
عبد العزيز الخطابي

لم يكن الخطر الأكبر في تاريخ السلطة هو امتلاك القوة. بل امتلاك القدرة على تعريف الحقيقة. فالحاكم الذي يملك السلاح يستطيع أن يفرض الطاعة. أما الحاكم الذي يملك تفسير الواقع فإنه يستطيع أن يجعل الطاعة تبدو اختيارًا عقلانيًا. ومن هذه الزاوية يمكن فهم التحول العميق الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي على المجال السياسي؟ إذ لا يقدم نفسه بوصفه سلطة جديدة تنافس الدولة. بل بوصفه عقلًا حسابيًا يزعم أنه أكثر قدرة على الفهم والتوقع واتخاذ القرار.
لقد تأسست السياسة، منذ نشأتها. على فكرة أن البشر يختلفون حول المصالح والقيم والتصورات. وأن هذا الاختلاف يُدار عبر النقاش والمؤسسات والقوانين. لم تكن السياسة بحثًا عن الحقيقة المطلقة. بل كانت فن التعايش مع تعدد الحقائق والرؤى. غير أن الذكاء الاصطناعي يقدّم نموذجًا مختلفًا تمامًا؟ فهو لا يتعامل مع المجتمع بوصفه فضاءً للاختلاف. بل بوصفه مجموعة ضخمة من البيانات القابلة للتحليل والتنبؤ.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: كلما ازدادت قدرة الخوارزميات على التنبؤ بالسلوك البشري. تضاءلت الحاجة إلى النقاش السياسي بالمعنى التقليدي. فإذا استطاع النظام أن يعرف ما الذي سيشتريه المواطن. وما الذي سيشاهده. وما الذي سيصوّت له. وما الذي سيخاف منه. فإن السياسة تتحول تدريجيًا من إدارة الاختلاف إلى إدارة الاحتمالات. ولم يعد المواطن يُنظر إليه باعتباره فاعلًا حرًا يصنع قراراته. بل باعتباره معادلة يمكن التنبؤ بنتائجها مسبقًا.
إن أخطر ما في هذا التحول أنه لا يحدث عبر انقلاب سياسي أو استيلاء مباشر على السلطة. بل عبر التوسع الهادئ لمنطق الكفاءة. فكل قرار تتخذه الخوارزمية بسرعة أكبر. وكل خدمة تقدمها بدقة أعلى. يمنحها شرعية جديدة داخل المجتمع. ومع مرور الزمن يصبح الاعتماد عليها أمرًا طبيعيًا. ثم ضروريًا. ثم لا غنى عنه. وهكذا تنتقل السلطة من المؤسسات المنتخبة إلى الأنظمة الحسابية دون أن يشعر أحد بلحظة الانتقال نفسها.
ومن الناحية الفلسفية. يمثل هذا التحول انتقالًا من «سياسة التبرير» إلى «سياسة التنبؤ». ففي الديمقراطيات الحديثة يُفترض أن تُبرر القرارات أمام المواطنين وأن تكون قابلة للنقد والمراجعة. أما في المنطق الخوارزمي. فإن القيمة العليا ليست العدالة أو الشرعية. بل الدقة والفعالية. لا يُسأل النظام إن كان قراره أخلاقيًا. بل إن كان ناجحًا إحصائيًا. وهنا تبدأ السياسة بفقدان جوهرها الإنساني. لأن الإنسان لا يعيش بالأرقام وحدها. بل يعيش أيضًا بالمعاني والقيم والرموز والأحلام.
إن المجتمع الذي تحكمه الخوارزميات بالكامل قد يكون أكثر كفاءة. لكنه ليس بالضرورة أكثر حرية. وقد يكون أكثر تنظيمًا، لكنه ليس بالضرورة أكثر عدلًا. فالكفاءة تستطيع أن تخبرنا بما هو ممكن. لكنها لا تستطيع أن تخبرنا بما ينبغي أن يكون. وهذا هو الحد الذي يفصل السياسة عن التقنية. والإنسان عن الآلة. والأخلاق عن الحساب.
لذلك فإن السؤال الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس ما إذا كانت الخوارزميات ستصبح أكثر ذكاءً من البشر. بل ما إذا كان البشر سيحتفظون بحقهم في اتخاذ القرارات التي لا يمكن اختزالها إلى معادلات. فمستقبل السياسة لن يتحدد بقوة الآلات. بل بقدرة الإنسان على الدفاع عن حقه في أن يكون أكثر من مجرد بيانات داخل نظام هائل من الحسابات. ففي اللحظة التي تتحول فيها الخوارزمية من مستشار إلى حاكم خفي. قد لا تنتهي السياسة فقط. بل قد يبدأ عصر جديد يصبح فيه الإنسان موضوعًا للإدارة بدل أن يكون صانعًا للتاريخ.
Views: 16







