شيخ العيطة الحسين السطاتي

ظهر فن الموسيقى والغناء بين البشر منذ عصور قديمة، والغناء فن إنساني مشترك بين الشعوب، فحضارة الشعوب ورقيها تُعرَفُ برُقي موسيقاها، والمغرب بلد فني كسائر بلدان العالم، يَعرِف تنوعا هائلا في الموسيقى التي تختلف في سياقاتها التاريخية والجغرافية وطبيعة نشأتها والظروف التي ساعدت على وجودها وساهمت في بلورتها، كما يتميز الفن الموسيقي والغنائي بالمغرب عموما بالتنوع في الأشكال والمضامين، سواء منها الأغنية التقليدية أو العصرية، وذلك بتعدد إيقاعاتها ومقاماتها وألحانها، بما في ذلك الأشكال الغنائية العصرية التي تنشد التجديد والتحديث، والأغاني التقليدية الأصيلة المرتبطة بالتراث وبموروث الأسلاف، ومن بين الموسيقى التراثية المغربية نجد فن “العيطة”.
ويعد هذا اللون الموسيقي الغنائي من أعرق فنوننا الغنائية الشعبية، غناء البدو.. فن رعوي أصيل متجذر في التراث الشعبي المغربي، ولاشك أن المرحلة الفنية الغنائية التي نحياها اليوم هي نقطة الانعطاف بين أمس الفن الغنائي المغربي وغده، والجيل الذي يعيش على مفترقات الطرق بين الماضي والمستقبل هو جيل سعيد سعادة حية عميقة، فهو يعيش مخاضا روحيا حقيقيا، فيه ينفصل عن ماض فني بعيد ويحن إلى ماض قريب جديد، مازال يحمل أوزاره ليتجه إلى مستقبل خصيب يتشوق إليه ويلمحه في الأفق دون أن يقبض عليه..
إن فن العيطة هو فن شعبي تقليدي شفوي وصلنا عبر التواتر والتناقل الشفهي من جيل لجيل، حيث لم يكن هناك توثيق للمتون وللموسيقى العيطية، فظل الشاعر والفنان العيطي الأول مجهول الاسم،..وقد عرف هذا الفن تطورا مستمرا تدرجيا وتدريجيا عبر سنين، فتلك الموسيقى التي كانت تُعزف بآلات تقليدية بدائية قليلة، صارت اليوم تُعزف بأحدث الآلات العصرية الحديثة، بما فيها الألات الموسيقية الكهربائية والالكترونية والرقمية..كما أن الأغاني العيطية التي كانت تؤدى من طرف فنانين رعاة وحرفيين أميين من طبقات فقيرة.. صارت اليوم تؤدى من طرف فنانين بمستويات دراسية وثقافية عالية ومن مختلف الطبقات الاجتماعية.. واكتسحت ألحان وإيقاعات وأبيات بعض نصوص هذا الفن التقليدي، مجال الأغنية العصرية، بل أحيانا تبدو لنا الأغنية العصرية صارت بإيقاع شعبي راقص، فيا ترى كيف تسنى للأغنية العيطية أن تقتحم فضاء الأغنية العصرية النخبوية؟ وكيف ساهمت الأغنية التراثية العيطة في الارتقاء بالذوق المغربي؟ وإلى أي حد استطاع الفن الغنائي العصري المغربي أن يعرف بالأغنية العيطية؟ وهل العيطة بصيغتها التراثية التقليدية مازالت قادرة على الاستجابة للذوق المحلي وإرضاء طلب المتلقي أمام الكم الهائل من الأشكال الغنائية الأخرى بما فيها الأجنبية التي تتسرب إلى المجتمع؟ وكيف يمكن تشبيب وتجديد هذا الفن الغنائي التراثي لصونه وحفظه من الضياع؟
إن كلمة “التقليدية” في قاموس المعجم الوسيط للغة العربية: هي اسم مؤنث منسوب إلى تقليد، وتقليديا بموجب التقليد يعني جريا على العادة، ونقول رجل تقليدي يعني متمسك بالقديم، ومُقلِد غيره، متبع له تتبعا أعمى ومقتف أثره، وتقليد أي نقله الخلف من السلف وهو ما يتوارثه الإنسان من عادات وعقائد وممارسات، وأساليب، وسلوك.. والتقليدية هي نزعة ترمي إلى الاستمساك بالماضي ومعارضة للتطور والتجديد..في المقابل نجد أن كلمة “العصرية”؛ هي اسم مؤنث منسوب إلى العصر، ونقول رجل عصري بمعنى رجل يعيش حسب تطور زمنه بمفاهيم عصرية، وبأفكار حديثة.. ونقول عصَر الأغنية بمعنى جددها وحدثها..
إن الوسط الفني الغنائي المغربي اليوم يغرق في بحر من التيارات الفنية الموسيقية والغنائية المختلفة ألوانها وأنواعها، ويواجه الهجوم الكاسح لموجة الموسيقى الحديثة المتأثرة بالموسيقى الدخيلة المستوردة ذات المنشأ الخارجي.. وانتشار تلك الألوان الموسيقية الغنائية التي تطل علينا من الفضائيات، وشاشات التلفزيون، ومواقع التواصل الاجتماعي، وعلى تطبيقات التراسل الفوري.. وما تحفل به قنوات الأغاني التي انتشرت بشكل مروع لتختزل كل تاريخ الغناء العربي عامة والمغربي خاصة، قديمه وجديده، بما فيه التقليدي والعصري، في نمط غنائي شبه واحد..أغنيات الفيديو كليب، والتيك توك..مدتها من دقيقتان إلى خمسة دقائق.. تكتيك يشبه الأكلات الخفيفة السريعة الاستهلاكية، التي لا قيمة غذائية حقيقية فيها، لكنها تحتوي على مشتهيات مغرية وتوابل تُسيل اللعاب..غناء، ورقص وعري، ولقاء، وفراق، وحب، وأحيانا إيحاءات جنسية خادشة للحياء. مختزلين بذلك كل أصناف النشاط الفني الغنائي الإنساني في نمط إخراج وإشهار يحلق بالمتلقي إلى شواطئ الإبهار، في جو إيقاع راقص وسريع لاهث..وفن العيطة بدوره ليس بمنأى بعيد عن هذا المس الجنوني. ولابد له أن يساير الركب الحضاري والتطور التكنولوجي وإلا سوف يقبر ويندثر.
لقد كانت الأغنية العيطية فيما مضى تؤدى وتعزف بآلات تقليدية بدائية ومحلية، وتغنى بأصوات نقية صافية لا تحتاج إلى مكبرات الصوت، ولا إلى مُعدِلات أو مؤثرات إلكترونية.. آلات بسيطة تصنع من طين وخشب وجلد؛ وتار وكمنجة من خشب، بنادير وطبول ودفوف من خشب مجلد بجلود الأنعام، وطعريجة ودربكة من طين تعلوها جلود، وشبابات من أعواد القصب وقرون أنعام..كل شيء كان طبيعيا لا تكلف فيه، وقد صدحت حناجر الأشياخ والشيخات بعيطات خلدت سنين طويلة بل قرون ومازالت رائجة إلى يومنا الحاضر، رغم البساطة الفنية في الإنتاج والنشر والتوزيع ..ولازالت شريحة كبيرة من الجمهور تطلب هذه البساطة في الأفراح والأعراس وفي سهراتها الخاصة..واليوم في عصر المكننة والرقمنة أُدخلت على الأصوات مُعدِلات ومؤثرات بل مغيرات الصوت، وأُقحِمت آلات موسيقية أجنبية وترية وإيقاعية، عصرية غربية هجينة ومنها الالكترونية، وأضيفت ألحان جديدة وكلمات مستحدثة، حيث أن الأغنية العيطية الواحدة التي كانت مدتها الزمنية تتطلب من نصف ساعة إلى ساعتين، قد تم عصرها وتقزيمها فصارت تؤدى في زمن قياسي قد لا يتعدى خمسة دقائق، وهذا ما تتطلبه الظرفية الحالية، لكن لم يدم صدى هذه الأعمال الفنية الجديدة سوى بضعة أشهر بل بضعة أسابيع وخمد ضوءها وانطفأ وهجها. عكس الأعمال العيطية الخالدة التي عمرت قرونا من الزمن ومازلنا نستمع إليها ونستمتع بها..
ومنذ سنين وفن العيطة منفتح على غيره من الألوان الموسيقية والغنائية الأخرى، سواء منها الوطنية أو الأجنبية، ونجد هناك فنانون أبدعوا في الأغنية العيطية وجددوا فيها بطريقة تستجيب لروح العصر وتواكبه، وخير مثال لنا في سيرة الفنانة الشيخة “الحاجة الحمداوية”، التي لعبت دورا مهما في تحديث فن “العيطة المرساوية”، وعصرته وهجنته وجعلته ينافس الغناء العصري، وهي التي استبدلت “رباعات الشيخات” التقليدية بآلاتهم البسيطة البدائية ” كمنجة، بندير، طعريجة، نواقس” ولباسهم التقليدي، “الجلباب، والقفطان، والتكشيطة، والطربوش والبلغة..”..وعوضتهم بالجوق العصري؛ بكامل عناصره وبأحدث آلاته؛ “الأورغ، الساكسفون، القانون، لباتري..”، وبلباسهم العصري..وصار الفنان الشيخ العيطي يقف أمام الجوقة في لباس عصري ويمسك بالميكروفون ليبدو كأنه مغني عصري قائد أوركسترا.. وبفضل هذا التغيير الايجابي تحسن أداء العيطة بما لا يقاس مع ما كان عليه في السابق، إذ نهضت من البداوة وتهجنت نحو التمدن، وأعادت هذه الفنانة المتألقة توزيع جمله الموسيقية وألحانه، وجددت إيقاعاته بانفتاحها على إيقاعات عصرية وأجنبية، وغيرت في الكلمات والألحان، وذلك في تناغم مع صوتها الرخيم الرائع حيث لقيت أغانيها ومقطوعاتها العيطية انتشارا واسعا يستهوي جميع الأذواق ويمس مختلف الطبقات الاجتماعية بعدما كان محدود الانتشار، ومازال يُغنى وسيظل كذلك، ومن بين روائعها الخالدة عيطة “منين أنا ومنين أنت” التي اقتبستها من “العيطة العبدية” الشهيرة “خربوشة”..وحولتها من الإيقاعات العيطية المركبة في الموسيقى والغناء إلى إيقاعات عصرية بسيطة في العزف والأداء، وآخر إبداعاتها تحديثها مؤخرا وهي في عقدها الثامن رائعتها الخالدة “خوتنا في الاسلام…هزو بنا لعلام”، التي جددتها في ثنائي رائع وموسيقى عصرية مستحدثة، مع الفنانة الشابة المغربية الأمريكية؛ “زينة عويطة” وأدتها رفقتها في تجاوب بين اللهجة المغربية واللغة الأنجليزية، في لوحة تمزج بين الشباب والشيخوخة، في عمل فني يثبت أن فن العيطة هو فن تواصل أجيال وليس صراع أجيل..كما سارت على نهجها في السابق مجموعة من الشيخات، منهن الفنانة “لطيفة أمال”، والشيخة “الحاجة حليمة”..ونجد كذلك الفنان الشعبي المتميز “مصطفى بوركَون” الذي أبدع في فن العيطة بطريقته الخاصة وأعطاها نمطا جديدا وخاصة في النمط المرساوي، إذ صح التعبير أن نسميها “عيطة بوركَونية”، فأحبها المغاربة وتداولوها فيما بينهم، وصارت تغنى العيطة على كبار المسارح العالمية، كما غناها هذا الفنان المبدع مع أوركسترا السيمفونية الهولندية في أرقى دور العروض الموسيقية العالمية..ونجد كذلك الفنان “عصام كمال”، الذي مزج بين الإيقاع الشعبي العيطي وإيقاعات غربية، واستحدث كلمات في كل من عيطة “ألباس”، وعيطة “ركوب الخيل”، من العيط المرساوي، هذه العيطة التي أدت موسيقاها الأوركسترا السمفونية الهولندية والأنجليزية وغيرهم..وعلى الصعيد الدولي نجد فرقة موسيقية نسائية فارسية من دولة إيران، تمزج موسيقاها بموسيقى العيطة الجبلية ،كما هو الشأن كذلك بالنسبة لفرقة موسيقية من الولايات المتحدة الأمريكية التي مزجت بين فن العيطة الجبلية بالغيطة والطبل، على الطريقة العيطية عند فرقة “جهجوكة” المعروفة بغناء تراث العيطة الجبلية، حيث مزجت هذه الفرقة الموسيقية العالمية الأمريكية إيقاعات وألحان العيطة الجبلية، بموسيقاها وإيقاعاتها الغربية بمختلف الآلات الموسيقية الحديثة، وفي توزيع موسيقي ممزوج جديد رائع راقي، فلقيت أغانيهم انتشارا واسعا، كما نجد أيضا مجموعة من الفنانين من المشرق العربي ودول الخليج تغنوا بأغاني من فن العيطة المغربية.. وكذلك هناك فنانون مغاربة عصريين كبار من أمثال ” فتح الله لمغاري، الحسين السلاوي، عبد الهادي بلخياط، عبد الوهاب الدكالي، نعمان لحلو، البشير عبدو، محمد الغاوي، نعيمة سميح، لطيفة رأفة..”، قد استعملوا إيقاعات وألحان العيطة، وأحيانا بعض أبيات من النص العيطي ضمن إبداعاتهم الموسيقية الغنائية، فلقيت انتشارا واسعا، هذا إضافة إلى ما صرنا نشاهده ونسمعه من جديد لفنانين عصريين وقتيين من أمثال: ” أسماء لمنور، حسناء زلاغ، سلمى رشيد، سعد لمجرد، يوسف كَلزيم، حاتم عمور…” حيث عملوا على إدخال براويل من العيطة المرساوية، والعيطة الغرباوية، والشيظمية ضمن أعمالهم الفنية الجديدة، فلقيت بذلك قبولا وإقبالا جماهيريا واسعا، وكانت نهضة عصرية حديثة عرفت بالتراث العيطي المغربي، وهذا خير دليل على أن تراث العيطة فنا أصيلا راعيا للإبداع وحاضرا في كل زمن، مساهما في جدلية التأثر والتأثير، كما يزكي هذا الانفتاح بأن اللهجة المغربية العامية ليست عائقا للانتشار، بل الانفتاح الايجابي في الموسيقى والنص العيطي هما السبب في نجاح العمل الفني الغنائي..وبهذا التلاقح والتزاوج الفني استطاعت الأغنية العيطية أن تنهض وتستمر، ويتوهج بريقها من جديد، وذلك بفضل الحداثة المدروسة والعصرنة الواعية من فنانين مبدعين عصريين مسايرين للركب الحضاري والتقدم التكنولوجي، حيث استطاعت هذه الأسماء الفنية أن تثبت حضورها في المحافل الدولية، وتعرف بنفسها وتسوق للفن المغربي التراثي على أحسن وجه..
وحقيقة يبدو أن كافة المختصين والباحثين في التراث يتفقون على أن صون التراث الفني العيطي لن يتحقق إلا عن طريق جمعه، وحفظه، وتسجيله ثم تصنيفه وفهرسته وإتاحته للباحثين وللجماهير على حد سواء، وهذا ما نتمناه وحلم نسعى إلى تحقيقه على أرض الواقع رغم أنه صعب المنال في الحاضر لكن ليس بالمستحيل في المستقبل.. وبصفتي فنان شعبي شيخ للعيطة ممارس في الميدان، أعرف أن القصيدة العيطية هي قصيدة زجلية ملحنة مجهولة المؤلف، كانت تشيع بين الأميين في الأزمنة الماضية، وما تزال حية رائجة، وأتساءل كيف يتسنى لنا أن نجمع هذا التراث العيطي؟ إذ نجد هناك عشرات بل مئات من النصوص العيطية لعيطة واحدة معينة، أداها العديد من الأشياخ والشيخات..فلو أننا سجلنا بعضها فلن نستطيع تسجيلها جميعا. ولو أننا وثقنا نصا واحدا لعيطة ما، فإننا نكون بذلك قد اختزلنا عشرات النماذج، وحذفنا عشرات بل مئات الأبيات الزجلية إلى نص واحد في عيطة واحدة..بحكم أن فن العيطة هو فن تراثي شفوي وبما أن الأمر كذلك فهي مجهولة المؤلف وتتعرض عند انتقالها من شخص لآخر، ومن جيل لجيل للزيادة والنقصان، إذ يكيفها كل واحد حسب ميوله ورغباته.
وهذا التراث الفني الغنائي الراقص هو مصدر فخر واعتزاز وقوة بالنسبة لنا كمغاربة، وليس مصدر دونية واحتقار كما يذهب إلى ذلك البعض، ولكي نحافظ على هذا الفن التراثي علينا صونه والمحافظة على ما وصلنا من الأسلاف وما تبقى منه، والإضافة إليه بما يشرفنا لكي يرقى إلى ما هو أحسن، ينبغي علينا أن نتأثر بالفنون الجميلة والرائعة، وننفتح على كل ما هو ايجابي وراقي وجميل، ونترك السلبي والمبتذل من الموسيقى الأجنبية الهاجمة التي لا تتلاءم مع هويتنا المغربية، نعم هناك اختلاف في الأذواق لكن هناك حد أدنى للإبداع يمكن أن يكون مقبولا، ويحدث ذلك الإحساس الجميل الذي يمكن أن تتركه هذه الموسيقى وهذا الغناء من أثر في النفس، وذلك بأن يكون إبداعا جادا خلاقا يحمل رسالة ويؤسس لنجاح يمكن أن يدوم..فيمكن أن نبدع ونعبر عن العاطفة والحب وحتى عن النزوات بأسلوب فني مرموز يلقى صدا طيبا لدى المتلقي، لكن غير المقبول هو التفاخر بالكلام النابي الخادش للحياء بأسلوب متدني موغل في الرداءة..والرقص بطريقة سافرة وبإيحاءات موغلة في عمق الإباحية..كي نحصل علىى “لايكات” ومشاهدات بالملايين على مواقع التواصل الاجتماعي، ونحصد أرباحا مادية بالملايين.. لكن في المقابل نحصل على شهرة زائفة زائلة وفن رخيص مبتذل، لأنه لا يصح إلا الصحيح ولا يدوم إلا العمل الجاد المبني على أسس مثينة عميقة..ولأن رقي الفنان من رقي فنه ورقي الفن من رقي الفنان.. وللرفع من شأن هذا الفن ينبغي أن تكون لنا رؤية واضحة وخلفية فنية راقية، تقتضي طرح مجموعة من الأسئلة حول هذا التأثير والتأثر، تأثير الانفتاح على الهوية، والتأثر بالنماذج الغنائية المستوردة من الخارج والدخيلة على ثقافتنا، ولم لا ننشأ مكتبة مغربية وطنية، تُعنى بالتراث الموسيقي الغنائي المغربي بمختلف أنواعه، تضم نفائس من التسجيلات والتدوينات الموسيقية العيطية وغيرها من الفنون التراثية المغربية الجميلة، بحيث توثق هذه المعلمة الفنية والعلمية لهذا التراث الموسيقي، وتيسر للباحثين والدارسين سبل الانتفاع بها.
ورغم كل ما أصاب هذا الفن العيطي من جراح وتعطيل متعمد مقصود وتبخيس منذ سنين، فقد ظل صامدا وسيظل شامخا، ولا زال يحضا بالقبول وإشعاع واسع على الرغم مما حصل من تغيرات وتحولات اجتماعية وثقافية وسياسية، وما طرأ من تغيير وبالأخص في البادية المغربية الموطن الطبيعي لهذا الفن، ونأمل أن يستعيد هذا التراث تألقه وإشعاعه، ويعود لاحتلال مكانته تحت شمس المشهد الفني المغربي. نعم للتجديد الهادف الايجابي، نعم للعصرنة، نعم لانفتاح الأغنية العيطية على نظيرتها المغربية العصرية، وتطويرها دون إفراغها من حمولتها الثقافية ورسالتها ومحتواها الأصلي الحقيقي.. فالأغاني المنحطة لا تصنع هوية رغم التهافت المحموم عليها لفترة زمنية محددة، نريد تجديدا بدون تجريح، دون خدش للحياء، نريد فنا يحترم المتلقي، ليكون الهدف منه ساميا يهدف إلى نشر قيم الخير وزرع المحبة. والفنان المبدع الفاعل داخل حقل الإبداع عليه أن يكون نخبويا في تفكيره وأن يرقى عن كل ما هو متداول مبتذل فذلك هو الفنان المسئول المنتج الجاد الذي يحمل رسالة هادفة، ويترك فنا يمكن أن يستمر ويخلد بعده..
وختاما علينا أن نكون فخورين ونعتز بتراثنا الغنائي المغربي بكل أنواعه، وفن العيطة أحد فروعه إذ يشكل جزءا من هويتنا ومن تراثنا الفني الشفهي، وعلينا أن لا ننسى بأن “الشيخات” هن فنانات مغنيات شعبيات مغربيات من بنات جلدتنا، لهن حضورهن القوي في الساحة الفنية المغربية رغم تلك النظرة الدونية التي ينظر بها البعض إليهن، فهن لسن أجسادا مكتنزة، وخصورا مستديرة، وأذرعا مزررة بالحلي والحلل، أو عارضات لثياب نسائية تقليدية فحسب، بل إنهن صوت المهمشات المقهورات المنسيات، صوت لجغرافيا المغرب من شماله إلى جنوبه وغربه، صوت يتردد صداه في السهل والجبل والصحراء، صوت مغرب الأمس، صوت الاحتجاج ضد الظلم والقهر والبؤس والاستعباد والاضطهاد، صوت مغرب القواد والبشوات والأعيان.. لذا يجب أن نقف وقفة إجلال وأن نرفع التحية احتراما للأشياخ والشيخات صناع الفرجة الذين بفضلهم قام هذا الفن على امتداد مسيرة طويلة في مختلف مناطق المغرب ببواديه وحواضره، حيت صدحت حناجرهم بأصوات طربية في مناسبات وملتقيات مختلفة، أصوات أشياخ حملوا مشعل هذا الفن، وأصوات شيخات حافظات “طباعات” و”عياطات”، استمد بفضلهن وجوده الفني وكينونته، فرغم رحيل العديد من الأشياخ والشيخات، ومات العديد منهم منسيا مقصيا..وكبر سن آخرين، فإن الجيل الجديد ما يزال حاملا للمشعل منكبا على تراثه، لقد صار أشياخ العيطة بمستويات دراسية وثقافية عالية، منهم من يحمل شواهد عليا دكاترة “مهندسين، أطباء، متقاعدين..”، وفانين مثقفين ودارسين للموسيقى أكاديميا.. ولم تفلح الأغاني الهاجمة من الداخل والخارج في محو هذا الفن الأصيل، صحيح أن بعض الأشياخ والشيخات ماضيهم بائس وحاضرهم مبكي ومستقبلهم مبهم بلا أفق، هكذا كانوا ومازالوا، لكنهم دائما متواجدون، وحاضرون في الوجدان الشعبي للمجتمع المغربي.
























