شيخ العيطة الحسين السطاتي
المشاكل والمعيقات جزء من الحياة، شأنها في ذلك شأن الليل الذي هو جزء من اليوم، وهي سوف تعترض سبيلنا سواء سلكنا طريق النجاح، أم قفلنا راجعين في طريق الفشل.
الدكتور هادي المدرسي
المرحلة الدراسية الابتدائية:
شهر شتنبر سنة ألف وتسعمائة وثمانون، هو الوقت الذي انتقلت فيه من حياة الدراسة بالكتاب “الجامع” إلى الحياة الدراسية العصرية بالمدرسة العمومية، وإلى يومنا هذا فكلما هبت رياح العودة إلى المدرسة، تشتعل بداخلي نيران الحنين إلى طفولتي، وإلى ذكريات كثيرة مميزة تنبثق فجأة وتطفو إلى السطح، حاملة معها كما هائلا من التفاصيل الصغيرة، لازلت أتذكر أول يوم تطأ فيه قدماي المدرسة هروبا من الأمية والجهل والفقر، وعمري سبعة سنوات، ذهبت رفقة أبي “رحمه الله وأسكنه فسيح جناته”، على متن العربة التي يجرها الحصان الأدهم، وفي الطريق شرع أبي يحثني على فوائد العلم التي يعرفها كما يفهمها ليختمها بقوله:
– ” يا وليدي قرا على راسك، ولا اختار وحدة من الجوج، ايلا ما قريتيش غادي ترجع للسرحة” .
دخلت مدرسة “أولاد خديج” الابتدائية التابعة لمجموعة مدارس “المدَّاحة المركزية”، والتي تبعد عن الدوار بحوالي ثلاثة كيلومترات شرقا كنا نقطعها صباحا ومساء مشيا على الأقدام، وكان يتوجب علينا ونحن الصغار الحرص من الكلاب (كلاب عزيز ولد خديج وكلاب المالكي أحمد والكلاب الضالة..).
كانت المدرسة تتكون من قاعتين للدراسة؛ قاعة تقليدية من مخلفات الاستعمار وقاعة عصرية، وقاعة تستغل كإدارة مسورة بحائط من الحجر والطوب علوه متر واحد بدون مراحيض ولا ماء ولا كهرباء، لكنني لم أقضي في هذه المدرسة سوى مدة شهر تقريبا، حيث كان المعلم “سي البشير” مدرس مستوى التحضيري شبه دائم الغياب، لذلك تطوع أخي “المحبوب علي”، وهو يكبرني بسنتين وذهب بي إلى مدرسة “المداحة” وهي تحمل اسم الدوار الذي توجد به، وتبعد بثلاثة كيلومترات جنوبا عن الدوار، مشرعة على الفضاء غير مسورة ولا مسيجة، بها ثلاثة حجرات للدرس إحداهم عتيقة البناء، وبناية صغيرة لسكن المعلمين، ليس بها مراحيض ولا إنارة ولا ماء ولا كهرباء، بالقرب منها واد المداحة، وهو رافد صغير من مخلفات سيلان مياه الأمطار، هناك كنا نقضي حاجتنا،كانت تدرس بها أختي زينب وأخي علي، أذكر أخي عندما حمل قالب سكر وعلبة شاي وتوجه بي إلى المعلم – “سي لبيض محمد”- وقدمهم له كهدية بل”رشوة” لقبولي، وشرع يمدحني أمامه بأني مجتهد مثله، الشيء الذي شفع لي وتم قبولي بهذه المدرسة. وهكذا بدأت طلب العلم بالرشوة.
للإشارة فان أخي علي يكبرني بسنتين فقط، الشيء الذي أستغرب له اليوم كيف لطفل في سن التاسعة أن يتدخل كوسيط لدى المعلم ويقنعه ليقبلني بالقسم ويسلمه رشوة.
أتذكر وأنا داخل القسم لأول مرة بمدرسة المداحة، تهامس التلاميذ فيما بينهم وهم يفحصونني بعيونهم، أحسست وكأنني سارقا بينهم،لم يسبق لي أن كنت بين أكثر من أربعين شخصا يفحصونني من تحت إلى فوق. في القاعة تلاميذ في مثل سني وأكبر مني هناك من بينهم من يكبرني بثلاثة أو أربعة سنوات وأكثر، يوحدنا الفقر والبؤس، لكنهم في تلك اللحظة فهم أحس حال مني، يتهجون الحروف ويعرفون القراءة والكتابة على السبورة ويخطون كلمات على الدفاتر.
أجلسني المعلم في الصف الوسط، إلى جانب أطول تلميذ “صادوق بوشعيب” في حجرة بها أربعة صفوف، بيننا تلميذات منهن الناهدات وتلاميذ منهم من نبت شعر وجهه حيث كان يسمح بتسجيل أطفال في سن الثانية عشر لمحو الأمية.
أتذكر بعض مما قاله المعلم المراكشي “سي محمد لبيض” بلكنته المراكشية :
-“هذا صديقكم جا جديد، جاء من مدرسة أولاد خديج، حاولوا تتعاونو معاه وتساعدوه حتى يوصل عليكم” .
كانوا جلهم مثلي بدويون بؤساء، نظروا إلي متهامسين، وهم ينقلون الدرس المكتوب على السبورة، ترى ماذا ينقلون؟ تهجيت ما هو مكتوب، أمامي دفتري وقلمي في انتظار كيف أبدأ أول درس مدرسي، ساعدني “صدوق بوشعيب” رفيقي في الطاولة في نقل المكتوب على الدفتر بعدما لاحظ أنني أحاول نقل كل كلمة بمشقة وارتجاف، وكان النص إن لم تخني الذاكرة متكون من الجمل التالية:
-كان لنا حمار – نربطه أمام الدار- باع أبي الحمار- لماذا باع أبي الحمار؟
وإلى حد الآن لا أعرف ما هو الهدف من إدراج هذه الجمل الرعوية ضمن مقرر دراسي، كتب لي رفيقي كلمات ناطقا إياها بخفوت مثل المعلم، شكرته ورعشت يداي، وأجهدت يدي محاولا تقليد خطه الجميل، منذ تلك اللحظة صرت أتعلم من أصدقائي التلاميذ أكثر ما أتعلم من المعلم.
لازلت أتذكر ذلك اليوم المشؤوم حيث التحق بنا بعد أسبوعين من انتقالي إلى مدرسة المداحة، مجموعة من الأطفال من دوارنا بسبب غياب المعلم “حسن البشير” من مدرسة “أولاد خديج”، كان يوم كئيب وهو أول يوم أشاهد فيه حصص التعذيب بتلك القسوة، كان بعض الأطفال المعذبين يتبولون ويتغوطون في ملابسهم دون شفقة أو رحمة من المعلم المعذب”سي لبيض محمد”، في ذلك اليوم هجم إذ صح التعبير تلاميذ من مدرسة أولاد خديج مستوى القسم التحضيري علينا بمدرسة المداحة، هاربين من الجهل والأمية متحملين العذاب والتعذيب من طرف الطبيعة والمعلمين، كانت أسماء الأطفال كالتالي ( الشلخ مراد، بن عبد الله عمر، دلوان عبد الرحمن، هلا محمد، حنان مراد، لهلال أمينة، لهلال فتيحة..)، كان ذلك يوم الإتنين إذ ملأ القسم عن آخره، وكنا نجلس الأربعة في الطاولة الخشبية الكبيرة، فلما دخل المعلم وقف التلاميذ القدامى احتراما وخوفا واجلالا له، لكن التلاميذ الجدد لم يقفوا كونهم لم يسبق لهم أن تلقوا أي درس في آداب القسم، حينها مباشرة فجر المعلم غضبه في السب والشتم والركل والرفس، كتب في السبورة نشيد من ثلاثة أبيات، وطلب من أربعة تلاميذ قدامى أن يقرؤوا النشيد بصوت مرتفع، بعد ذلك قام بإغلاق السبورة، وبدأ في تعذيب الصغار، إنتزع عصا غليظة من شجرة كانت أمام حجرة الدرس وشرع في ضرب الصبية بما أوتي من قوة، لم يسلم من التلاميذ الجدد إلا عبد ربه الحسين المحبوب، حيث كنت قد قضيت مدة أسبوعين عنده بالقسم، كان التلاميذ يستنجدون بالحارس “سي بوشعيب العلمي المداحي”، كانوا يتألمون ويبكون ويصرخون وذنبهم الوحيد أنهم التحقوا بمدرسة المداحة طلبا للعلم، وكان الجلاد يتلذذ بتعذيب الصبية الأطفال الأبرياء بدون شفقة ولا رأفة، ويتلفظ بلكنته المراكشية:
– “مصيفطين لي السراح باييني نقريهم ليهم، غادي نوري باباهم،لحمير أولاد لحمير”.
وكان مراكشي الأصل ذو بشرة سمراء ولازلت أتذكر تلك الأبيات المشؤومة، لكنها للأسف تحمل كلمات موجهة من الأم لصغيرها إن لم أخطأ كانت كالتالي:
يا ملكا في السريـــــر… مقمطا في الحريــــريا بهجتي وســـــروري… نم بالهناء يا حبيبــــي
نم لا تنم الا قــــرب أمي…تفذيك من شـر وهـم
يا له من جرم وقساوة قلب المعلم، جلدهم وكأنهم أعداء له، وهم يبكون ويتوسلون ويستنجدون ويحتمون بالمقاعد، كنا نجلس أربعة على الطاولة الخشبية التقليدية ذات المقاعد المشتركة، وبجانبيها على السطح مكان المحبرة، وكان التلاميذ الذين يجلسون بالوسط حينما يريدان الخروج إلى السبورة، يخرجان من تحت الطاولة كالقطط، وللإشارة لما صرت دركيا، وكنت في التدريب لنيل شهادة ضابط الشرطة القضائية المكلف بالأحداث، عرفت حينها أن القانون يجرم تعنيف الطفل جسديا ونفسيا، سواء كان هذا العنف نفسيا أو لفظيا ولو كان الطفل مجرما قاتلا.
ليس اللوم والعتاب على المعلم “سي لبيض” وحده فحسب، الذي أحترمه وأعزه، فاللوم على الجهة الوصية التي عينته وهو شاب لم يتجاوز بعد السن العشرين بمدرسة نائية، وهو القادم من مراكش الحمراء المدينة الحالمة..
أتذكر أن الصباح كان يبدأ بحصة الاستظهار سواء قرآن كريم أو غيره، ويعني ذلك حصة تعذيب (الفلقة – الضرب المبرح بالعصا على الأرجل والأيدي وحتى على أطراف الأصابع) ناهيك عن التعذيب اللفظي والنفسي والصفع والركل.. كان المعلم بالنسبة لنا سلطة وكنا نحسبه ضمن المنظومة المخزنية، أتذكر أن الأستاذ “سيحسن اللغوي” الذي درسني بمستوى القسم الخامس “الشهادة الابتدائية”، وجدني ذات يوم أرعى الغنم بسهب “الدويمية”، وأنا أعزف على آلة الكمان التقليدي ( الطارو) وسط الحقل المعشوشب ” الزنيكَة”، وكان الفصل ربيعا، حيث باغتني وكان الوقت بعد الزوال دون أن أنتبه إلى مجيئه فنادى علي، رميت الكمنجة التقليدية من يدي وأسرعت نحوه خائفا، فأمسك بي وشرع يضربني بالصفع والركل وهو يسب ويشتم:
-“تفو الله ينعلو كَنس، هذا هو القرآن اللي شادو كتحفظ فيه، ولد السارح غادي تبقى سارح وتولي شيخ” .
وأشير أنني درست أخوه “اللغوي عبد الرحيم”، لما كنت مدرسا ومدربا لضباط الصف الدركيين بالقاعدة العسكرية بابن جرير، وأرسلت له صورتي في بدلتي العسكرية مع أخوه خلال إجازة، وأمرته أن يوصلها إليه ويقول له بأن رئيسه هو الشيخ الكوامنجي تلميذه سنة 1985. وبالفعل قام بما أمرته به، ورد علي الخبر بأن أخوه يتذكرني جيدا وأرسل إلي هو الآخر رسالة شكر مرفقة بصورته.
أحيانا وخلال الأيام الدراسية، كان يوقظني أبي باكرا وخاصة خلال فصل الربيع حوالي السادسة صباحا، حيث كنت أذهب بالبقرات لأرعاها بالحقل أو جانب الطريق المعبدة إلى أن يلتحق بي أخي “بوشعيب”، حاملا معه محفظتي ثم يسلمها لي رفقة الفطور (كسرة خبز وقنينة شاي) ويكمل هو مهمة الرعي، ونفس الوجبة الغذائية نتناولها خلال الغداء بجانب القسم، كنت أتوجه من الرعي مباشرة إلى القسم، أظن أنه لا تخلو ذاكرة أي تلميذ أو تلميذة من أبناء جيلي البدويين من هذه التفاصيل، وهي تتشابه إلى حد مربك بأشياء كثيرة فيها، بضعفها وحلاوتها وقساوتها وصعوباتها ونجاحاتها وإخفاقاتها.
خلال سنوات الدراسة الابتدائية كنا من شريحة واحدة بمدرسة المداحة حيث كان الأطفال يأتون من دواوير مجاورة تصل أحيانا إلى خمسة كيلومترات (دواوير: لعنابرة، العونات، أولاد سيدي بن حمدون، أولاد بوعنان، أولاد سيدي رحال الدويمية، المهداوة، أولاد الحاج لحسن، الرياحيين….)، كنا نقطع المسافة صباحا ومساء على الأرجل والمحظوظ منا كان يركب حمارا، كان يجمعنا ويوحدنا الفقر، لذلك كنا راضين فرحين ليست بيننا فوارق طبقية، الميسور منا يتغذى بالخبز والبطاطس المسلوقة وعلبة سمك سردين وكل واحد منا يحمل قنينة الماء.. وأتذكر أننا كنا ندرس بمستوى القسم الثاني عند الأستاذة “مرجون أمينة” شابة بيضاوية الأصل حديثة التخرج، وفي حصة المساء دخل التلميذ المسمى(ج. صالح) إلى القسم وهو حافيا عاريا يرتدي التبان “السليب” فقط وكأنه داخل للحمام، تقدمت إليه الأستاذة في غضب وصفعته صفعتين، وكانت رهيفة الإحساس حنونة لا تضربنا إلا ناذرا وشرعت تسأله:
-“علاش باباك جاي لعندي حفيان عريان، واش تصحاب راسك داخل للحمام؟”
وبجواب طفولي رد عليها صالح وهو يبكي :
-“راه أمي صبنت لي حوايجي، ونشرتهم وباقين ما نشفوش.”
-“وعلاش ملبستيش حوايج اخرين؟”
رد عليها بجواب صادم.
-“ما عنديش غيرهم” .
أجهشت الأستاذة بالبكاء، ارتمت عليه، عانقته واعتذرت له وسمحت له بالذهاب إلى منزلهم، وخلال عودتها بعد عطلة نهاية الأسبوع من مدينة الدار البيضاء اشترت له ملابس وأحذية. وقد عرفت مؤخرا أن زميلنا صالح هاجر إلى ايطاليا ثم عاد إلى المغرب وقد صار مستثمرا في مجال البناء وله عقارات.
Views: 10
























