شيخ العيطة الحسين السطاتي

“كلما تقدمت في العمر، أعير اهتماما أقل لما يقوله الناس، وأراقب فقط ما يفعلونه”
اندو كارنجي
الطفولة:
حياة الأطفال في البادية خصبة كالطبيعة التي يعيشون بين أحضانها، والأحداث والمنعطفات التاريخية التي تجيء في وقت مبكر من عمر الإنسان تكون أكثر قدرة على البقاء في نسيج أفكاره وتصوراته، في خطوات حياته ومراحلها المختلفة، الشيء الذي يجعل الطفل خصب الخيال صافي الذهن، يختزن عقله الباطن الكثير من المشاهد الطبيعية الجميلة التي لا يمكن نسيانها.
ونحن أطفال كنا نتعامل مع محيطنا ونكتشف ما حولنا من حقول خصبة وبساتين وشعاب ووديان وتضاريس بتنوعها وتعاقب الفصول الأربعة، وحيوانات أليفة وأخرى برية، فتنامت بذلك مداركنا وتفاعلت أفكارنا بما حولنا.
كنا خلال فصل الربيع نرعى الماشية ونأكل معها من الطبيعة، حيث كنا نعرف أسماء الأعشاب ( مغيزلة، العشلوج، تيمط، الكَرنينة، تافغة، الحميضة، كرينبوش.. وغيرها)، كما كنا نأكل كل شيء طبيعي ( سمن ، تمر، حليب، ريب، جبن وعسل..)، أما عن البسكويت والحلويات ومشتقات الحليب من يا غورت.. فلم أكن أعرف حتى شكلها أو أسماءها إلا ناذرا، فحدث يوم وكنت مع أبي بمركز القرية (جمعة فوكو) ونحن أمام دكان “الحاج الزموري” حيث مشتقات الحليب والعصائر مرصفة في واجهة الباب فسألت أبي بسذاجة بدوية طفولية:
– “وا با أشنو هاذ الشي اللي في الباب ديال الحانوت”؟ وأعني بذلك علب الياغورت “دانون ورايبي والعصير….
فأجابني رحمه الله بجواب كوميدي:
– هدوك راهم دوا (دواء)، حتى تمرض ونشريهم ليك. يا الله تشرب أتاي وتاكل الشفنج والحوت.
نما حسي الفني بموسيقى الطبيعة ولعبت الأصوات دورا أساسيا في ثقافتي الشعبية حيث كنت أستيقظ أحيانا على صياح الديكة وزقزقة العصافير ونباح الكلاب، وأفطر على ثغاء الغنم وخوار البقر، وفي الحقول أصيخ السمع للريح وهي تعبث بجريد النخل المتهدل وأغصان الأشجار المورقة وخرير المياه شتاءا في سواقي الروافد، وصوت الحمام ونهيق الحمير وصهيل الخيل..
كنت ألتحق بالحقول لأرعى الغنم مع إخوتي أو أساعدهم حسب استطاعتي في أعمال الفخار التي كان يديرها والدي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته- صانع فخار ماهر- وكنا في طريقنا إلى المدرسة نستظل تحت أشجار البساتين (الجنانات) التي كانت تضم أشجار الزيتون والكرم والمشمش، نأكل من ثمارها ونلعب تحت ظلها، نتسابق ونصطاد العصافير، أحيانا بالفخ وأحايين بالمقلاع أو الجباد.. نصنع الألعاب بأيدينا من الطين ونتفنن في صناعتها ؛ “جرارات فلاحية، ألة حصاد، دمى، عربات..”، كل حسب ما جادت به قريحته الفنية، ولم نكن نشتري اللعب والدمى سوى في مناسبة عاشوراء. وكنا نسبح في الغدران والضايات وغالبا ما نتعرض بسب ذلك للعقاب من طرف الآباء لخوفهم علينا من الغرق أو الأمراض.

كنت ألعب مع أقراني في القرية أو نسهر قرب (نوادر) التبن أو في البيدر، مجتمعين حول البالغين نستمع ونستمتع بحكاياتهم أو متحلقين حول راديو الكاسيت نلقي بأسماعنا على شريط غنائي “شيخات” ممددين فوق أكوام التبن، والطبيعة من حولنا والسماء فوقنا، القمر والنجوم تناجينا لا فاصل بيننا.
كنت ألتحق بأولاد الدوار المجتمعين قرب حانوت العطار”سي أحمد الرحماني” ليستمر السمر إلى ما بعد منتصف الليل أحيانا، وفي كل مساء سواء كان مساءاً قمريا أو مساءاً مظلما، نتجاذب أطراف الحديث في كل شيء، أو أي شيء، لم نكن نميز بين ما هو مهم وغير مهم، أي شيء يخطر على البال، حكاية أو قصة، نكتة أو نقل مشهد من المشاهد التي كنا نعاينها في الحقول أو في السوق..وأحيانا كنت أكون من بين صناع الفرجة الليلية، حيث كنت رفقة أصدقائي من أبناء الدوار بالعزف على الكمنجة والبنادير والطعريجة والغناء، نسهر على الموسيقى والغناء إلى وقت متقدم من الليل.
ما أروع شروق الشمس بالبادية، عندما كنت أسير مع عشرات الصبية والفتية والرجال أصحب الدواب والبهائم في موكب خروج الفلاحين للعمل وخاصة خلال فصل الربيع وسط خضرة لا يحدها البصر وبسطة الأرض التي تبدو كأن لا أرض بعدها، وكأننا في استعراض فلاحي للمواشي أو كرنفال ربيعي..أتذكر وأنا خلف قطيع الغنم أو البقرات خلال أيام العطل الدراسية وأنا أعزف على آلة الكمنجة التقليدية التي غالبا ما كنت أنا صانعها.
وكنت وأنا صغير أتأمل الكون، فهذه الشجرة الوارفة من صنع الله، أراد لها أن تكون فكانت، وهذا الزرع اليانع الخَضِرُ قد زرعنا حباته بأيدينا ولكن لولا إرادة الله لما كان، وهذه الأرض التي أمشي فوقها، كل شيء من حولي من صنع الله يرعاه ويتولاه بما فيه أنا، الشجرة والحبة والثمرة كلها زميلاتي في الكون، إذن أنا أنتمي إلى هذه الأرض، كانت عيشتي بسيطة افترشت المطرح والحصير والحندير والهردال.. شربت اللبن من الشكوة، وشربت الماء من الجرة “الخابية” ومن القربة المطلية بالقطران، وشربت من جابية البئر، كما شربت من ماء الغدير والوادي مع البهائم.
كانت حياتي بها بهجة تتلوها بهجة رغم بساطتها، فكل يوم يأتي بشيء جديد أتعلمه، موسم الحرث، موسم الزرع، موسم الحصاد، موسم جني تمار التين الشوكي، موسم جني الزيتون، فقد كانت حياتي بالبادية اكتشافات تعقبها اكتشافات.
في أيام الصيف الحارة كنا نقضي سحابة اليوم في الرعي، حيث كنا وقت الظهيرة نسبح في مسابح الاستعمار الفرنسي التقليدية بجوار الآبار “الصهاريج”، ” ضيعة أولاد زيد – ضيعة المدكوري” كما كنا نسبح في وادي أم الربيع بمنطقة “بن معاشو”..كنا نتعلم السباحة فيها ونشرب منها غير آبهين بشيء، ولا أذكر في تلك الأيام البعيدة أية حادثة غرق ذهب ضحيتها أحد الأطفال، رغم خطورة الثقب الكبيرة المتواجدة بقعر المسبح، كان الكبار المتمرسون بالسباحة يبادرون إلى انتشال أي سابح ظهر عليه التعب وأخذ يغطس أو يغرق في الماء، وكنا نستعين بالمدلجات البلاستيكية (البيدوات). وأنا شخصيا أتذكر أنني كنت في ذلك اليوم الحار القائض أسبح زوالا رفقة زملائي بسانية “أولاد زيد”، وكنا نتنافس في الغطس حول من سيظل مدة أطول تحت الماء، وقد غطست وبقيت مدة طويلة بالقعر وتوجهت عوما الى كهف صغير ( غار) بالقعر وأخذ مني التعب، ولم أع حتى وجدت المسمى “محمد ولد الميلودية” -وكان سباحا ماهرا، أسود اللون قوي البنية الجسدية -وهو ينتشلني من القعر، ولما أخرجني خارج المسبح ضغط على بطني كإسعاف أولي، بعدما أخذت نفسي واسترجعت قواي، شرحت له أنني لم أغرق، فانهال علي ركلا وسبا بدعوى أنه قد خاف علي وحسبني غرقت لطول المدة التي بقيت فيها تحت الماء.
لما تعلمنا العوم وصرنا نحسن السباحة كنا نذهب الى نهر أم الربيع بمنطقة سيدي سعيد بن معاشو ضواحي جمعة فوكو وبالضبط بسد بنمعاشو الذي يبعد عن الدوار بحوالي اثنان وعشرون كيلومترا، حيث كنا نتسابق ونتنافس في عبور الوادي سباحة.
وكانت متعتنا أيضا في مطاردة العصافير والحمائم واصطيادها بالمقلاع أو عن طريق نصب الفخاخ، وأذكر أننا كثيرا ما كنا نذبحها وننظفها ونقوم بشوائها على الحشائش والأعواد اليابسة، وكنا نلتهمها ونحن في غاية السعادة، كان يوحدنا البؤس، وقد لعبنا في تلك الفترة بأشياء طبيعية وحية كالطيور والفئران والعقارب والديدان والحشرات.. أكثر ما لعبنا بالأشياء الجامدة، كان لكل واحد منا تخصصه كالعلماء، كنا صبية صغار لكل منا تخصصه العلمي؛ فينا عالم القمل وعالم الفئران وعالم العقارب وعالم السلاحف. وأنا عن نفسي كنت شديد الولع بالعقارب، أجد متعة في التنقيب والبحث عنها واستعمال تقنيات لاستخراجها من جحورها، فكنت أستعمل نبات الدوم أو أزهار نبات “الكركاز” لأستدرجها، أجمع عدد كثير منها وألعب بها وأجعلها تتعارك فيما بينها، وكانت أمي- الله يرحمها ويسكنها فسيح جناته- تتبعني بالعصا فأترك العقارب وأهرب وهي ترغي وتسب:
-“يابلاتي عليك حتى نشدك يا العيساوي بولعكَارب، شي نهار تقتلك شي عكَرب”.
كانت الألعاب موسمية حسب الفصول لعب الكلة (البي)، الخدروف (الطرونبية)، مالة، طابت، الدينيفري، سبسبوت، غمالة، فليسة، الناعورة والدريجة …وغيرها من الألعاب المفيدة والمسلية، بالإضافة الى كرة القدم والتي كنا نصنعها من الخرق البالية المحشوة بالتبن أو أي شيء أخر، فرغم بدائية هذه الألعاب كانت لها فوائد كثيرة سواء في اكتساب المهارات أو التسلية والترويح عن النفس، والمحظوظ منا كان يحصل على ذلك القط البلاستيكي ” بولحناك” أو تلك الشاحنة البلاستيكية التي لديها صندوق خلفي “شاريو” يصعد وينزل يدويا وقد سبق وأن اشترى لي أبي في مناسبة عاشوراء سيارة “جيب” تجر بخيط وكأنه كان يعلم أنني سأكون دركيا في المستقبل، لكن ما كان رسميا عندنا ونحن أطفال ذكور هو شراء المفرقعات ( القنبول، الصواريخ، والمسدسات والفرشي..)، والمسدسات السوداء التي كنا نحشوها بالفلين ( الفرشي) حيث كانت تحدث دويا عند نبشها من فوهة المسدس بمسمار”المهماز”، وكنا ننقسم إلى فرق وكأننا في حرب، وكان ذلك يذكي فينا حب حمل السلاح والمقاومة، ولم يكن يخطر ببالي أنني سوف أحمل المسدس الحقيقي ليل نهار، ليس من أجل الحرب الرمزية مع أولاد الدوار ولكن في حرب عصابات المخدرات والمجرمين، وكما خرجت سالما من مسدسات الفرشي في الدوار خرجت سالما من الخرطوش الحي وسليم من حقل الضابطة القضائية وهذا بفضل الله ورعايته. فحمدا وشكرا لله على نعمه.
أما عن البحر فكنت أشاهده فقط في صور القراءة والكراسات أيام الدراسة الابتدائية، وكنت أتخيله بركة مائية أو ضاية كبيرة.
من بين الرياضة التي كنا نمارسها ” التراكيل والتراديح” نتفرق إلى فريقين ثم نشرع في حرب كنا نسميها حرب الحمير والبغال بواسطة الأرجل، وكان غالبا ما ينتهي ذلك بعراك حقيقي يسيل خلاله الدم وتتورم من جرائه الأعين،كنا ننفس عن مشاعرنا بالغضب أو الفرح من خلال ما يجري حولنا، ومن خلال التعامل مع بعضنا البعض عندما نختلف، سواء بالاشتباك بالأيدي أو العصي أو الحجارة، أو أشياء أخرى إن لزم الأمر، ونذهب إلى النوم بعيون متورمة، ووجوه مخدوشة، وأقمصة ممزقة، وبأنوف تنزف دما، لكن الجميل أننا في صباح اليوم التالي ننسى كل شيء فنلعب ونتعانق من جديد وكأن شيئا لم يقع.
كنت مولعا بركوب الخيل، حيت ضربني مرارا أبي لما وجدني أخيل على الحصان وقد سقطت من فوقه عدة مرات وكانت تسلم الجرة، لكن في إحدى المرات بينما كنت ذاهبا رفقة أخي ” علي” إلى فدان يدعى “سهب الدويمية” وكان سني حينها سبع سنوات ونصف،كان أخي يركب الحصان وكنت ممتطيا حمارًا فركض الحصان وتبعه الحمار وفجأة سقطت فأصبت بكسر بساعد يدي اليمنى، فأخذني أبي إلى مركز القرية عند امرأة تسمى ” عائشة بنت الجبار”، وضعت على يدي جبيرة من القصب وصوف عليه خليط من الطحين ومح البيض مقابل ثلاثون درهما، وبعد مضي عشرون يوما عدت عندها فأزالت لي الجبيرة وأخبرتني أنني شفيت.
ترعرعت في مناخ ريفي اجتماعي يختلف عن الحاضر، حيث كان الناس يعيشون حياة محافظة احترامًا متبادلًا. كان الصغير يوقر الكبير والكبير يعطف على الصغير، ولذا كان الود والتعاطف هو السائد فكان الناس في الحي أو الدوار يعيشون كأسرة واحدة تمثل نموذجا نادرا في أيامنا الآن، حيث تتجسد فيها الألفة والتعاطف النادرين. كان كل واحد يعرف أحوال الجيران والأصدقاء و يدخل بيوتهم كأنه بيته، وأغلب الناس نفوسهم طيبة ونقية لا تعرف الخبث والالتواء … كانت الروابط روابط محبة خالية من الذاتية والمصالح.

كان يوم الفرح عندنا هو يوم الجمعة، ليس لأنه مناسبة دينية وعيدا للمؤمنين فحسب، بل لأنه يوم السوق الأسبوعي عندنا، وهو بذلك مناسبةً أسبوعيةً لتناول “الطون ولحرور، واالشاي “أتاي” والشفنج” والمثلجات، ومختلف أنواع الحلوى..وعندما كان ينمو ويطول شعري كان أبي –الله يرحمه ويسكنه فسيح جنته- يأخذني معه إلى السوق عند صديقه الحلاق “سي المعطي”، داخل خيمة برحبة الحلاقين “الحجامة”، خيمة صغيرة مربعة على ركيزتها الخشبية علق نصف مرآة مكسرة لينظر إليها البالغين أما نحن الصغار ممنوع علينا النظر إليها، وممنوع أن نبدي رأينا في الحلاقة أو في الحلاق.
يدفعني أبي داخل الخيمة بلغة الأمر:
-سي المعطي دز هذا، وجدر ليه.
يأخذني “سي المعطي” فوق الكرسي، أو يضعني فوق البردعة إن كان الكرسي محجوزًا ، يحمل آلة الحلاقة الميكانيكية اليدوية ” الطوندوز” فيطفق في حلق شعري أو بالأحرى في نتفه، وبعد الانتهاء من الحلاقة ألتحق بأبي برحبة الفخار، فنجتمع حول الوجبة ( شاي، شفنج، دلاح، سمك، عنب..) حيث كانت الشهية مفتوحة على كل شيء، بعد ذلك أتوجه إلى الحلقة، مكان الحكواتيين ومروضي الثعابين، وأصحاب النرد والكارطة “لعبة الصوطة”، أتذكر حينما كنا نتحلق حول مول الكارطة وهو رجل خمسيني تآكلت أسنانه بفعل مخدر الكيف … فوق طاولة حديدية يضع الأوراق الثلاثة للكارطة، ونحن نتتبع تلك الورقة الشهيرة التي تراوغ أعيننا بتمويه ذكي وحركات مدربة، البعض منا يقول “خداع” والبعض يقول” سحار”، كنا في الغالب نتحلق حول طاولته ليس للمشاركة في اللعبة بقدر رغبتنا في اختبار قدرتنا على معرفة مكان الصوطة، وفي الغالب كان الرجل يفوز بما في جيوبنا من دريهمات، دون أن تقع تلك الورقة الماكرة في قبضة إدراكنا.
رغم عيشي طفولة بئيسة كنت أنعم بحرية الطبيعة رغم ضيق الحال، لم نكن انطوائيين أو انعزاليين كبعض شباب جيل اليوم، الذي تحاصره مشاكل السكن الاجتماعي حيث صار بعض الشباب يعيشون في شبه أقفاص صغيرة، شقق في عمارات داخل المدن تحتوي على المئات من السكان ولا أحد يبالي أو يكترث لأحد، يتعاطون للمخدرات والمشروبات الكحولية، بعيدا عن جو الألفة السابق الذي عشته بالدوار وكأننا أسرة واحدة، حيث الكل يربي وينهي ويعاقب. كان السكن يضم الأسرة بما في ذلك الجد والأبناء والأحفاد.
لقد كانت باديتي، “أولاد عبو” بمنطقة “أولاد سعيد” بضواحي مدينة سطات، مختلفة تماما عن الأماكن والمدن الأخرى التي عشت فيها، طبيعة غناء وسهول خصبة، ولا شك أن هذه المنطقة هي التي خلقت عالمي الفني والأدبي، فطفولتي في البادية كانت عالما أحببته دون تحفظ وأحسست فيه بسعادة كاملة رغم بؤسه وشقاوته الشيء الذي جعلها تتجمد في ذاكرتي وظلت كما هي.
Views: 12























