الكاتب والباحث طارق المعروفي يكتب في حديث الاثنين :حياة المتقاعد …. بين الوفاء و التهميش

جسر التواصل29 مارس 2026آخر تحديث :
الكاتب والباحث طارق المعروفي يكتب في حديث الاثنين :حياة المتقاعد …. بين الوفاء و التهميش

طارق المعروفي

بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء، يصل الإنسان إلى مرحلة التقاعد ، وهو يحمل في ذاكرته مسيرة مليئة بالتضحيات والجهود التي بذلها في خدمة الإدارة والوطن. كان يأمل أن تكون هذه المرحلة بداية للراحة والاستمتاع بثمار ما زرعه طيلة حياته، غير أن الواقع في كثير من الأحيان يأتي مخالفًا لهذه التطلعات.
يجد المتقاعد نفسه فجأة خارج دائرة الاهتمام، بعد أن كان عنصرًا فاعلًا في المجتمع. يتحول من شخص منتج إلى فرد يُنظر إليه أحيانًا كعبء، رغم أن خبرته وتجاربه تمثل ثروة لا تُقدّر بثمن. كما يزيد من معاناته اليومية ، الارتفاع المتسارع في تكاليف المعيشة، وتزايد المصاريف اليومية، خاصة تلك المرتبطة بالصحة والعلاج، في وقت تبقى فيه معاشاته جامدة لا تواكب هذه التغيرات.
كيف لإنسانٍ اعتاد أن يكون فاعلًا، حاضرًا، منتجًا، أن يتحمل فجأة قسوة الإقصاء؟ كيف له أن يواجه زمنًا تتسارع فيه الأسعار، وتثقل فيه الأعباء، بينما معاشه جامد لا يتحرك، كأن الزمن توقف عند لحظة خروجه من العمل؟ تتكاثر الأمراض كما تتكاثر الهموم، وتصبح الحياة معركة يومية صامتة، لا يسمع أنينها أحد.
هذا الوضع يدفع الكثير من المتقاعدين إلى المعاناة في صمت، دون أن يجدوا من يصغي إليهم أو يدافع عن حقوقهم. يشعر بعضهم وكأن دورهم في الحياة قد انتهى، وأن المجتمع قد طوى صفحتهم، متناسيًا ما قدموه من خدمات جليلة. وهو شعور قاسٍ، خاصة حين يقترن بالإهمال وقلة الاهتمام من الجهات المعنية.
ومع ذلك، لا تنطفئ كل الشموع. فهناك من المتقاعدين من يرفض الاستسلام، فيعيد
اكتشاف ذاته في أنشطة ثقافية واجتماعية ورياضية، حيث يصنع من تقاعده بداية جديدة، لا نهاية حزينة. هؤلاء يثبتون أن الحياة لا تقاس بالوظيفة، بل بالإرادة. لكن، في المقابل، هناك من تبتلعهم العزلة، وتطحنهم الرتابة، فيعيشون أيامًا متشابهة كأنها نسخ باهتة من بعضها، بلا طعم ولا معنى.
إن تحسين أوضاع المتقاعدين ليس ترفًا، بل هو واجب أخلاقي واجتماعي. فهم جزء أصيل من المجتمع، ومن حقهم أن يعيشوا بكرامة بعد سنوات العطاء. ويتطلب ذلك إعادة النظر في أنظمة التقاعد، وتحسين المعاشات، وتوفير خدمات صحية واجتماعية تليق بمكانتهم.
الأدهى من ذلك، أن البعض يتصرف وكأن المناصب دائمة، وكأن من هم في مواقع المسؤولية اليوم بمنأى عن هذا المصير. ينسون، أو يتناسون، أن عجلة الزمن لا تستثني أحدًا، وأن ما يُزرع اليوم سيُحصد غدًا، عدلًا كان أو إهمالًا.
إن المتقاعد ليس رقمًا يُسحب من سجل الوظيفة، ولا اسمًا يُمحى من لوائح العمل، بل هو حكاية عمر، وذاكرة وطن، وإنسان أفنى شبابه في خدمة غيره، ليجد نفسه في آخر الطريق وحيدًا، مهمشًا، كأنه لم يكن يومًا حجرًا من أساس هذا البناء الكبير.
إن إنصاف المتقاعد ليس منّة، بل حق. هو اعتراف متأخر بجميلٍ قديم، وواجب يفرض إعادة النظر في أوضاعهم المعيشية والصحية، حتى لا تتحول سنوات الراحة المنتظرة إلى زمن من القلق والانكسار.
و أخيرا لا يمكن اعتبار المتقاعد فائضًا بشريًا، ولا مرحلةً منتهية الصلاحية. فهو ذاكرة حية، وتجربة متراكمة، ورصيد من الالتزام لا يُقدّر بثمن. ومع ذلك، يُعامل في كثير من الأحيان كأنه انتهى… كأنه استُهلك حتى آخر قطرة، ثم تُرك لمصيره دون أدنى شعور بالمسؤولية.

Views: 48

الاخبار العاجلة