الحلقة التاسعة والعشرون من السلسلة الحوارية من السيرة الذاتية “عيطة ركوب الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي.

جريدة جسر التواصل: كيف تصف لنا ولقراء الجريدة روايتك “عيطة بيضاوية”؟
الحسين السطاتي: روايتي “عيطة بيضاوية”، هي مناداة واستنجاد لبطلها الفتى “الحسين السطاتي”، الذي أعطيته نفس اسمي الفني، وهي “عيطة صامتة “، هي صرخة احتجاج ضد الظلم والفساد والقهر، وتجاهل المرأة المغربية عموما والمرأة الريفية البدوية بصفة خاصة، منها المرأة الفنانة “الشيخة”، وروايتي هي صرخة المقهورين المظلومين في هذا الوطن، وهي تعري الفساد والظلم والزبونية والمحسوبية والعنصرية، ونفاق المجتمع الذكوري الأبوي، فهي عيطة فنان شعبي “شيخ للعيطة”، دفعته الظروف والأقدار أن يلج عالم الضابطة القضائية ويعمل دركيا في مستنقع محاربة الجريمة، ليجد الفساد بكل أنواعه ينخر المؤسسات العمومية، والجشع والطمع وانعدام الضمير المهني، وانعدام الوازع الديني في كل مكان وبكل مدينة أو قرية يحل ويعمل بها، ليعود هذا الدركي الضابط إلى أصله إلى فن العيطة “حرفة تشياخيت” التي وجد فيها الحب والسلام والأمن والأمان.
جريدة جسر التواصل: كيف جاءت فكرة كتابة روايتك “عيطة بيضاوية”؟
الحسين السطاتي: قضيت مدة اثنان وعشرون سنة في سلك الدرك الملكي ، وعملت ميدانيا في حقل الضابطة القضائية، في محاربة الجريمة، وأنا حائز على شواهد وديبلومات، منها :ضابط للشرطة القضائية، وضابط للشرطة العسكرية، وضابط مكلف بالأحداث، وضابط الشرطة التقنية العلمية، وتقني التشخيص الجنائي الإجرامي، وضابط الشرطة الإدارية، وضابط الأبحاث المركزي، وحائز على الشهادة العليا الإعدادية للدرك الملكي، وبحثت في جرائم متنوعة ومتعددة، جرائم مختلفة كالقتل والاغتصاب والاختطاف وعصابات المخدرات وجرائم الإرهاب، وجرائم التهريب الدولي للمخدرات والتهريب الدولي للإبل والسجائر عبر الحدود المغربية الجزائرية، بل كنت متهما في بعض الجرائم، فأردت أن أوظف خبرتي الميدانية وموهبتي في الكتابة، وأنقلها في كتب عن طريق السرد، كما رغبت أن أتقاسم مع القارئ ما يعانيه ضابط الشرطة القضائية، الذي يتقلب بين نارين، بين سلطة الرئيس المستبد الخائن الفاسد وتهديدات المجرمين، وكذلك هي كشف لحياة الفنانين الشعبيين “أشياخ وشيخات” فن العيطة، أردت أن يعيش معي القارئ أحداثا مشوقة عشتها وأخرى عايشتها.

جريدة جسر التواصل:بصفتك كاتب قاص وروائي وشاعر زجال ومسرحي، ما أهمية حضور الكاتب لمعارض الكتاب والمشاركة بفعالياتها الثقافية؟
الحسين السطاتي: حضور الكاتب مهم جدا في مثل هذه الفعاليات، التي تقام على مدار السنة في المدن المركزية وبعض المدن الهامشية، فهي محطة جميلة لالتقاء الكاتب بجمهور القراء ومشاهدة انعكاس ردودهم مباشرة، وكذلك الالتقاء بالكتاب الآخرين والزملاء وتبادل الخبرات والآراء معهم، والحضور لتوقيعات كتب، وحضور الجلسات الثقافية، والاطلاع على جديد الساحة الثقافية الأدبية، والجميل أن يعيش الانسان تلك الأجواء الرائعة في هذه الأعراس الثقافية.
جريدة جسر التواصل: الحسين السطاتي فنان شعبي “شيخ للعيطة” وكاتب، بماذا تنصح في شأن القراءة والكتابة؟
الحسين السطاتي: أنصح بتشجيع وتحفيز النشء على القراءة والمطالعة، وتوفير خزانات ومكتبات عمومية في الحواضر بمختلف ربوع المملكة، وحتى بالقرى، وانجاز برامج تحفيزية في هذا المضمار وتجويد صورة الكتاب في مخيالهم حتى يقبل الشباب على القراءة من منطلق اختياري وبمبادرات فردية وجماعية، هكذا سنقرأ لجيل مثقف وذي فكر عميق، بعيدا عن ثقافة استهلاك المعلومة الجاهزة التي تقدمها الشبكة الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، التي أعتقد أنها تزود الناشئين بثقافة سطحية وقتية.
سؤال: هل تحب قراءة الكتب الورقية أم الالكترونية ؟
الحسين السطاتي: أنا محظوظ لأنني من الأجيال التي استفادت من الاثنين، الكتاب الورقي والالكتروني الرقمي، وأرتاح للقراءة في الكتب الورقية، أحب رائحة القرطاس، وأتلذذ وأنا أقلب الصفحات والكتاب بين يدي حتى أنتهي منه، كما أقرأ أيضا الكتب الالكترونية عندما أعجز عن إيجاد الورقية أو حينما أعجز عن شرائها.
جريدة جسر التواصل: هل يخضع الحسين السطاتي لإغراء الكتاب المشهور، فتقبل على شرائه وقراءته؟
الحسين السطاتي: فعلا لقد حصلت معي عدة مرات، ووقعت في فخ شراء كتاب ذاع صيته، فتبين لي بعد قراءته أن المضمون لا يتناسب مع كل تلك الضجة الإعلامية والدعاية التي رافقته.
جريدة جسر التواصل: في خضم مسؤوليتكم على مشروع للحلاقة، وقيادة فرقة موسيقية غنائية “رباعة الشيخات”، متى تجدون الوقت للقراءة والتأليف؟
الحسين السطاتي: لقد تربيت منذ الصغر على القراءة والكتابة ونشأت على ذلك منذ مستوى دراستي الإعدادية، فالتعلق بها قد ترعرع معي، فلا يمكنني أن أقضي يوما بلا قراءة ولا كتابة إلا إذا دعت الضرورة لذلك، فلابد أن أجد فسحة للقراءة في كتاب، أو كتابة فكرة أو أغنية، أومقال أبته خواطري حول حدث من الأحداث أو قضية من القضايا التي تشغل بالي، أو حول حادثة تكون حديث الساعة بين الناس، إذ لابد لي من تخصيص وقت ولو يسير للقراءة والكتابة ولو كان في فترات العمل، أو عندما أكون في سفر أو قبل أن أخلد للنوم والراحة، أو حتى لما أكون “شيخ للعيطة” في سفر إلى سهرة فنية بمهرجان أو عرس، فمن شب عن شيء شاب عنه.
جريدة جسر التواصل: الفنان الحسين السطاتي كاتب قاص وروائي وشاعر زجال، وهو نفسه الفنان الموسيقي المغني “شيخ العيطة”، فأين يجد الحسين السطاتي نفسه أكثر؟
الحسين السطاتي: لذي عدة هوايات أرتاح في ممارستها، منها الرياضة، والقراءة والكتابة والموسيقى “العيطة”، والصيد البري “القنص”، وركوب الخيل، لكن كل واحدة من هذه الهوايات أمارسها حسب المستطاع من الوقت ومن المال، لأن هناك هوايات مكلفة ماديا وجسديا وموسمية كالصيد البري وركوب الخيل، لكن الأهم عندي حاليا هو أنني أتفرغ بكل طاقتي وجوارحي إلى القراءة والكتابة، وبين الفينة والأخرى أمسك بآلتي الموسيقية “الكمنجة”وأتمرن، أو ألتقي بزملائي الموسيقيين في مقهى ونتدرب شفويا حيث نناقش موضوع العمل الفني، وعندما تكون لي فرصة عمل فني كإحياء سهرة أو عرس أو مهرجان، أتفرغ كليا للموسيقى، وكلما سنحت لي الفرصة أقرأ، أحب موسيقى العيطة منذ طفولتي إذ يمكن القول أن العيطة في جيناتي، أجد فيها راحة نفسي ومتعة فكري وهناء بالي، كما يجدها الآخرون في الرسم والنحت وكرة القدم والتمثيل وغير ذلك، أجد متعتي وذاتي وراحتي في عالم العيطة “حرفة تشياخيت”.
جريدة جسر التواصل: الصيف المغربي معروف بالمهرجانات الثقافية والفنية الغنائية التي تستدعي الفنانين، أين الحسين السطاتي من المشاركة في هذه المهرجانات؟ ؟
الحسين السطاتي: أنا فنان شعبي “شيخ للعيطة” موسيقي عازف كمان “كومنجي” ومغني لفرقة موسيقية “رباعة الشيخات”، أزاول فن العيطة وهو فن تراثي مغربي أصيل يجمع الموسيقى والزجل والغناء والرقص، والمتن العيطي داخل القصيدة يتضمن القصة القصيرة جدا والقصة القصيرة والقصة والرواية والخرافة والأسطورة. لهذا فأنا أشارك في المهرجانات الموسيقية الغنائية والمهرجانات الأدبية ومهرجانات مواسم التبوريدة، أحيانا تكون مشاركتي مكثفة وأحيانا تكون قليلة، أشارك في مهرجانات الشواطئ، ومهرجانات التراث اللامادي، ومهرجانات الخاصة بالصناعة التقليدية، كما أحيي الحفلات والأعراس.
جريدة جسر التواصل: يقال أن وراء كل رجل عظيم امرأة أو بمعنى أخر كل عظيم لا يمكنه أن يكون عظيما إلا لأن ثمة امرأة إلى جانبه وتقود خطاه، هل هذه المقولة تنطبق على الفنان الحسين السطاتي؟ وهل يمكن لك أن تحدثنا عن تلك المرأة التي وقفت بجانبكم خلال مسيرة حياتكم؟
الحسين السطاتي: أولا أنا لا أنتمي لصنف العظماء الذين تكلم عنهم صاحب القولة، لكن الله عظيم وعظمني وخلقني إنسان في أحسن تقويم وتلك هي عظمتي، وعندي نجاحاتي كما عندي اخفاقاتي، طبعا من ورائي ومن أمامي وإلى جانبي نساء، بداية من أروع امرأة أمي “المرشود السعدية” رحمها الله وأسكنها فسيح جناته، وأخواتي الستة كل واحدة باسمها، ومعلماتي وأستاذاتي وشيخاتي..وزوجتي “كريمة نرجس” وبنتاي “بذرة وريحانة”،كل واحدة من هؤلاء النساء لعبت دورا محوريا في حياتي، والتي تعبث معي كثيرا بعد أمي، هي زوجتي لها جزيل الشكر وجازاها الله عني خير الجزاء، ضحت معي بالكثير ومازالت تضحي، رافقتني في السراء والضراء، تحملت عبأ السفر والتنقلات في المراكز الدركية بين القرى والمدن التي عملت بها كدركي ضابط للشرطة القضائية والعسكرية، وتحملت مشاق تربية الأبناء ..فعلا إنها امرأة مناضلة ومكافحة وعظيمة، لقد أعادت تربيتي وتكويني، وحتى لما عدت إلى فن “العيطة”، فهي تتحمل حماقاتي، صعب أن تعيش المرأة العادية مع زوج دركي ضابط للشرطة القضائية والعسكرية ينشط في مستنقع الضابطة القضائية، وصعب أن تعيش المرأة مع زوج فنان شعبي “شيخ الشيخات”، لقد ساعدتني مشكورة في كل خطوة أخطوها بالصبر والتنازل عن طلباتها كزوجة، مما كان يخفف علي من وطأة المسؤولية العائلية وتعبها، وتتيح لي الجو الملائم خلال الكتابة أو تحرير مقال أو تهيئ مؤلف، لم أسمعها تشتكي أو تلومني، كانت تعمل ومازالت تعمل بجهد وفي إيثار، وتنصرف صامدة صابرة حتى كبر الأبناء واشتغلوا، وتدفع معي عربة الحياة بكل عزم وإرادة، وتتركني في حالي وتنصرف إلى أشغالها في البيت وحتى خارجه إلى عملها فهي إضافة إلى شؤونها المنزلية تعمل حلاقة وخبيرة تجميل للنساء، وأحيانا تعمل معي في الأعراس لتنكَيف وتزيين العروسات، وتصرفاتها هاته، كانت من أكبر المساعدات التي قدمتها لي المرأة بمعنى زوجتي “كريمة نرجس” هي السبب في كل ما وصلت إليه من نجاح في حياتي العملية والفنية المتواضعة.
جريدة جسر التواصل:كثيرا ما تكون نجاحات الفنانين على حساب واجباتهم الأسرية، فهل شغل الفن الحسين السطاتي عن زوجته وأبنائه؟
الحسين السطاتي: بالفعل هذا كلام صحيح، بالنسبة إلي ربما تكون السيدة زوجتي “كريمة نرجس” جازاها الله خيرا، قد تكفلت بسد الفراغ، وتحملت عبأ الرعاية والإشراف اليومي على تسيير مملكتها العائلية، وذلك منذ أن كنت دركيا موظفا بسلك الدرك الملكي، كضابط للشرطة القضائية والعسكرية، حيث كنت شبه دائم الغياب عن البيت لضرورة الأبحاث القضائية سواء بالمركز أو خارجه، ودائم التنقل في أبحاثي، وحتى لما عدت بعد التقاعد إلى الساحة الفنية، وإن كنت الآن قريبا منهم، والحمد لله الأبناء كبروا وأدعو الله لهم بالتوفيق والنجاح في حياتهم.
جريدة جسر التواصل: كثير من الزيجات حصلت بين الفنانين “أشياخ وشيخات” فن العيطة، هل فكرت أن يحصل معك أمر مشابه؟
الحسين السطاتي: فعلا هناك عدد من الفنانين “اشياخ وشيخات” فن العيطة تزوجوا وكونوا عائلات، وكسائر الزيجات منها الزواج الذي نجح والزواج الذي فشل، أما بالنسبة إلي أنا فأنا متزوج كما سبق وأن قلت لك، ولا أفكر في التعدد، الحمد لله أعيش مع زوجتي قانعان وراضيان ببعضنا البعض، ولنا أبناء، ولا يمكنني أقبل امرأة أخرى تكون زوجتي غير هذه المرأة التي قضت معي ما يزيد على ثلاثين سنة، أفنت صحتها وشبابها علي وعلى تربية أبنائي، وإلى حد جوابي على هذا السؤال لن أخونها ولن أرضى بغيرها زوجة لي، ومن شيمي الصدق والوفاء لن أخون العهد لن أخون زوجتي “كريمة نرجس” ولن أخون العيطة والكتابة.
جريدة جسر التواصل: كيف يرى الفنان الحسين السطاتي انعكاس الثورة الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي على الأغنية العيطية وعلى المشهد الأدبي بشكل عام؟
الحسين السطاتي: من منظوري الشخصي أرى أن التقدم التكنولوجي بما فيه الرقمي قد عاد على المشهد الفني والأدبي بصفة عامة، بكثير من الأشياء الايجابية وسهل مأمورية الإنسان المبدع، رغم أن هناك سلبيات، وقد جرت العادة أن نتحامل على التكنولوجيا الرقمية، كلما خضنا في موضوع الحديث عنها، وفي اعتقادي أن المعضلة غير مرتبطة بالضرورة بهذا الانفجار الإلكتروني الذي فرضته المتغيرات والسياقات العالمية، وفرضه العصر وعامل التطور، أرى أنه يمكن بل يجب علينا استغلال مواقع التواصل الاجتماعي واستثمار الوسائط الإلكترونية لتجاوز مشكلة الفن بصفة عامة بما فيه الموسيقى والغناء وكذلك تجاوز مشكلة القراءة والكتابة، هذا إذا سلمنا أن المقصود بالقراءة هي مطالعة النصوص مهما اختلفت حواملها ورقية كانت أم الكترونية، وإلا سنكون ملزمين بتحديد العامل الأساسي في تراجع القراءة ضمن المنظومة الرقمية ككل، أقصد هنا سيادة الصورة ومقاطع الفيديو، آنذاك يمكننا القول نعم، ولو نسبيا على كل حال، أما أن نلقي المسؤولية كلها على مواقع التواصل الاجتماعي والوسائط الالكترونية بصفة عامة فلا أتفق، فالآلة لا ولن تعوض العقل البشري، وأرى هذا غير منطقي ويتنافى مع روح العصر والظرفية التي أصبحنا نعيشها، علينا أن نساير العصر وإلا اتهمنا بالرجعية والتخلف، وعلينا أن نتقبل الواقع شئنا أم أبينا، بل هو شيء ايجابي لمن أحسن التعامل معه، فالمواقع الإلكترونية حاليا حافلة بالمكتبات الضخمة التي تتيح للقراء من جميع أنحاء العالم آلاف الكتب في شتى الأصناف، ولا ننسى أيضا دور المواقع الإلكترونية في الترويج للكتب الجديدة فهي منصات تفاعلية متجددة وقناة مهمة ليطل عبرها الكاتب على القراء في ظل التحديات المطروحة، فالكاتب حاليا لم يعد ملزما بنيل الاعتراف من مؤسسة ما حتى يبدع، يكتب وينقح ويطبع إبداعه، أضف إلى ذلك تراجع الرقابة على النصوص مع ظهور المنصات الالكترونية بمعنى اكتساح مواقع التواصل الاجتماعي لحياة الانسان، والتي أضحت منابر إعلامية رائعة ومتاحة في أي زمان ومكان، عبر هاتف نقال بحجم كف اليد، يتابعها آلاف بل ملايين القراء من كل بلدان العالم. هذا من جهة أنني كاتب قاص وروائي وشاعر زجال، أما من ناحية أنني فنان شعبي “شيخ للعيطة” موسيقي عازف كمان “كومنجي” ومغني لفرقة موسيقية غنائية “رباعة الشيخات”، فالثورة الرقمية انعكست بالإيجاب الكبير على الفن الشعبي الغنائي ومنه فن العيطة، وذلك باستعمال المعدات والتجهيزات الالكترونية الرقمية بما فيها من آلات موسيقية حديثة ولوازمها كمكبرات الصوت ومعدلاته وتنقيته، إضافة إلى سهولة نقل الحدث الفني “سهرة، عرس، قصارة، مهرجان..” بطريقة رقمية عن بعد ليشاهده عدد كبير من المتابعين، بطريقة مباشرة عن بعد وكأن الجمهور حاضر معنا بالحفلة ولو كان موزعا عبر مناطق بعيدة بالعالم، وذلك بفضل التكنولوجيا الحديثة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، ويمكنني تسجيل السهرة الموسيقية بجودة عالية وبأقل تكلفة كما أنه يمكنني أن أتوصل بالإكراميات والهدايا من الجمهور في تلك اللحظة عبر العالم، إذ صح التعبير تصبح سهرة عالمية، عن طريق شاشات الهواتف النقالة، بإمكان المعجبين والجمهور أن يرسل إلي الأموال عبر حسابي المالي الالكتروني الذي سأكون قد أعلنت عليه على شاشة السهرة الكبيرة أو على يافطة الكترونية، ويمكن بفضل جهاز حاسوب صغير أن أبرمج به ايقاعات وأنغام مختلفة وبجودة إلكترونية عالية، قد يعفيني من عدد الأشخاص ضابطي الايقاع، كما يمكنني بفعل التكنولوجيا الرقمية تعديل صوتي على النبرة التي تعجبني دون أن يتعب أو يبح، وهذا كله يرجع الفضل فيه إلى التطور العلمي التكنولوجي.
جريدة جسر التواصل: “الحسين السطاتي” الفنان “شيخ العيطة”، كيف هي علاقته بالكاتب والشاعر والباحث الأكاديمي في فن العيطة الدكتور حسن نجمي ؟
الحسين السطاتي: علاقتي بالأستاذ الكبير الدكتور سي حسن نجمي، علاقة جد جد طيبة، علاقة التلميذ بأستاذه، والمريد بشيخه، والصديق مع صديقه، وعلاقة الدكتور الباحث الأكاديمي في فن العيطة مع شيخ العيطة، لي عظيم الشرف أن أحظى بمقابلة “سي حسن” الإنسان الطيب المتواضع، الفنان البشوش، الكاتب الروائي والقاص والشاعر والسياسي الكبير، أنا جد معجب به منذ ما يزيد على ثلاثين سنة، كنت أحرص على تتع جميع خرجاته الغعلامية ومداخلاته و كتاباته حول فن العيطة، أقتني كل كتبه البحثية والأدبية، وحتى قصاصات الجرائد أحتفظ بها بمكتبتي، شكرا لهذا المناضل الذي حارب من أجل ترسيخ دعائم فن العيطة وإخراجه من النفق المظلم الضيق، أقول حارب وفعلا فهو محارب بالقلم وقد أنقد فنا عزيزا غاليا، ولما عدت إلى الساحة الفنية بعد تقاعدي من سلك الوظيفة العمومية، التقينا مباشرة عدة مرات وكانت لقاءات الأحباب والأخوة والأصدقاء، كان لي الشرف أن أحضر لتوقيع كتابه بعنوان ” فن العيطة الموسيقى التقليدية، وحظيت منه بتوقيع على هذا الكتاب هذه التحفة الأدبية والفنية، كما حضرت معه مرات بالمعرض الدولي للكتاب بمدينة الرباط، وكان لي أيضا عظيم الشرف أن أحظى بالحضور مع مجموعة من السادة الدكاترة الباحثين في فن العيطة وهم “الدكتور حسن بحراوي، والدكتور سعيد يقطين والدكتور عبد الكريم الجويطي، والدكتور يحيى، والدكتورة خديجة عبد الجليل، والدكتورة الايطالية أليساندرا توتشي، بمقر الولاية بمنطقة “الحبوس “بمدينة الدار البيضاء بمناسبة انعقاد الدورة الأولى لمهرجان العيطة المرساوية بمدينة الدار البيضاء، وكانت الندوة من تسيير الدكتور حسن نجمي، إني أعجز عن وصف الشعور الذي انتابني في ذلك اليوم من فرح وسعادة، تبادلت المعرفة والحديث مع الدكاترة الأجلاء، ومع الجمهور وعدد من الفنانين المهتمين بفن العيطة والإعلاميين والمهتمين بالشأن الثقافي، كانت هذه الأشياء بمثابة أضغاث أحلام بالنسبة إلي وتحققت على أرض الواقع، واشكر جزيل الشكر أخي وصديقي الدكتور “سي حسن نجمي ” على كل ما قدمه لي من مساعدة في مجال الفن الذي أعشقه.
جريدة جسر التواصل: كيف كان لقاؤك بالباحثة الايطالية أليساندرا تشوتشي ؟
الحسين السطاتي: طبعا كان لي عظيم الشرف أن أجلس مع الكاتبة والباحثة الأكاديمية السيدة الفاضلة الدكتورة “أليسندرا تشوتشي”، كم كانت فرحتي وسعادتي وهي واقفة تحاورني، بتاريخ اثنان وعشرون يوليوز سنة ألفين وأربعة وعشرون، ونحن نحتسي الشاي ونتناول قطع الحلوى بالفضاء الجميل لمقر الولاية بمنطقة “الحبوس” بمدينة الدار البيضاء، حاورتني بفرنسيتها الجميلة حول فن العيطة، وطلبت مني الاجتهاد والمحافظة على هذا التراث الموسيقي التقليدي بصفتي فنان شعبي “شيخ للعيطة”، كما استمعت لكلمتها التي ألقتها حول فن العيطة وعن كتابها تمرة بحثها في هذا الفن بعنوان “أصوات العيطة، المرأة، الثقافة والممارسة الموسيقية التقليدية في المغرب”، في نسخته العربي، التي ترجمها الكاتب والشاعر والمترجم المغربي الأستاذ “نورالدين الزويتني”، و كما سبق وقلت لك لقد كانت بالنسبة لي أحلام وتحققت لي على أرض الواقع، وأشكر جزيل الشكر كل السادة الدكاترة والأساتذة الباحثين والغيورين على فن العيطة.
جريدة جسر التواصل: لديك صور على مواقع التواصل الاجتماعي، مع الكاتب الأديب الدكتور شعيب حليفي، ما هي علاقتك بهذا الكاتب ؟
الحسين السطاتي: كان لي عظيم الشرف أن أجالس وأتبادل الحديث والأفكار مع الصديق الكاتب الأديب والباحث الأكاديمي الدكتور “سي شعيب حليفي”، وأنا منذ مدة معجب به وأقرأ كتبه، وتعجبني فيه غيرته على مدينتنا الحبية “سطات”، وفيض كتاباته عليها وعلى رجالاتها وناسها العظماء، وعلى فنونها بكل ألوانها، كان لي الشرف أن ألتقي به خلال مائدة مستديرة تحت عنوان “العيطة بين الأصل ومحاولات التجديد”، نظمت بمدينة “سطات” يوم الجمعة تاسع عشر يوليوز سنة ألفين وأربعة وعشرون، بمناسبة الدورة الأولى لمهرجان “العيطة المرساوية”، حيث التقيت بفنانين كبار ومسؤولين بوزارة الثقافة والتواصل، وجمهور من المهتمين بالشأن الثقافي، وكنت من ضمن المتدخلين في الندوة إضافة إلى السادة الأساتذة الكرام : الأستاذ توفيق حماني والأستاذ الحبيب النصري، وكان الدكتور شعيب حليفي هو مسير هذه المائدة المستديرة، وبالمناسبة أخذنا صورا فوتوغرافية توثق للحدث الفني الثقافي.
جريدة جسر التواصل: معروف أنك فنان شعبي نشيط ومرح، فهل أتى يوم على الفنان الشعبي “شيخ العيطة” والكاتب القاص والروائي “الحسين السطاتي” وسئم ويئس فيه من الحياة وفكر في الانتحار؟
الحسين السطاتي: طبعا كم من مرة سئمت وكرهت الحياة، لكن أبدا لا ولن أيأس من هذه الحياة، ولأكن صريحا معك، لم يخطر ببالي أبدا قتل نفسي بمعنى الانتحار، لكنني وصلت إلى درجة قتل بعض الأشخاص المجرمين لأنني أعرف أن جريمة القتل لا ينفذ في مرتكبها الإعدام بالمغرب، قد أسقط في قبضة العدالة وأحاكم بالسجن المؤبد لكنني لن أعدم، إذن مهما أن هناك حياة فهناك أمل، ولكنني كنت أتراجع ولا أنفذ ما انتويت وما خططت له، وخاصة أنني كنت أسبح بل أعوم في مستنقع الضابطة القضائية مع مجرمين خطيرين كبار وبلا ضمير يستحقون القتل، وكانت لا تطالهم يد العدالة الفاسدة لأنهم أثرياء ماديا وفقراء أخلاقيا، باعوا ضمائرهم، واشتروا الذمم والمناصب، لكن الحمد لله تعقلت وعدلت عن فكرة القتل، وقد شاهدت بأم عيني عقابهم من عند الله، والحمد لله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل، وقد تطرقت لبعض هذه الأحداث والجرائم في روايتي بعنوان “عيطة بيضاوية”. لكني لم يسبق لي أن فكرت في الانتحار أو يئست من الحياة بل بحكم أنني كنت مدربا عسكريا لضباط الصف بالجيش، فأنا على علم حتى العيش بالسجون هو حياة وقد تكون أحسن مما أعيشه خارجها، أنا إنسان مؤمن وإيماني بالله قوي، وإن مع العسر يسرا، كثيرة هي الأيام التي تكالبت علي فيها الظروف، والتي تألمت وعانيت وتعذبت فيها، لكن لم يخطر ببالي لحظة أن سئمت الحياة، فالحياة تظل في كل الأحوال جميلة وجديرة بان تعاش، وأن نكافح ونحارب ونناضل من أجل تحسين والرفع من مستواها، وتنقيتها قدر الإمكان من الظلم والقهر والاستبداد، وهذا الكلام أوجهه إلى الأجيال القادمة للشباب والشابات الذين ينبغي أن تمتلئ نفوسهم بحب الحياة وحب النفس وحب الوطن، والرغبة في العمل والإخلاص فيه والضمير المهني، والصبر حتى يتجاوزون الظروف السيئة فلا فرح يدوم ولا حزن يدوم، ونحن نتحدى الصعاب بالجهد الفاعل والتحدي المستمر. وخير عزائي في ما تركه لنا الأجداد الأسلاف في رائعة عيطة دامي المرساوية:
لله يا دامي هواك عداني
عداني عداني مشى وخلاني
سيادي ما يدوم حال على كل حال
مزال ومزال ومزال يصفى الحال.
جريدة جسر التواصل: كيف تقوم مسيرة شيخ العيطة الفنان خالد ولد البوعزاوي الذي تسير على خطاه ؟
الحسين السطاتي: لا يمكن للتلميذ أن يقوم أستاذه، لكن يمكن للتلميذ أن يبدي رأيه في المدرسة التي درس فيها وتعلم في فصولها، فمجموعة “أولاد البوعزاوي” بالنسبة إلي هي مدرسة فنية للعيطة بصفة عامة، وللعيطة المرساوية بصفة خاصة، مجموعة موسيقية فنية رائدة كانت ومازالت وستظل حاملة مشعل “العيطة المرساوية” التي تعلمنا منها الكثير، مجموعة شرفتنا في محافل وطنية ودولية بقيادة شيخ لشياخ الفنان “سي خالد ولد البوعزاوي” العازف الماهر على آلة الكمان وصاحب الصوت الشجي الطروب وريت النغمة المرساوية الماريشالية للراحل الماريشال قيبو وصوت الراحل الشيخ بوشعيب البيضاوي، وكذلك الشأن بأخوه المبدع الكبير على آلة العود “الشيخ صلاح البوعزاوي”، فأنا وغيري من أشياخ “العيط المرساوي” استفدنا كثيرا من هذه المجموعة الغنائية، من هذه المدرسة الفنية، لقد شكلت هذه الفرقة الغنائية علامة فارقة وظاهرة جميلة سيخلدها تاريخ الموسيقى العيطي، فشكرا لهذه المجموعة الراقية التي أنصفت هذا اللون الغنائي وشرفتنا ومثلتنا أحسن تمثيل، وتحية خالصة للصديقين العزيزين سي خالد وسي صلاح وباقي أفراد المجموعة.
جريدة جسر التواصل: ما أجمل هدية قدمت لك من الجمهور؟
الحسين السطاتي: كل الهدايا التي تقدم لي من طرف الجمهور جميلة ورائعة ومنها الإكراميات المالية خلال مختلف الحفلات والأعراس، والتي نسميها في لغة أهل العيطة ب”عمار” أو”التعلاق”، لكن من أروع ما قدم لي كهدية هو لوحة فنية تشكيلية من الفنانة التشكيلية الأستاذة أمينة الطنجي الشناوي الشرقاوي وقد رسمتني بدقة متناهية، وقدمتها لي بمناسبة تكريمي من طرف الصرح الثقافي “لمة شرقاوة أهل أبي الجعد”، شكرا لهذه الفنانة الراقية، وشكرا لأهل هذه المدينة الرائعة العريقة، والتي كان لي شرف العمل بها كدركي ضمن عناصر الضابطة القضائية لمدة خمسة سنوات، وأحييت بها عدد من السهرات والأعراس بصفتي فنان شعبي “شيخ للعيطة”.
جريدة جسر التواصل: بالنسبة لمسرحية “الرقص مع الذئاب في عيطة الغاب” أنت كاتب النص، ما الرسالة التي تريد إيصالها من خلال هذه المسرحية ؟
الحسين السطاتي: أريد أن أساهم في مسرحة فن العيطة، وإدخال العيطة إلى المسرح كما فعل الكثير من الكتاب والمسرحيين المغاربة، وأردت أن أساهم في المسرح ككاتب وكفنان شعبي “شيخ للعيطة”، ليعرف المتلقي أن فن العيطة هو فن راقي يحمل رسائل، وأن الرقص الذي يقوم به الفنانون “أشياخ وشيخات” هو رقص تعبيري، محاكاة لما يقع في الغابة وأتناء خرجات الصيد، بما في ذلك حركات وتنقلات الحيوانات والحشرات والطيور، وكذلك حركات الفلاحين والصيادين أتناء خرجة الصيد بالغابة، وأن تلك الرقصات والشطحات لها دلالات ورمزية فنية وأدبية.
جريدة جسر التواصل: بصفتك فنان شعبي ضمن فرقة موسيقية “رباعة الشيخات”، ماذا ينقص المرأة “الشيخة” حاليا وهل أخذت فرصتها كاملة؟؟
الحسين السطاتي: الشيخة منذ قرون وهي تتمتع بكامل حريتها داخل الفرقة الموسيقية “رباعة الشيخات”، محترمة مكرمة كالسلطانة، وحتى داخل المجتمع فالعيطة جعلتها سلطانة وأعطتها حصانة عيطية، وقد ساوتها مع الرجل في كل شي، أما حاليا فهي تتمتع بجميع حقوقها الفنية، وما عليها سوى أن تجتهد وتثبت ذاتها وتحترم نفسها وتحترم جمهورها، وعليها ألا تنسى أن للعيطة لعنة لمن أساء التصرف في محرابها، فحذاري من لعنة العيطة.
جريدة جسر التواصل: في رأيك هل بات شكل الشيخة يطغى على الموهبة في فن العيطة ؟
الحسين السطاتي: لا شك أن الشكل الخارجي له دور في إثارة الانتباه إلى الشيخة، وخاصة في الوصلات الراقصة، لكن في الغناء والمتن العيطي فصوت الشيخة هو الذي يثير المتلقي، هذا إضافة إلى الأخلاق وقوة شخصيتها.
جريدة جسر التواصل: ماذا يميز زواج فنان شعبي ” شيخ للعيطة” من فنانة شعبية “شيخة” مثله ؟
الحسين السطاتي: كثيرة هي الزيجات التي وقعت داخل الوسط الفني العيطي بين الفنانين، ومنها من كان ناجحا ومستمرا حيث طالت مدة العشرة الزوجية وأنجبوا أبناء وكبروا، ومنها من قدر له الفشل كسائر الأزواج، إلا أنه ما يميز هذه الزيجات هو الإحساس بظروف عمل الطرف الآخر وتفهمها وتقبلها، حيث يصعب على الرجل العادي أن يتقبل اشتغال زوجته في حرفة “تشياخيت”، لعدة اعتبارات.
جريدة جسر التواصل: ما رأيك في الزواج من فنانة شعبية “شيخة” ؟
الحسين السطاتي: بالنسبة للرجل العادي الأمر جد جد جد صعب، لعدة اعتبارات،منها: نظرة المجتمع المتخلف لهذه الفئة من النساء، وظروف عمل هذه المرأة الفنانة، هذه الظروف القاسية و الموسومة بالمغامرة والمحفوفة بالمخاطر، ومن ناحية أخرى “الشيخة” امرأة اكتسبت ثقافة من حرفة “تشياخيت” صارت ذات شخصية قوية متمردة ضد الرجل، وألفت الحرية ومخالطة الرجال وإبداء آرائها بكل حرية، وتمتعت باستقلال مادي، وحرية أكثر بين الناس، لهذا يصعب على الرجل العادي مجاراتها في تصرفاتها “هبيلة في حماقها”، ولا يصلح لها سوى الزواج من زميلها في العمل الفني لأنه سيتقبل وضعها ويقبل ظروف عملها، أما إذا كانت ستتوقف عن مزاولة نشاطها الفني بعد زواجها فالأمر جد عادي.
جريدة جسر التواصل: المعروف عن الأغاني العيطية هي أغاني طربية طويلة، بالنسبة لكم ماهو الوقت الذي يمكنك أن تقضيه وأنت تغني ؟
الحسين السطاتي: المسألة تتعلق بنوعية الحفل والسهرة والنفسية التي نكون عليها، وجو الحفل، لهذا قد أقف أغني نصف ساعة أو ساعة، وقد أقضي ست ساعات وأنا أغني، قد أكون في حفلة عرس بالبادية ويتضح لي أن نوعية الجمهور من الكرماء الأسخياء، فلا ينبغي لي ان أتوقف حتى ينتهي حماسهم وأنا جد متأكد أن المال يفعل المستحيل وهو وقود للفرقة الموسيقية العاملة معي. وإذا تكلمنا عن الأغنية العيطية، فالأغنية الواحدة غالبا مدتها من أربعين إلى خمسة وأربعين دقيقة، لكن هناك بعض العيوط الراقصة التي يمكن أن تصل من ساعة إلى ساعة ونصف دون أن يمل منها الجمهور، مثلا “عيطة الغابة” من العيط الغرباوي، فمدتها قد تصل إلى ساعة ونصف، لأن القصيدة طويلة تتعلق بوصف الغابة وما يجري بداخلها من صيد للحيوانات وجني للثمار، كما أنها تتضمن لأزيد من عشرين رقصة “شطحة” حيث تحاكي فيها الشيخات ما يقوم به الصيادين وما تقوم به الحيوانات والطيور والحشرات، فمثلا هناك عدد من الرقصات “الشطحات” منها: رقصة الحمامة، ورقصة الحجلة، ورقصة الحدأة، ورقصة الأرنب، ورقصة اللبوءة، ورقصة النحلة، ورقصة الغزالة، ورقصة الخيل، والرقص مع الذئاب، والرقص مع القردة، ورقصة الخنازير، ورقصة التماسيح، ورقصة القنافذ، ورقصة الدجاجة المذبوحة، ورقصة النحلة وغيرها من الرقصات الجميلة، وبصفتي رئيس الفرقة المنشطة كمغني وموسيقي عازف كمان “كومنجي” للفرقة “رباعة الشيخات”، أعرف كيف أسير المدة الزمنية حيث أتعمد خلق فرص للراحة داخل العرض افني لهذه العيطة أخلق سجال بيني وبين الشيخة، وفصل كوميدي حيث يشارك معنا بعض من الجمهور في العرض الفني الممسرح.
جريدة جسر التواصل: لكن إذا كان الوقت كما تقول ست ساعات ألا تخاف أن يمل الجمهور ؟
الحسين السطاتي: لا أبدا لن يمل الجمهور فن العيطة فن موسوعي فيه الموسيقى والغناء والرقص وفيه الفكاهة والمسرح، أعرف كيف أفرق الوقت بين هذه الأجناس الفنية، وبذلك لن يمل الجمهور ولن يكل الفنانين الموسيقيين المرافقين لي. يمكن أن أوضح لك أكثر فمثلا في الرقصات في عيطة الغابة، رقصة واحدة يمكن أن نقضي فيها مدة من خمسة دقائق إلى عشرة على سبيل المثال رقصة الرقص مع الذئاب والرقص مع القردة. . . ولك أن تتصور كم ستأخذ منا عشرين رقصة مثلا، تتخللها وقفات وقفشات ومستملحات دون أن يشعر الجمهور بذلك. وساعتين من الغناء في “عيطة” واحدة هي بمثابة عرض مسرحي في فصول.
جريدة جسر التواصل: كيف ترى أن تكون نجما في فن العيطة في المستقبل ؟
الحسين السطاتي: لا شيء مستحيل ، بالعزيمة والإرادة والصبر والإصرار ننال مطالبنا ونحقق أحلامنا، وأكيد سأكون نجما إن شاء الله في الأغنية العيطية وفي الكتابة الأدبية. وإذا لم يتحقق لي ذلك أكون قد فزت بشرف المحاولة، سأظل أحاول وأحاول حتى أصعد تدريجيا وأصل.
جريدة جسر التواصل: في نظرك ما هي المكانة التي يحتلها فن العيطة في الساحة الفنية بالمغرب ولماذا ؟
الحسين السطاتي: أعتقد أن فن العيطة أو حرفة “تشياخيت” تكتسح الساحة الفنية، وذلك للشعبية التي تحضى بها الأغنية العيطية ووجود المرأة القوي بهذا اللون الغنائي، ثم إنه يتناول مواضيع عاطفية وإيقاعات وموسيقى راقصة، كما أنه يستهلك في مناسبات مختلفة وأماكن متنوعة، كل هذه العوامل جعلت فن العيطة يحظى بانتشارا قويا سواء داخل المغرب و خارجه.
جريدة جسر التواصل: أين يشعر الحسين السطاتي بالراحة والاحترافية، في المجموعة الرجالية “الأوركسترا” أو مع الفرقة المختلطة “رباعة الشيخات” ؟
الحسين السطاتي: في الحقيقة أكون مرتاحا مع الفرقة الموسيقية الغنائية المختلطة “رباعة الشيخات”، لعدة اعتبارات، فوجود المرأة معنا يضفي عليها جو من النشاط والحماس والمنافسة، وحتى الجمهور يتفاعل بطريقة متميزة مع العنصر النسوي، إضافة أن الأغاني التي نؤديها باقترانها برقصات الشيخات، تكتمل الصور الشعرية فيها، مثلا في “عيطة الحساب الزعري” حيث يكون سجال ومحادثة بين الرجل “الشيخ” والمرأة “الشيخة” أو في “عيطة الغابة” حيث تكون الرقصات المثيرة التي تحاكي فيها “الشيخات” رقصات الحيوانات والطيور والحشرات، اضافة إلى الجانب المادي، فالجمهور يكرم المرأة “الشيخة”، وسخي معها أكثر من إكرامه وسخائه مع الرجل “الشيخ”.
جريدة جسر التواصل: مع من يتنافس الفنان الحسين السطاتي ؟
الحسين السطاتي: أتنافس مع نفسي مع الحسين الفنان الموسيقي المغني “شيخ العيطة”، أريده أن يكون في الغد أحسن مما هو عليه اليوم، هذا من جهة ومن جهة أخرى يجب على الفنان أن يكون له دور ا بارزا في التكافل الاجتماعي أسوة ببقية أفراد المجتمع وقدوة ببقية الفنانين في فعل الخير، هذا أفضل من أن يكون التنافس في من هو أفضل فنان ومن صاحب أجمل أغنية.
جريدة جسر التواصل: ماذا تمثل العيطة بالنسبة للحسين السطاتي؟
الحسين السطاتي: كما سبق أن قلت في حواراتي لمنابر إعلامية وسأقولها الآن وسأظل أقولها، العيطة هي حبي الأول والأخير، وهي تسري في جيناتي، وقد أحببتها قبل أن أحب أي أنثى، بالنسبة إلي هي تلك الفتاة الحسناء الفاتنة، التي أحببتها وعشقتها وتبعتها وأعطيتها من وقتي، فطاوعتني وأعطتني الكثير، ساعدتني في مشواري الدراسي وحتى في مساري المهني كضابط تحري في قضايا جنائية، دللتني وأمتعتني.. لهذا سأظل وفيا لها..سأبقى محبا لهذه الحسناء، وأقول للجمهور المغربي علينا أن نفتخر بهذا الفن الرائع، فإذا كان المصريون يفتخرون بأهراماتهم الفرعونية، فنحن لنا هرم تراثي أصل، ألا وهو فن العيطة، وكما للأهرام الفرعونية مداخيل سياحية وأسرار وألغاز ولعنة، كذلك الشأن بالنسبة للعيطة، فهي تجلب السياح والعملة الصعبة وتؤثث المشهد السياحي والثقافي ببلادنا وتنشط حفلاتنا وأعراسنا، لكن لها ألغاز وأسرار ولها لعنة، فحذاري من لعنة العيطة.
جريدة جسر التواصل: أنت الآن في الخمسينات من العمر، متقاعد دركي برتبة “أجودان”، خدمت الوطن كدركي ضابط للشرطة القضائية والعسكرية ومدرب عسكري وأستاذ للشرطة القضائية، وفنان شعبي “شيخ للعيطة” بعد هذا العمر الحافل هل تعب الحسين السطاتي؟ ومتى سيستريح ؟
الحسين السطاتي: الحياة مليئة بالمتناقضات، البدايات والنهايات، الايجابيات والسلبيات، الأفراح والأتراح، الراحة والتعب إلى غير ذلك..وتلك سنة الكون ولن تجد لسنة الله تبديلا، والحمد لله رغم أنني وصلت هذا العمر أنا في صحة جسدية وعقلية سليمة سأواصل الكفاح، سأغني وأرقص وأقرأ وأكتب، وأعمل حتى أصير عاجزا ، لأن من العمل أستمد طاقتي. وعلينا أن نعيش هذه اللحظة التي نحن فيها، نحن نقلل من قيمة اللحظة الآنية التي نحن فيها،لأنها متاحة الآن، لكن الزمن يعيد تعريف الأشياء، وعندما تتحول إلى ذكرى نراها شيء جميل وتمين، أنا لا أندم على شيء جرته بقدر ما أندم على ما لم أجربه، فما يبدو عاديا الآن قد يصبح لاحقا من أجمل ما تتمنى أن يعود، أنا الآن في الخمسينات من العمر، وإذا أطال الله في عمري ووصلت الستينات سأنظر إلى اليوم وكأنه سن شباب، لهذا سأظل أواصل الكفاح، في الحركة بركة وفي التعب راحة، وما دمنا على قيد الحياة لا يوجد خيار خال من التعب، العمل متعب، وقلة العمل مرهقة، النجاح يتطلب جهدا والفشل له ثمن، لهذا أجد راحتي ومتعتي في العمل الفني كفنان شعبي والعمل الأدبي ككاتب قاص وروائي وشاعر زجال
Views: 37
























