شيخ العيطة الحسين السطاتي

السبب الرئيسي في فشل الناس في حياتهم هو أنهم يستمعون لأصدقائهم وأفراد عائلتهم وجيرانهم عند اتخاذ قرارات تخص حياتهم.
نابوليون هيل
التكوين المهني “شعبة التبريد والتكييف”.
التحقت خريف سنة ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعون ( شتنبر سنة 1993)، بمعهد التكنولوجيا التطبيقية بمدينة “سطات”، رفقة المسمى “دلوان عبد الرحمن” وهو من أبناء دوارنا في مثل سني، حيث كنت قد نجحت في اختبار ولوج مؤسسة التكوين المهني بهذه المدينة، وقد اجتزنا الاختبار خلال فصل الصيف وتم قبولي بميزة حسن، فسُجلت بشعبة التبريد والتكييف، حيث ينبغي علي التدريب لمدة سنتين وأنجح في الامتحانات لأتخرج بدبلوم مصلح آلات التبريد والتكييف، وقد استفدت كثيرا من المدة القصيرة التي قضيتها في هذه المؤسسة التكوينية.

كانت شعبية التبريد والتكييف توجد ببناية تابعة لمعهد التكنولوجيا التطبيقية الكائن بالحي الصناعي بالجهة الشرقية لمدينة سطات، وكنا ندرس هناك أكثر من سبعة وعشرين تلميذا متدربا في قسم مختلط ذكورا وإناثا، أتذكر من أصدقائي الذكور: “عبد الحق سيف الدين، زايد بوشعيب، القداوي رضوان، ذاكر الله خالد، الطالبي عبد الكبير، الحيمر الشرقي، بن الوعدودي عبد الرزاق، دلوان عبد الرحمان، الصلحي مبارك، الحسناوي عمر، غوفاشة خالد، يونس عكوش، حجاج الشرقي، بونعامة بوشعيب، الحمدوني حسن، لفروجي لغليمي، لفروجي عبد الرحيم، لفروجي المصطفى، شوقي هشام، أبو النح عبد العزيز، الخالدي المصطفى.. ومن الإناث أتذكر الأخوات الخمسة، وهن: “القسطاوي بوشرى، الفان عائشة، هريرو مليكة، الجوداري نجاة، البسطاوي فاطمة”، وكان يدرسنا المكونين الثلاثة السادة الأساتذة “مجيد عبد الخالق، والهضار عبد اللطيف، واللوزي أحمد”، جازاهم الله خيرا ورحم الله والديهم.. كانت ورشة الدراسة والتدريب كبيرة مساحتها ستون مترا مربعا تقريبا وارتفاعا عاليا بحوالي عشرة أمتار، ندرس فيها الدروس الشفوية والكتابية باللغة الفرنسية في مادة التكنولوجيا والرياضيات، إضافة إلى الدروس التطبيقية من نجارة، وتلحيم، وكهرباء، وترصيص، وتفكيك وتركيب..

أما عن القسم الداخلي فكان بمركز التكوين المهني القريب من المعهد الذي ندرس به، ولا يفصله عنه سوى مسافة كيلومتر ونصف تقريبا، وكنا نقطعها مشيا على الأقدام، حيث كنا ننام بأحسن المراقد للداخلية ونحضى بعناية فائقة ومعاملة طيبة وحسنة بالقسم الداخلي، يسهر علينا طاقم إداري متكون من السيد الحارس العام للداخلية “سي عابيد ” والمدربان الأستاذان “سي حسن أوباتين” من شعبة الميكانيك، و”سي المصطفى زهيدي” من شعبة النجارة، كنا حوالي مائة تلميذ متدرب داخلي وكان لي رقم النداء 25.
كانت الإقامة بداخلية التكوين المهني جيدة ورائعة، حيث كنا نعامل معاملة طيبة بدون عنف ولا تمييز بيننا من طرف السادة الأساتذة المؤطرين، كنا ستة أفراد في الغرفة ولكل واحد منا خزانته، وثلاثة أغطية “بطانيتين وايزار”، أغطية جيدة ونظيفة لكل تلميذ، كانت الغرف والأسرة مصبوغة ونظيفة يسهر عليها طاقم نظافة، وبيت النظافة عبارة عن مجموعة مراحيض عصرية وحمامات “دوش” نظيفة ومجهزة بالماء الساخن والبارد والمكيف، وتحت المرقد يوجد مشرب يبيع الشاي والقهوى والحلويات، وكان الأكل بالقسم الداخلي جيد ومتنوع وكاف، للإشارة فقد كان معروفا عن السيد “ادريس البصري ” وزير الداخلية والإعلام السابق رحمه الله وأسكنه فسيح جناته أن يقوم بين الفينة والأخرى بزيارات تفقدية مفاجئة للداخليات ودور الخيرية ودور الأيتام..ويعاقب المسؤولين إذا ما وجد تقصيرا في المهام، كما كان معروفا أن الشركات والمعامل والمصانع بمدينة “سطات” يرحبون ويقبلون بتشغيل التلاميذ خريجي مركز التكوين المهني وخريجي معهد التكنولوجيا التطبيقية.
هناك بمدينة “سطات” خلال هذه الفترة الدراسية التكوينية، تعرفت على مجموعة للشيخات وعملت رفقة مجموعة من الفنانين الشعبيين ” أشياخ وشيخات، أذكر منهن: الشيخة الكبيرة السطاتية، والشيخة فاطمة السعيدية، والشيخة فتيحة والشيخة نزهة السطاتية، والشيخة رحمة المزابية، والشيخة فاطمة الخريبكية، والشيخة نعيمة الخريبكَية..ومن الأصدقاء الفنانين الموسيقيين هناك ” المعطاوي، ونور الدين، والمهدي، والمصطفى، وعبد العالي، وعبد الرحيم، وآخرين..”، إذ كنت محبوبا لدى الشيخات والأشياخ حيث كنت لا أزال شابا في العشرين من العمر، أعزف على الكمنجة وأغني الفن الشعبي وفن العيطة، وتعرفت على بعض أشياخ العيطة ومنهم: “الشيخ سي بوشعيب لبصير، والشيخ المهدي، والشيخ عبد الرزاق البيشي، والشيخ المكناسي، والشيخ عثمان، والشيخ المعطاوي عبد الكريم، والشيخ أحمد ولد العيدي، وآخرين”.. فصرت أحيي السهرات والأعراس أحيانا خلال يومي السبت والأحد وأدرس بالقسم الداخلي بمعهد التكنولوجيا باقي أيام الأسبوع، حيث كنا ندرس من الساعة الثامنة صباحا إلى الثانية عشر زوالا، والحصة المسائية من الساعة الثانية بعد الزوال إلى الساعة السادسة مساء.
وأتذكر أن الأستاذ المحترم “سي عبد اللطيف الهضار”، تفرج على مجموعتي الغنائية مع الشيخات ذات أحد مساء، وقد كان من بين المدعوين إلى العرس “حفلة زفاف” بضواحي مدينة “سطات” بدوار ” الشعيبات” جماعة “أولاد مومن” منطقة “أولاد اسعيد”، كان الجو الفني رائعا حيث انتهت السهرة بالعرس حوالي الساعة الخامسة صباحا، وأخذت نصيبي المالي من السهرة وكان تقريبا ثلاثمائة درهم، ومباشرة التحقت بالقسم الداخلي، وضعت آلة الكمان بخزانتي وحملت محفظتي ودون نوم توجهت كالعادة مع أصدقائي إلى القسم، وفور دخولنا تقدم عندي الأستاذ “سي عبد اللطيف الهضار”، وأكد علي أن أركز من جهة على الموسيقى والأعراس والمهرجانات، ولا أنسى تعلم مهنة مصلح الثلاجات ومكيفات الهواء التي كان يدرسها لنا، كما نصحني بأن الفن غالبا لا يؤمن مستقبل الفرد. جازا الله خيرا كل أساتذتي وكل من علمني..كما كنت أضع آلة الكمان بخزانتي بالقسم الداخلي، وفي بعض المرات وبطلب من أصدقائي كنا نحيي سهرات ليلية فيما بيننا بالداخلية سأعود إليها بالتفصيل في الحلقة الخاصة بالموسيقى.
وفي ذلك الصباح من يوم الاثنين أمرنا الأستاذ “سي عبد اللطيف الهضار”، بإجراء اختبار كتابي في مادة الرياضيات، اجتزت الامتحان وكنت أول من سلمته ورقتي حيث حصلت على النقطة الأولى 18/20، وكان أصدقائي بالقسم الداخلي كل من “الشاعر عمر الحسناوي، ودلوان عبد الرحمن، وزيد بوشعيب، وبونعامة بوشعيب، والصلحي مبارك، ولغليمي الفروجي، ولغليمي عبد الرحيم، وحجاج محمد”، كانوا هم رفاقي طول الأسبوع، ولازلت أتواصل مع بعضهم عبر الهاتف وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.
خلال أحد أيام شهر أبريل 1994، حوالي الساعة الحادية عشر صباحا الجو ربيعي صحو وصافي، بمعهد التيكنولوجيا التطبيقية كنت أقوم بتلحيم إطار ثلاجة، قدم إلى القسم صديقي التلميذ المتدرب بشعبة “الميكانيك” المسمى “هشام شاهير” الملقب ب”ولد الصاروخ” وبعد استئذانه من أساتذتي أخبرني أن أبي ينتظرني في باب المعهد لزيارتي. أخذت الإذن من الأستاذ “عبد الخالق مجيد”، وخرجت عند أبي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته. وسلمت عليه، وبعد تبادل عبارات التحية أخرج من جيبه ظرف أصفر وقدمه إلي قائلا :
– واقيلا يا حويسين عفى عليك الله من تمارة والسهير مع الشيخات، راك نجحتي في الجدارمية.
مد لي الظرف، أصابتني الدهشة، وخاصة لما أبصرت المرح يشع من عيني أبي، لقد اجتزت مبارة الدرك الملكي فقط كتسلية ومن أجل التجربة، كوني تعودت على الحياة الجميلة للفن، جو الحفلات الرائع والسمر مع الشيخات، ومجاملات الجمهور وصار لي صديقات وأصدقاء من المعجبين والمعجبات، كما صار لي مدخولا ماديا بفضل السهرات وصرت ألبس ملابس جديدة وجيدة.. لكن مهنة دركي لها مكانة اجتماعية محترمة،كانت حينها مهنة مخزنية سلطوية ومغرية، وتحضى بمكانة اجتماعية رفيعة، وخاصة داخل الوسط القروي وسأعود إلى هذا في فصل آخر، فقررت ترك الحياة الفنية الغنائية الرائعة، وترك التكوين بمعهد التكنولوجيا التطبيقية، والتحقت في نفس الشهر بمركز تدريب الدرك الملكي المتواجد داخل القاعدة العسكرية بابن جرير.























