شيخ العيطة الحسين السطاتي

رحلة الأدب: (الفصل الثالث):
عش كريما بذاتك،لا تتوقع أن يقبل بك من قبلت به، أو أن يحبك من أحببته، القلوب نبض، فلا تجبرها أن تتدفق لأجلك، عش من أجل نفسك، وأدر ظهرك لمن لا يستحقك، فمن لا يشعر بسعادة في قربك، تأكد أن سعادتك ستكون في بعده.
ماركيز غابرييل غارسيا

خلال صيف سنة ألف وتسعمائة وواحد وتسعون، وبالموازاة مع اشتغالي في الموسيقى والغناء بإحياء الحفلات والأعراس، امتهنت أيضا بين الفينة والأخرى بيع الكتب المستعملة والمجلات: (قصص، روايات، مجلات رياضية وفنية، ويافطات”بوستير” لفنانين ورياضيين عرب وأجانب..)، كنت أشتري الكتب المستعملة من قصص وروايات ودواوين شعر وزجل.. والمجلات القديمة الإصدار بثمن بخس من درهم إلى خمسة دراهم للكتاب من قيسارية التمر بدرب عمر وسط مدينة الدار البيضاء، وكنت أتنقل بها بين الأسواق الأسبوعية بالمنطقة: (سبت سطات، اثنين برشيد، ثلاثاء الغنيميين، أربعاء أولاد سعيد وجمعة فوكو)، وبالليل بمنزلنا بالدوار كنت أستمتع بقراءة القصص والروايات إلى وقت متأخر من الليل على ضوء الشمعة وفي أحسن الأحوال على ضوء القنديل الغازي “لانبة”، كنت أعرض بضاعتي من الكتب في الأسواق للبيع من ثلاثة إلى ثلاثون درهما، وكانت فرصة ثمينة لي للقراءة، حيث كنت أنهل منها ما استطعت من قصص وروايات وخواطر وأشعار، وكنت أقرأ إلى وقت متأخر من الليل، فكانت تعجبني المجلات الفنية: “زهرة الخليج، العربي، سيدتي، نادين، نورا، الموعد، المختار، الجيل، الهلال، الميادين، ومجلة أستوديو المغربية وغيرها..)، كما كانت تعجبني المجلات باللغة الفرنسية، إضافة إلى المجلات الرياضية: مجلات رياضة الكراتي، وحمل الأثقال، وكرة القدم..”.

وخلال دراستي بالمستوى الثانوي بمدينة برشيد، كنت أذهب رفقة أصدقائي: “مطيع بوشعيب، وحيدرة بوشعيب، ومحلوب أحمد، وزياد محمد ورؤوف عبد اللطيف”.. إلى مقر المحكمة الابتدائية حيث كنا ندخل قاعة الجلسات، ونستمتع بجو المحاكمة، وكان يعجبني أن أستمع وأتفرج مباشرة على أطوار المحاكمة، وتشدني تلك التصريحات التي يدلي بها المتنازعون أمام هيئة الحكم في جرائم مختلفة: خيانة زوجية، فساد أخلاقي، ضرب وجرح، منازعات حول الإرث..كما كانت تأسرني مرافعات المحامون وهم يدافعون على موكليهم، نساء وأطفال يبكون، رجال يتصايحون، متهمون مصفدو الأيدي.. وكانت هذه الأجواء هي التي تكون رصيدي المعرفي والثقافي، وتختزن في عقلي رصيدي الأدبي الأول.

وأثناء دراستي بمعهد التكنولوجيا التطبيقية بمدينة سطات، تعرفت على الشاعر والقاص “عمر الحسناوي”، وكان يدرس معي في شعبة التبريد والتكييف بمركز التكوين المهني، وصرت أحضر معه للأمسيات الثقافية الأدبية والفنية الموسيقية التي كانت تقام بدار الشباب أو بالمركز الثقافي بمدينة سطات.
بفضل الله ومهنتي السابقة كدركي، وصفتي ضابطا للشرطة القضائية وفنان شعبي دخلت منازل صغرى وكبرى، منها فيلات ورياضات كثيرة لكبار القوم، رأيت فيها قطعا متحفية ولوحات زيتية وسواري رخامية وأواني بلورية، كما كنت أفاجأ بشبه حانات صغيرة ببعضها، لكن نادرا ما كنت أرى مكتبات.

كنت أقرأ كل ما يصل إلي من شعر ونثر، كنت شغوفا بالزجل أتتبع البرامج الإذاعية الفنية وطنية وجهوية ودولية، ومنها : (برنامج سمير الليل، وبرنامج حبر وقلم للإعلامية المتميزة الأستاذة أسمهان عمور، وبرنامج أغنية واختيار، وبرنامج أمسيات شذى، وبرنامج ليلة الوفاء على أثير إذاعة (ايف إم)، وبرنامج ألحان زمان للإعلامي أبو بكر عمور، وبرنامج سباق المدن، وبرنامج أستوديو خمسة، وغيرها.. كانت برامج جميلة توعوية وتثقيفية..كنت أسهر معها الليل، قرأت أشعار وزجل الزجالين الكبار المغاربة الذين أغنوا الساحة الفنية بعطاءات خالدة لم ولن تمحى ولن تنسى، كنت كلما وجدت قصيدة زجلية في جريدة أو على قصاصة أقرأها وأحفظها وأحيانا أحتفظ بقصاصتها، لهذا فأنا أعشق الزجل وأكتبه أكتر من الشعر.. كما قرأت دواوين زجلية عديدة لزجالين غنائيين ومن ضمن الذين قرأت لهم من الشعراء الزجالين أذكر: (علي الحداني، فتح الله المغاري، مصطفى بغداد، محمد الهواري،أحمد الطيب لعلج، محمد الراشق، عبد الرفيع الجواهري، عبد الرحمن العلمي، الطاهر سباطة، علال الخياري، حسن المفتي، مصطفى فهمي، عبد المجيد البهلول، محمد لمسيح، عمر الحسناوي، محمد عبد الإله اليازغي، العربي عيشان، حميد اعسيلة، المهدي الودغيري، مراد القادري، لحسن باديس، لحسن دنوني، إدريس بلعطار، محمد مومر، نصيرة عبد المومني وغيرهم..

وبدأت في كتابة محاولات أدبية جادة ابتداء من دراستي في المستوى الثانوي، وراسلت برامج إذاعية وجرائد وطنية ومجلات عربية، ولما عملت مدربا ومدرسا لضباط الصف للدرك الملكي بالقاعدة العسكرية بابن جرير واصلت القراءة والكتابة بشغف ونهم، كما واصلت ممارسة الفن الشعبي كلما سنحت لي الفرصة وكأنني لست موظفا عموميا،ولما اشتغلت بحقل الضابطة القضائية في مجال الشرطة القضائية، وصرت باحثا في جرائم مختلفة كنت أجد لذة ومتعة في أبحاثي التي أقوم بها رفقة زملائي الدركيين حيث كنت أبحث وأعيش قصصا واقعية مع الناس، فكنت أنقلها بكل أمانة وصدق وإخلاص في المحاضر التي توجه إلى النيابة العامة.
ورغم عملي كدركي ضابط للشرطة القضائية في قرى ومدن مختلفة بجهات المملكة، كنت دائم التواصل مع الفنانين والأدباء، كنت أتعرف على المجموعات الموسيقية وأشاركهم الموسيقى والغناء في الحفلات والأعراس، كما كنت أتعرف على الأدباء وأشاركهم الأمسيات الشعرية والأدبية، والحمد الله اليوم على نعمة العلم، فبفضل التطور التكنولوجي، وعالم الأنترنت هذه الشبكة التواصلية العنكبوتية التي جعلت العالم عبارة عن قرية صغيرة، أتاحت لنا الفرصة لندرس، ونتعلم، ونتواصل، ونبحث على ما نرغب فيه، فنجده في أسرع وقت، وبفضل منصات مواقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك، أنستغرام، تويتر..”، تعرفت على العديد من الأدباء؛ كتاب، وشعراء وفنانون.. وصرت أنشر إبداعاتي الموسيقية الغنائية والأدبية السردية على صفحاتي بهذه المواقع التواصلية الاجتماعية.























