المؤلف والملحن الموسيقي المغربي عز الدين أوحنين: تنوع الأنماط الفنية تعبير عن غنى موروثنا الثقافي كمجتمع متعدد الروافد

جسر التواصل23 أغسطس 2020آخر تحديث :
المؤلف والملحن الموسيقي المغربي عز الدين أوحنين: تنوع الأنماط الفنية تعبير عن غنى موروثنا الثقافي كمجتمع متعدد الروافد

الرباط ـ عن ”القدس العربي” :

الطاهر الطويل

الفنان الموسيقي عز الدين أوحنين الملقب بـ”ستيفي وندر ـ المغرب” ذو مسار حياتي وثقافي وفني يتسم بالتنوع والتعدد والانفتاح. تجسدت هذه الخصائص في البداية بحرصه على تعلم اللغة العربية ثم الفرنسية بعدما كان لسانه يلهج بالأمازيغية فقط وهو طفل يرتع ويلعب في مسقط رأسه مدينة سلا. وألهمته اللغات اكتساح مساحات مهمة في الثقافات والفنون المتنوعة، وتكريس مبادئ الحوار الثقافي والتسامح في أعماله الإبداعية، كما كتبت إحدى الصحف من قبل. يُضاف إلى ذلك، أن مشاركته في الأنشطة الثقافية المدرسية ساعدته على مواجهة الجمهور العريض، علاوة على انخراطه في المعهد الوطني للموسيقى والرقص، وكذا في “كورال” الرباط.

منحه القدر نعمة البصيرة، التي عوضته عن البصر؛ فتحقق له الإبداع والتفوق والتميز، وانفتحت له آفاق رحبة في التكوين الأكاديمي من خلال دراسة الفلسفة والعلوم الاجتماعية والنفسية في الجامعة، وأيضا تحقيق إنجازات فنية تجاوز صداها حدود المغرب؛ ذلك أنه مؤلف موسيقي للأفلام بتجارب دولية في كل من كوريا الجنوبية والنرويج والولايات المتحدة وفرنسا، إلى جانب اهتمامه بوضع ألحان لأصوات مغربية كالمطربة سعيدة املال والمطرب حسن الساحلي، كما تميزت تجربته بالاشتغال مع المخرج والممثل والمنتج سعيد الناصري في واحدة من حلقات سلسلة “أنا وخويا ومراتو” إضافة إلى مشاركات عربية في الشارقة سنة 1987 والمهرجان المغاربي للأغنية سنة 1991. وهو مؤسس مجموعة صوتية متخصصة في إعادة قراءة المنتج الغنائي المغربي بشكل جماعي، توجت هذه التجربة بمشاركتين في مهرجان الرباط الدولي (دورة 1998 ودورة 2000).

وفي عام 2004 حقق أوحنين حلمه عندما أصدر ألبومه “مسافات” بالتعاون مع المنتج والمغني وعازف الغيتار الأمريكي بيل لازويل، وذلك تجسيدا لفكرة الحوار الثقافي وللانسجام الفني بين الموسيقى المغربية والإيقاعات والتقنيات الغربية. ومؤخرا، وقع عليه الاختيار للمشاركة في التأليف الموسيقي لسلسلة تلفزيونية دولية جديدة في أوروبا. وبالمناسبة، التقته “القدس العربي” وسألته عن إحساسه إزاء هذا الاستحقاق الفني الجديد، فأجاب:

“”يمكن القول إن الاحساس الذي ينتابني يتميز بخاصيتين استثنائيتين، أولهما إحساس بالطمأنينة الفنية التي ما يزال الكثيرون يبعثون بها كرسائل، مفادها أن جانبا من العالم يعتمد الحيادية في اختياراته بعيدا عن أي اعتبار. وثانيهما إحساس شخصي وذاتي يحتفي بمسار مهني خاصة في زمن جائحة كورونا، حيث توقف الحركة المهنية عن الدوران؛ كما أن هذا الاختيار يأتي في ظروف صعبة، حيث شكل متنفسا ماديا آثاره بليغة جدا، لأن الجائحة عندي جائحتان: جائحة كورونا وجائحة أخرى قد يأتي وقت آخر لتناولها بالتفصيل. إن اختياري ضمن الفريق الذي تم تشكيله لوضع الموسيقى التصويرية لهذه السلسة الدولية هو ثمرة جهود مضنية وبحث مستمر أتى أكله في النهاية، وهو ما يحقق راحة نفسية تحفز على بذل مزيد من الجهد”.

الموسيقى والمجتمعات

عن موقع هذه التجربة ضمن مختلف محطات تجربته الفنية، يقول أوحنين: “بطبيعة الحال ليست هذه هي التجربة الأولى، لقد سبقتها تجارب في كوريا الجنوبية والنرويج والولايات المتحدة الأمريكية، وكلها تجارب كانت موفقة بفضل مجموعة من الأشخاص الذين يتمتعون بالحرفية والمهنية العالية في كيفية عرض الترشيحات إلى هذه المهام.

ومع ذلك، تظل هذه التجربة الأخيرة ذات طعم خاص أمام المنافسة الشرسة التي فرضتها جائحة كورونا. إن العمل على هذا المستوى يفرض عليك كممارس للموسيقى التصويرية والتعبيرية أن تكون ملما قدر الإمكان بالسيميائيات الثقافية للمجتمعات والأنماط الفلسفية والإنسانية لمختلف الإثنيات التي تصادفك داخل قصة أو سيناريو معين. بمعنى آخر، أن تمتلك الأدوات والآليات العلمية للتحليل الأنثروبولوجي كلما أقدمت على وضع موسيقى تصويرية لعمل يلامس قضايا مجتمع لا تنتمي إليه. إن الأمر لا يتعلق هنا بتقديم مادة فنية فقط بل يشكل فرصة للبحث في قضايا المجتمعات وأساليب عيشها خاصة الجوانب الفنية وهي قيمة مضافة في الشق المعرفي”.

أما بخصوص نظرته إلى الواقع الفني عموما في المغرب، فيرى أن “الفن يسير كما يسير كل شيء في المغرب، وبالتالي هو مرآة تعكس أوضاع المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.” ويضيف قائلا: “إن الرهان على المستقبل هو نقطة الضوء الوحيدة لتجاوز اعطاب المرحلة حيث الواقع الحالي للفن عموما والموسيقى خاصة في حقبة التأسيس ولم يبلغ بعد نطاق التجنيس. صحيح أن تنوع وتعدد الأنماط الفنية يعبر تماما عن غنى موروثنا الثقافي كمجتمع متعدد الروافد، وبنيته الثقافية تنهل من معين متعدد أفريقي أمازيغي عربي اندلسي إسلامي يهودي حساني وما إلى ذلك. ولكل هذا، وجب على صانع القرار الانتباه جيدا إلى أن الفن وسيلة من وسائل التوثيق التي يجب الاهتمام بها ضمن السياسات العمومية التي تستهدف بناء الإنسان”.

غياب العدالة الفنية

وسألت “القدس العربي” الفنان الموسيقي عز الدين أوحنين عمّا إذا كانت التجارب الشبابية الجديدة في المغرب تلقى التشجيع المطلوب من طرف الجهات المعنية؛ أيضا عما إذا كان ثمة تواصل وحوار ما بين مختلف الأجيال الموسيقية، فأجاب: “أمام ما نعيشه من فوضى تشريعية يصعب بشكل واضح تحديد الجهة المعنية التي عهد لها برعاية الفن. قد يقول قائل إن الجهة المعنية هي وزارة الثقافة، لكن واقع الحال يقول غير ذلك، فالوزارة لها فنانوها، وهو الواقع ذاته عند اللوبيات الاستشهارية الراعية لكبار المهرجانات، في غياب تام لعدالة فنية في إطار من المساواة وتكافؤ الفرص كما هو منصوص عليها دستوريا؛ لأن تحرير السوق لا يعني بأي حال من الأحوال جعل الباب مشرعا للاحتكار.

لقد كان على المشرّع أن يحدد عبر قوانين واضحة الجهات المعنية وإلزامها برعاية الفنون في إطار من التقاطع بين الإدارات والأجهزة المعنية كالجماعات المحلية ووزارة الثقافة ووزارة التربية الوطنية ووزارة السياحة والأقطاب الاستشهارية الراعية”.

أما عن التواصل بين الأجيال، فيقول: “هناك مبادرات محتشمة لا ترقى إلى مستوى الطموحات المنشودة. وفي هذا الصدد، سبق لي أن أسست مجموعة صوتية كانت مهمتها إعادة إنتاج الموروث الغنائي المغربي بشكل جماعي على طريقة الكورال، شاركت بها في عدة منتديات أهمها مهرجان الرباط الدولي في دورة1998 ودورة 2000 لكن التجربة توقفت في أفق إعادتها إلى الواجهة في مستقبل الأيام”.

وبخصوص موقع الإبداع الفني لذوي الاحتياجات الخاصة ضمن المسار الفني المغربي، يقول: “كنت أتمنى أن يكون الفن أداة فعالة في تحقيق الإدماج لهذه الفئة داخل المجتمع، لكونه البوابة المشتركة نحو تذويب الفوارق، لكن واقع الحال ليس كذلك.

إن السياسات العمومية لم تستطيع بعد الخروج من نفق الفئوية إلى الفضاء الكوني، وهذه سمة المجتمعات المتخلفة، حيث يتم الحديث عن إبداع الأشخاص في وضعية إعاقة كما يتم الحديث عن إبداع المرأة والحديث عن إبداع الشباب وهلم جرا. إن الإبداع إبداع، حالة كونية إنسانية يجب تقييمها من حيث وزنها الفني والابداعي، بعيدا عن منطق الفئوية؛ لكن المرتزقة والانتهازيين والوصوليين مازالوا يشكلون حجرة عثرة أمام إلغاء هذه الحواجز، كما يشكلون إحدى معيقات التنمية الاجتماعية والثقافية”.

وينبه عز الدين أوحنين إلى موضوع “السرقات الفنية والسطو على الحقوق في القرن الواحد والعشرين دون حسيب ولا رقيب”، وفق تعبيره. ويوضح أن احترام الملكية الفكرية أضحى من محددات المجتمعات المتحضرة. لذلك ـ يقول ـ “وجب على القطب العمومي السمعي البصري والقطب الخاص بنفس المجال الالتزام بحقوق المؤلفين والحقوق المجاورة حتى نجعل من الفن رافعة للتنمية وقطبا اقتصاديا منتجا وفعالا، بعيدا عن منطق الدعم الذي أصبح محاصرًا بآليات متخلفة كبطاقة الفنان على حساب الحِرفية والمهنية والكفاءة. لقد آن الأوان أن نتخلص من كل القطاعات القائمة على دعم الدولة ومنها الفن، لأن المنافسة لا يمكن أن تستقيم بمثل هذه الممارسات”.

Views: 14

الاخبار العاجلة