لخلق مواطنين صالحين ومسؤولين و واعين، وليس مهمشين ومنسيين بحيث يتجهون نحو التطرف ونبذ المجتمع، لأنهم لا يجدون ذاتهم فيه…لكن يجب أن يكونوا مدمجين في المجتمع حتى يكونوا مدافعين عن الوطن ومدافعين عن قيمه ومدافعين عن كل ما يرونه في صالح وطنهم، لأن المواطن هو الذي يستطيع أن يقوم بمجموعة من المهام التي يساهم من خلالها في خلق انسجام داخل المجتمع، وبالتالي يجب أن نكون من الأمة التي استيقظ وعيها تماما، ونكون من الشعوب الواعية تماما بما كانت عليه وماذا تريد من المستقبل.
Views: 11
























