
عبد العزيز الخطابي
يبدو أن السياسة المغربية دخلت مرة أخرى موسمها المفضل: موسم ارتفاع الأصوات وانخفاض البرامج. وما إن تقترب الاستحقاقات الانتخابية حتى يستيقظ السياسيون من سباتهم الطويل. فتُفتح أبواب الخطب. وتُشعل مواقع التواصل الاجتماعي. وتبدأ حفلات الرد والرد المضاد. ويظهر المواطن فجأة في جميع الخطابات باعتباره “أولوية الأولويات” بعد أن كان طوال سنوات مجرد ضيف ثقيل في آخر جدول الأعمال.
يا لها من معجزة انتخابية!
المواطن الذي لم يجد من يسأله عن مشاكله بالأمس. يصبح اليوم عزيزًا ومكرمًا ومحل اهتمام الجميع. والمرشح الذي لم يسمع المواطن صوته إلا نادرًا. يتحول بين ليلة وضحاها إلى خبير في الاقتصاد والاجتماع والتنمية والسياسة الدولية. بل وربما في علاج أمراض المستشفيات وإصلاح التعليم وخفض الأسعار وحل البطالة دفعة واحدة.
كل شيء ممكن في موسم الانتخابات.
حتى المستحيل يصبح برنامجًا انتخابيًا.
المشكلة ليست في أن يتنافس السياسيون؟ فالتنافس من طبيعة الديمقراطية. والاختلاف سنة صحية في الحياة السياسية. المشكلة تبدأ عندما يتحول التنافس السياسي إلى مباراة في رفع الصوت. وعندما يصبح عدد المشاهدات أهم من عدد الأفكار. وعدد الصور أهم من عدد المشاريع. وقدرة السياسي على مهاجمة خصمه أكبر من قدرته على تقديم بديل.
هنا لا تعود السياسة سياسة.
تصبح مجرد ضجيج.
والضجيج، مهما كان مرتفعًا. لا يصنع دولة.
لا يبني مدرسة. ولا يجهز مستشفى. ولا يخلق وظيفة. ولا يخفض كلفة المعيشة. ولا يحقق العدالة الاجتماعية.
ولكن يبدو أن بعض السياسيين اكتشفوا نظرية جديدة في العلوم السياسية: كلما عجزت عن تقديم الحل. ارفع صوتك على الخصم.
وكلما غاب البرنامج. زد من التصريحات.
وكلما اقترب موعد الانتخابات. كثّف الصور.
وإذا سأل المواطن عن النتائج. أخبره أن المرحلة المقبلة ستكون أفضل.
وهكذا يصبح “المستقبل” هو أكبر مخزن للوعود السياسية في البلاد.
كل شيء فيه.
الإصلاح.
والتنمية.
والشغل.
والعدالة.
والرخاء.
أما الحاضر. فليتحمل قليلًا.
لقد أصبح المواطن يعرف هذه اللغة جيدًا. يسمعها في كل موسم. ويحفظ بداياتها ونهاياتها. وربما أصبح قادرًا على كتابة البيان الانتخابي قبل أن تكتبه اللجنة السياسية.
والمفارقة أن بعض الأحزاب تتحدث عن الديمقراطية وكأنها اكتشفتها بالأمس. مع أن بعضها ظل حاضرًا في المشهد السياسي لسنوات طويلة. سنوات طويلة من التجربة. نعم. ولكن السؤال الذي لا يريد أحد أن يطرحه هو: ماذا أنتجت هذه التجربة؟
هل أنتجت نخبًا سياسية أكثر كفاءة؟
هل أنتجت برامج أكثر واقعية؟
هل أنتجت خطابًا سياسيًا أكثر نضجًا؟
هل جعلت المواطن أكثر ثقة في المؤسسات المنتخبة؟
أم أنها أنتجت. في بعض الحالات. وجوهًا سياسية تتقن البقاء أكثر مما تتقن التغيير؟
هنا ينبغي أن نكون صريحين: طول البقاء في السياسة ليس شهادة دكتوراه في علم السياسة.
والقدم في الحزب ليست بالضرورة قدمًا في الحكمة.
والخبرة الانتخابية ليست هي نفسها الخبرة في تدبير الدولة.
ومن يعرف كيف يصل إلى الصندوق الانتخابي ليس بالضرورة من يعرف كيف يدير الملفات الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية التي تنتظره بعد الوصول إلى البرلمان.
لقد تحدث الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة الذكرى الثامنة والخمسين لثورة الملك والشعب. في 20 غشت 2011. بوضوح عن أن الانتخابات لا ينبغي أن تختزل في مجرد تنافس على المقاعد. بل ينبغي أن تكون مناسبة لاختيار أفضل البرامج والنخب المؤهلة. كما دعا الأحزاب إلى تزكية المرشحين الأكفاء والقادرين على تحمل المسؤولية. نص الخطاب الملكي الرسمي بتاريخ 20 غشت 2011
كما أن خطاب 17 يونيو 2011 حول مشروع الدستور الجديد شدد على تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهي مبادئ لا يمكن أن تكون مجرد عبارات جميلة تُحفظ في المناسبات ثم تُنسى عندما تبدأ معركة المقاعد. نص الخطاب الملكي الرسمي بتاريخ 17 يونيو 2011
إذن. البوصلة موجودة.
والتوجيهات موجودة.
والقواعد موجودة.
لكن السؤال الذي يبقى معلقًا في الهواء هو: أين هي الممارسة؟
فإذا كان المطلوب هو اختيار الكفاءات. فلماذا نشعر أحيانًا أن معيار الاختيار يتحول إلى القدرة على حشد الأصوات والعلاقات أكثر من القدرة على فهم الملفات؟
وإذا كانت المسؤولية مقرونة بالمحاسبة. فلماذا يختفي السؤال عن الحصيلة بمجرد انتهاء الانتخابات؟
وإذا كانت الأحزاب مطالبة بتخليق الحياة السياسية. فلماذا يتحول المشهد الانتخابي أحيانًا إلى سوق مفتوحة للوعود والصور والشعارات؟
ثم نصل إلى المشهد الأكثر إثارة للسخرية: العائلة الانتخابية.
المرشح وزوجته.
المرشح وأخوه.
المرشح وأخته.
المرشح وأبناؤه.
المرشح وأفراد عائلته.
لا اعتراض على أن يمارس أي مواطن حقه السياسي. ولا اعتراض على أن تترشح النساء أو الرجال أو أفراد الأسرة الواحدة. ما دام القانون يسمح بذلك. ولكن من حق الصحافة ومن حق المواطن أن يطرحا السؤال السياسي المشروع: هل أصبحت الكفاءة هي المعيار الأول فعلًا. أم أن بعض الشبكات العائلية والاجتماعية والانتخابية تستطيع أحيانًا أن تمنح صاحبها أفضلية لا علاقة لها بالقدرة على ممارسة العمل النيابي؟
فالبرلمان ليس صالونًا عائليًا.
والمقعد النيابي ليس تركة.
والحزب ليس دفتر عائلة.
والانتخابات ليست موسمًا لتوزيع الكراسي على الأقارب والأصدقاء.
والأهم من ذلك كله أن المواطن ليس قطيعًا.
هذه الكلمة يجب أن تُحذف نهائيًا من قاموس النظرة إلى الناخب.
المواطن ليس خروفًا انتخابيًا.
ولا بقرة انتخابية.
ولا رقمًا في دفتر الحملة.
ولا صوتًا يُجمع اليوم ويُنسى غدًا.
المواطن عقل وذاكرة وكرامة.
والأخطر بالنسبة إلى السياسي الذي يعيش على الوعود أن المواطن بدأ يستخدم هذه الأشياء الثلاثة معًا.
بدأ يسأل.
وهذا السؤال هو بداية السياسة الحقيقية.
ماذا وعدتمونا؟
ماذا أنجزتم؟
ماذا فشلتم فيه؟
لماذا؟
ومن المسؤول؟
أسئلة بسيطة، لكنها بالنسبة إلى بعض الخطابات السياسية تبدو أشبه بقنابل موقوتة.
لأن السياسي يستطيع أن يهرب من خصمه.
ويستطيع أن يغير خطابه.
ويستطيع أن يبدل الشعار.
وربما يستطيع أن يغير الحزب.
لكن كيف سيهرب من ذاكرة المواطن؟
وهنا تظهر الكارثة الحقيقية: بعض السياسيين يتعاملون مع الانتخابات باعتبارها نهاية الطريق. بينما هي في الحقيقة بداية الامتحان.
الفوز ليس إنجازًا نهائيًا.
الفوز مجرد إذن بالعمل.
والمقعد ليس مكافأة.
إنه مسؤولية.
والحصانة، حيث ينص عليها القانون. ليست حصانة من النقد الشعبي.
والمنصب ليس جواز سفر للخروج من المساءلة السياسية والأخلاقية.
السياسي الذي يريد أصوات الناس عليه أن يقبل أسئلتهم.
والذي يريد تمثيلهم عليه أن يقبل محاسبتهم.
والذي يريد أن يتحدث باسم الوطن عليه أن يتذكر أن الوطن ليس شعارًا انتخابيًا.
الوطن مدرسة الطفل الفقير.
الوطن مستشفى المريض.
الوطن شاب يبحث عن عمل.
الوطن فلاح ينتظر موسمًا جيدًا.
الوطن عامل يخاف على أجره.
الوطن امرأة تبحث عن كرامتها الاقتصادية والاجتماعية.
الوطن مواطن يقف في طابور طويل أمام إدارة أو مستشفى أو مؤسسة، ولا يريد من السياسي أن يلقي عليه خطابًا عن الوطنية؛ يريد منه أن يجعل حياته أقل قسوة.
وهنا تحديدًا ينبغي أن تنتهي السخرية وتبدأ المحاسبة.
لأن المواطن لا يريد سياسيًا يتقن الكلام أكثر من إتقانه التشريع.
ولا يريد أمينًا عامًا يجيد مهاجمة خصومه أكثر مما يجيد قراءة الأرقام والمؤشرات والميزانيات.
ولا يريد مرشحًا يملأ مواقع التواصل الاجتماعي بصوره، بينما برنامجه السياسي فارغ إلا من كلمة “سنقوم”.
سنقوم…
سنعمل…
سنصلح…
سنبني…
سنغير…
لكن متى؟
وبأي مال؟
وبأي وسائل؟
وبأي مؤشرات؟
ومن سيحاسبكم إذا لم تفعلوا؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تدخل إلى قلب الحملة الانتخابية.
أما “سنفعل” وحدها. فقد سمعها المواطن حتى حفظها عن ظهر قلب.
ولذلك فإن المشهد السياسي يحتاج اليوم إلى شيء أكبر من تغيير الوجوه.
يحتاج إلى تغيير الثقافة السياسية نفسها.
نحتاج إلى سياسي يفهم أن السياسة علم قبل أن تكون مهنة. ومسؤولية قبل أن تكون امتيازًا. وخدمة عامة قبل أن تكون طريقًا إلى الشهرة.
ونحتاج إلى أحزاب تفهم أن قوة الحزب لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي يحصل عليها. وإنما بجودة النخب التي يقدمها. وبالبرامج التي يقترحها. وبقدرته على الدفاع عن المصلحة العامة حتى عندما لا تكون الكاميرات موجودة.
ونحتاج إلى مواطن لا يبيع صوته. ولا يبيع ذاكرته. ولا يسمح بأن يتحول إلى مجرد رقم في حسابات انتخابية.
أما أولئك الذين يعتقدون أن الانتخابات سباق نحو الكرسي. فنقول لهم بكل احترام ساخر: نعم، اركضوا.
اركضوا كما تشاؤون.
تخاصموا.
تجادلوا.
تبادلوا التصريحات.
املؤوا الشاشات ومواقع التواصل.
اجمعوا الصور واللافتات والشعارات.
ولكن تذكروا شيئًا واحدًا:
الكرسي لا يملك المواطن.
بل المواطن هو الذي يمنح صوته لمن يراه جديرًا بالتمثيل.
والكرسي لا يمنح صاحبه قيمة.
القيمة يمنحها العمل.
والمنصب لا يصنع رجل الدولة.
رجل الدولة هو الذي يثبت. بعد الوصول إلى المنصب. أنه كان يستحقه.
أما الوطن. فلا يحتاج إلى مزيد من الضجيج.
الوطن يحتاج إلى سياسة.
وسياسة حقيقية هذه المرة.
سياسة لا تبدأ من السؤال: “كم مقعدًا سنحصل عليه؟”
بل من السؤال: “ماذا سنفعل من أجل المواطن؟”
لا تبدأ من صورة المرشح.
بل من سيرته وكفاءته ونزاهته وبرنامجه.
لا تبدأ من الكرسي.
بل من المسؤولية.
ولذلك. قبل أن يبدأ موسم جديد من النباح السياسي. وقبل أن تمتلئ الشاشات بالوعود والصور والابتسامات الانتخابية. ربما يكون من المفيد أن يطرح المواطن على كل مرشح سؤالًا واحدًا فقط:
ماذا قدمتَ للوطن قبل أن تطلب من الوطن أن يمنحك كرسيًا؟
فإذا كان الجواب برنامجًا واضحًا. وكفاءة. وحصيلة. وأفكارًا قابلة للتنفيذ. فمرحبًا بالسياسة.
أما إذا كان الجواب مجرد صراخ وصور وشعارات وهجوم على الخصوم، فليعذرنا السادة المرشحون…
لقد سمعنا هذا النباح من قبل.
والآن نريد أن نسمع صوت السياسة.
لأن الكرسي قد يكون هدفًا للسياسي. لكنه ليس هدفًا للوطن.
والوطن. في النهاية. أكبر من كل الأحزاب. وأبقى من كل الكراسي. وأهم من كل الانتخابات.
Views: 2







