
عبد العزيز الخطابي
إذا كان الخطر الذي يهدد الدولة يتمثل في انتقال السلطة من المؤسسات إلى الأنظمة الحسابية. والخطر الذي يهدد السياسة يتمثل في تفكك المجال العام وتحوله إلى فقاعات معلوماتية متصارعة. فإن الخطر الذي يهدد الإنسان نفسه أكثر عمقًا وتعقيدًا؟ لأنه يمس السؤال الذي رافق الفلسفة منذ بداياتها الأولى: ما الإنسان؟
لقد أمضت الإنسانية قرونًا طويلة وهي تحاول تحرير الفرد من كل أشكال الاختزال. فبعد أن كان الإنسان يُعرَّف بحسب نسبه أو قبيلته أو طبقته أو دينه. جاءت الفلسفات الحديثة لتؤكد أن الإنسان كائن حر يمتلك إرادة مستقلة وعقلًا قادرًا على الاختيار. ومن هنا نشأت مفاهيم المواطنة والحقوق والكرامة والمسؤولية القانونية. لم يكن الإنسان مجرد رقم داخل الجماعة. بل ذاتًا فريدة لا يمكن اختزالها في أي وصف مسبق.
غير أن العصر الخوارزمي يعيد طرح المسألة من جديد. ولكن بصورة أكثر خطورة. فبدل أن يُختزل الإنسان في عِرقه أو طبقته. أصبح يُختزل في بياناته. وبدل أن يُعرَّف من خلال أفعاله الفعلية. أصبح يُعرَّف من خلال احتمالات سلوكه المستقبلية. لم تعد الذات تُقرأ باعتبارها تجربة إنسانية معقدة مليئة بالتناقضات والاختيارات الحرة. بل باعتبارها نمطًا رياضيًا يمكن تحليله والتنبؤ به وتصنيفه داخل قواعد البيانات.
وهنا تظهر إحدى أعظم المفارقات في تاريخ الحضارة. فكلما توسعت المعرفة التقنية بالإنسان. تقلص الفهم الفلسفي له. إن الخوارزمية تعرف عن الفرد ما يشتريه، وما يقرأه، وما يشاهده، ومع من يتواصل. وفي أي ساعة يستيقظ وينام. لكنها لا تعرف معنى الأمل الذي يسكنه. ولا قلقه الوجودي ولا صراعه الأخلاقي. ولا الأحلام التي لم تتحقق بعد. إنها تعرف السلوك. لكنها لا تعرف المعنى؟ تعرف الأثر. لكنها لا تعرف الجوهر.
ولعل المأساة الحقيقية تبدأ عندما يقتنع المجتمع بأن هذه المعرفة الناقصة كافية للحكم على الإنسان. فعندما يصبح الملف الرقمي أكثر أهمية من الشخص نفسه. تتحول الحياة الإنسانية إلى سلسلة من المؤشرات القابلة للقياس. عندها لا يُنظر إلى المواطن بوصفه كائنًا يمتلك كرامة غير مشروطة. بل بوصفه حالة يمكن تقييمها ومنحها درجات الثقة أو الخطورة أو الاستحقاق.
ومن الناحية السياسية. يمثل هذا التحول أخطر أشكال السلطة التي عرفها التاريخ. فالأنظمة الاستبدادية القديمة كانت تحتاج إلى أجهزة أمنية وجيوش ومخبرين لمراقبة المجتمع. أما السلطة الخوارزمية فلا تحتاج إلى ذلك كله بالمعنى التقليدي. لأنها تجعل المواطن شفافًا أمامها بصورة شبه كاملة. إنها سلطة لا تنتظر الاعتراف. بل تستخرجه من البيانات. ولا تنتظر الاعتراف بالخطأ. بل تتنبأ بإمكانية وقوعه. ولا تراقب الأفعال فقط. بل تراقب الاتجاهات والميول والرغبات الكامنة.
إننا أمام ولادة مفهوم جديد للإنسان السياسي: ليس المواطن الذي يملك حقوقًا لأنه إنسان، بل المواطن الذي تُحدد مكانته وفق تقييمات رقمية مستمرة. وهنا يتحول المجتمع تدريجيًا إلى فضاء من التصنيفات الخفية. حيث تُوزَّع الفرص والثقة والامتيازات بناءً على معايير لا يراها معظم الناس ولا يفهمون آليات عملها. ويصبح الخطر الأكبر هو أن الظلم لم يعد يحتاج إلى قاضٍ متحيز أو حاكم مستبد؟ يكفي أن تكون الخوارزمية قد بنت استنتاجًا خاطئًا عنك. أو أن تكون البيانات التي تمثلك ناقصة أو منحازة.
ومن منظور فلسفي أعمق. فإن هذه اللحظة تمثل انقلابًا في معنى الحرية ذاته. فالحرية لم تكن يومًا مجرد قدرة على الاختيار بين بدائل جاهزة. بل كانت قدرة الإنسان على تجاوز التوقعات المفروضة عليه وصناعة ذاته بصورة غير متوقعة. الإنسان الحر هو ذلك الكائن القادر على مفاجأة العالم ومفاجأة نفسه. لكن النظام الخوارزمي يقوم في جوهره على افتراض أن المستقبل يمكن استنتاجه من الماضي. وأن الشخص غدًا لن يكون مختلفًا كثيرًا عما كان عليه بالأمس.
وبذلك يتحول الإنسان شيئًا فشيئًا من مشروع مفتوح على الإمكان إلى نموذج مغلق داخل الاحتمال. وتصبح الحرية نفسها موضوعًا للحساب والتوقع والإدارة. وما يبدو في ظاهره تقدمًا معرفيًا قد يكون في جوهره. تراجعًا وجوديًا؟ لأن الإنسان لا يفقد إنسانيته عندما ترتكب الآلة أخطاءً ضده فقط. بل يفقدها أيضًا عندما يُختزل بالكامل إلى ما تستطيع الآلة فهمه عنه.
إن الخطر الأعظم في العصر القادم ليس أن تصبح الآلات أكثر ذكاءً من البشر. بل أن يقتنع البشر بأنهم ليسوا أكثر من آلات معقدة. ففي تلك اللحظة لن تكون الخوارزمية قد احتلت العالم بالقوة. بل ستكون قد أعادت تعريف الإنسان نفسه. وحولت المواطن إلى ملف. والحرية إلى معادلة، والكرامة إلى قيمة إحصائية قابلة للقياس. وعندها لن نكون أمام أزمة تقنية عابرة، بل أمام أزمة حضارية تمس جوهر الإنسان ومعنى وجوده في التاريخ.
Views: 11






