“رواية عيطة بيضاوية، الجزء الأول، الفصل التاسع”، لشيخ العيطة الحسين السطاتي

جسر التواصل5 أغسطس 2022آخر تحديث :
“رواية عيطة بيضاوية، الجزء الأول، الفصل التاسع”، لشيخ العيطة الحسين السطاتي

شيخ العيطة الحسين السطاتي

 
الفصل التاسع
ومضى جزء طويل من الليل، والخيمة تفور بدخان السجائر ودخان الكيف والحشيش والشيشة، المختلط بأنفاس الحاضرين، ضباب ملبد تكتنفه ذرات سامة نيكوتينية..نشط الجميع وطربوا، وأكلوا وشربوا، فدارت كؤوس وثرثرت ألسنة كتومة، وفاضت الأحاديث، وامتلأ الجو بالضحكات والهمسات، ووميض الابتسامات، وإيماءات الغزل، والتقت الأعين والتهبت المشاعر…وكثيرون يكرعون الخمور في شراهة كأنهم جمال قضت أسبوعا كاملا دون ماء.. يشربون “الماحيا” و”الفودكا” و”البيرة” و”المغرابي” و”الروج”..ولا تأنف نفوسهم مشروبا..حسبهم أن يكون كحوليا وكفى! وتعاقبت الأنخاب ومع كل كأس، كانت الوجوه تزداد احتقانا وحمرة، وكبة الحديث تنفك بسلاسة وحيوية أكبر..
كان الليل حالكا ضبابيا والمصابيح القليلة الشحيحة النور تضيء المكان بأشعتها الشاحبة، ومن باب الخيمة يتقدم وزير العريس “أحمد ولد الغالمي” في جلبابه الأبيض معمم بعمامة صفراء، أسمر البشرة عينان سوداوان مكحلتان دابغا فمه بالسواك.. يتبعه “الجيلالي البحلوكَي العطار والبراح”، صاحب دكان للبقالة والعطارة بالدوار، يحمل صينية بها قالب سكر، رجل طويل القامة، قوي البنية، في الخمسين من العمر.. يرتدي جلبابا مخطط بالأبيض والأسود، وتحته سروال أسود، يضع على رأسه طاقية صفراء يسويها بين الحين والآخر وينتعل بلغة صفراء فاقع لونها…وكان لا ينفك ضاحكا لغير سبب، لا يكلمه أحد إلا وأضحكه، وإن أمعن الفرد النظر إليه، لا يمكنه أن يتخيل أن هذا الرجل الخشن الملامح يكسب رزقه من الدعابة والسخرية، وأنه يجري وراء هذا الوجه القمحي الخشن سيل من أجمل النكات والدعابات..ومن آياته بالدوار أيضا أنه يحاكي بمهارة فائقة أصوات الكلاب والقطط والبقر والحمير.. إنها فترة “الحنة” أو ما يسمى ب”الغرامة”، وهي فترة جمع مساهمات المدعوين كهدايا لصاحب العرس، إكراميات تمنح لصاحب الحفل، كل شخص يقدم مبلغا ماليا حسب استطاعته وجوده، منحة منهم للعريس على هذه الليلة المشهودة والمؤرخة بتاريخ القبيلة، ينغز “المعيطي ساركوزي” رفيقه “عباس البالة” هامسا:
-” صبحنا على الله، هاهما جايبين صينية الحنة، ونوض يا عباس تخلص ما كليتي، ها وقت الغرامة وصل، هي بقات في الشطيح والرديح”..
يشعل “عباس” سيجارة يمجها أنفاسا متلاحقة، ويزفر زفيرا مصحوبا بتنهيدة طويلة وهو يقول:
– أنا راني تهليت في الشيخات، ورزقي خسرتو عليهم في هذ الليلة، وما بقى عندي ما نعطيهم، راهم نفضوني، شوف أنت اللي ما علقتي للشيخات حتى درهم”.

يقف الجيلالي البحلوكَي “البراح”، وسط الخيمة، واضعا أمامه الصينية، يمسك بالميكروفون، ويقول بصوت عال مناديا:
-“واهلو ..واعشرانو، واحبابو وبني عمو، وبانو على عريسكم مولاي السلطان…يا بسم الله، ويا من جانا يجيه الخير”.
أخذ بعض الشيوخ والشباب يتنافسون في مد البراح على التوالي بمبالغ مالية، هدايا للعريس، وكلما أمسك البراح من أحدهم مبلغا ماليا كان يمدحه ويثني عليه في قالب فكاهي، يقذف بنكاته وقفشاته ذات اليمين وذات الشمال عفو الخاطر في رقة خلابة وبديهة حاضرة، غير مبق على إنسان في الخيمة، والجمع من حوله يضحك ويقهقه ويسعل، ما ينفك الناظر في عينيه في خوف من أن يقذفه بنكتة أو دعابة أو دعاء أو ملاحظة لاذعة..ويمضي في التعليق على آراء، وإكراميات وهدايا الحضور بما تخترعه نفسه الذكية من الصور الساخرة والنوادر الأخاذة، فتبعث تعليقاته وراءه موجات من الضحك والقهقهة..وتارة يلقي بنكتة أو مستملحة مستحدثة في لحظة تجلي، وقد يقلد رقص شيخة خالقا بذلك جو من الكوميديا والمسرح الحي. وكان “البحلوكَي” يحول فضاء العرس الذي يحضره إلى مسرح يشخص فيه أدوارا عديدة، ينتقل خلالها بين ضفاف الهزل والرقص والغناء، فهو الرجل الذي يسعدون بحضوره في تجمعاتهم..زاده في ذلك بسمات عذبة، ونكات مضحكة، وخفة روح نادرة ومستملحات كثيرة.. وختم عروضه في هذه الليلة بمشهد يقلد فيه بعض الأشخاص المعروفين بالمنطقة، ولم يكن يضارعه أحد في هذا المشهد، كانت ملامحه تتغير فجأة وفي بعض العبارات يقلد الشخصية التي يقدمها تقليدا تاما سواء في الكلمات أو الحركات أو الصوت، والناس حوله تضحك، ومنهم من يمسح دموعه..وكانت الأموال تسلم إليه كمساهمة من الحضور للعريس.. وإنهم لكذلك إذا بصوت “الحاج عبد الله الفكاك” يصدح صارخا في وسط هذه الضوضاء يقول:
– والله يخلف يا الجماعة.. والله يجعل البركة.. الله يبارك فيكم والله يخلف عليكم..
والتفت إلى الشيخ الكمنجي “العربي الخيراني” داعيا اياه باستئناف موسيقى العيطة:
– “ونعل الشيطان يا الشيخ، وتلقونا للفراجة”.
وتنفس “البحلوكَي” بعمق تنهد ثم أطلق زغرودة طويلة.
واسترجع أنفاسه وهو يقول في مرح:
– “في خاطر الزغرادات اللي يكَعدو الميل.”

 

وتتعالى زغاريد النسوة بمختلف الرنات، منها القصيرة والطويلة، والصافية المولولة الرنانة، والمبحوحة المقجوجة، وينقلب “الجيلالي البحلوكَي”، من دور المنشط الفكاهي “البراح”، إلى مغني ويبدأ في أغنيته المفضلة والمعروف بأدائها، في الأعراس ومجموعة عبيدات الرمى تشاركه الغناء بإيقاع خفيف والتي يقول مطلعها:
يا العطار هاه يا العطار يا العطيطير……ويرد عليه أفراد المجموعة بهده اللازمة
يا العطار هاه يا العطار جا للدوار
يا العطار هاه يا العطار جا يدي لخبار
يا العطار هاه تجمعو عليه بنات الدوار
وتنتهي وصلة العطار الغنائية، ويختم “البحلوكَي” بالدعاء الصالح لأهل العرس، وتستعد المجموعة المنشطة لاستئناف عملها، لكن فجأة وقع ما سيكدر هذا الجو، المشحون بالفرجة والمسرح الحي ومتع اللذة، قدم المدعو “حميد الروبيو” المكنى بـ “ولد زعطوط” رفقة صديقه “النفاتي ولد المْهَوِس” مخموران يتقدمان من الخيمة، وهما في حالة سكر طافحة، يصران على الدخول إلى الحفل، كان معروفا عن “الروبيو” أنه شخصا فحاشا عدوانيا، وكان يفرض وجوده بقوة عضلاته، وأمام تعنتهما وإصرارهما على اقتحام الخيمة مع كيل السب والشتم لأصحاب العرس، فلم يجد بعض شباب من أهل العريس من تبادل السب والشتم معهما ومحاولة ضربهما وأهانتهما وطردهما بعيدا عن الحفل.
بدا أن الأمر قد انتهى عند هذا الحد، بعدما غادر الشخصان غير المرغوب فيهما، المتطفلان على الحفل، واستأنفت مجموعة الشيخات نشاطها، وهبت ريح موسيقى العيطة من جديد، وفي خضم ذلك الجو المشحون بالفرجة، والممزوج برائحة الخمور وعطر النساء وتفصد الأجسام، المنسم بدخان السجائر والمخدرات، والمنقع بدخان البارود، كان الحضور يعيش نشوة العيطة التي تصدح بها حناجر الشيخات، غير أنه وبعد مرور نصف ساعة، سيفاجأ الضيوف وأهل العروسين بثلة من المدمنين، أعمت المخدرات والمسكرات قلوبهم قبل عيونهم، وكانت أمارات الهياج تلوح عليهم، وقد أعمى السكر والتخدير أبصارهم وبصائرهم..وعن سبق بربرية وتوحش، اقتحموا الخيمة.. حشد يتكون من “حميد الروبيو ولد زعطوط” وعصابته المتكونة مما يزيد على ستة أشخاص آخرين، إذ يظهر أن الوقت الذي قضاه الروبيو وعصابته يخططون لاقتحام خيمة العرس، رافقه شرب بعض قنينات الخمر والماحيا وتدخين لفافات الحشيش وحبوب الهلوسة، فكانوا في تلك اللحظة في حالة من السكر والتخدير والنشوة، زينت لهم النجاح في مهمتهم الاجرامية..جانحين معروفين بألقابهم وأسمائهم، نبرات أصواتهم الفجة…تدل على حداثة سنهم، ومحدودية الأفق والتفكير، كلهم ذو سحن مخيفة تلقي الرعب في الناظر إليها، وجوههم بأشداق كأنها أشداق الذئاب الجائعة، وعيون تتوهج كأنها الجمر، وهم يهاجمون الخيمة مدججين بالسيوف والسكاكين والهراوات، مكونين عصابة إجرامية قاسمهم المشترك عيون ذابلة وأجساد في أوج الصحة واللياقة، لكن إدمان المخدرات بمختلف أنواعها، ومسكر ماء الحياة “الماحيا”جعلها مهدودة، بعدما أن غشي العقول مفعولها، وجعلها غير قادرة على التمييز.
أمسك الموسيقيون والمغنون عن نشاطهم وفزع القوم، وانقلب العرس في لحظة رأسا على عقب، عمت الفوضى والرعب وساد الذعر بين الحاضرين، اضطر معها البعض إلى التشتت في ضواحي الحفل، فعمد المجرمون إلى تحطيم المصابيح بالخيمة، وانقلب الفرح قرحا، والنور ظلاما، وركب الخوف النفوس، وهم يتخبطون في الظلام لا يدرون أين تقع أرجلهم..وتسللت النساء إلى داخل المنزل، توقفت الزغاريد لتحل محلها الصراخ والعويل والندبة مصحوبة بنباح الكلاب ونهيق الحمير، وصهيل الخيل، وصراخ الأطفال.. يزداد اللغط والصياح من كل جانب، يغيب الوضوح وتسيطر العتمة، اختلط الحابل بالنابل، والضارب بالمظروب، وامتزج النباح بالنواح، نشبت معركة بين أصحاب العرس وعصابة الروبيو، استعملت فيها أسلحة بيضاء مختلفة أشكالها وأحجامها، “عصي، سيوف، سكاكين، هراوات وحجارة”..تكسرت الزجاجات فوق الرؤوس، وتطايرت الكؤوس، وتكسرت طاولات، وتحولت الفرحة إلى كمد..وكان “الروبيو” يتمتع بسلطة مطلقة على عصابته الشيطانية، إذ أنه يطاع بمجرد الكلمة أو الإشارة البسيطة، بسرعة ودقة تظهران أفراد العصابة بمظهر المتمرسين بمظهر الطاعة العسكرية، وكانوا بسبعتهم محشورين في الخيمة، يضايق بعضهم البعض أكثر مما يتعاونون وهم غير شاعرين بذلك، وكان هم ” الروبيو ولد زعطوط” هو الظفر بالشيخة “مليكة” أجمل الشيخات وأصغرهن..وانطلقت اللعنات هادرة صاخبة، وسيل من الشتائم..تتعالى الأصوات؛ أصوات تستنجد، وأصوات تنادي بالثأر وأخرى تحاول تهدئة الوضع..بينما كان كبار السن يداسون في حمى الجلبة، يصدرون صراخا يثير الشفقة ولو ماتوا لتم عدهم في عداد شهداء العيطة ..

حل الحزن محل الفرح، والخوف محل الأمان، والعتمة محل النور، ووسط هذه الجلبة كانت النسوة يتصايحن ويندبن ويولولن، وقد انقلبت زغاريد العرس إلى نواح وندبة..جرح من جرح، وهرب من هرب، وفاز من فاز..وقد شهد الحفل لحظات دامية لم يسلم منها أفراد المجموعة المنشطة، سُمعت الصيحات ترتفع والأنين يتعالى، ولعلع صياح وصراخ، وشهد المكان تدافع ووقع أقدام ثقيلة وركض، ولعنات وشتائم…انقلب التمتع والتبرع عند البعض تفجعا وتوجعا، وبعد ما يقارب ربع ساعة من وطيس المعركة الحامية سمعت جلبة هروبهم تتردد بالدوار، وقد فر “حميد الروبيو ولد زعطوط” رفقة أفراد عصابته بعد نيلهم لمرادهم، وذلك باختطافهم للشيخة “مليكة الوادزامية” جميلة الشيخات وقادوها إلى منطقة “الجنانات” على الثل، تاهوا هاربين بها في مغبات الظلام الدامس في الأدغال بالقرب من منبع العين المائية، “عين قيشر” المعروفة بكثافة أشجار التين والزيتون والرمان واللوز والقصب…

Views: 16

الاخبار العاجلة