الحلقة السادسة والعشرون من السلسلة الحوارية من السيرة الذاتية “عيطة ركوب الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي.

جريدة جسر التواصل: على عكس باقي الفنانين “أشياخ فن العيطة”، نجد الفنان “الشيخ الحسين السطاتي” حاضر وبقوة في الملتقيات والصالونات الأدبية، فما السبب في ذلك؟
الحسين السطاتي: فعلا أنا أشارك في الملتقيات والاحتفاليات الأدبية، مهرجانات وملتقيات وندوات ومحاضرات، وتوقيعات كتب، وصالونات أدبية ومعارض للكتاب، بصفتي زجال، وكاتب، قاص وروائي، وبصفتي فنان شعبي موسيقي “شيخ للعيطة”، والعيطة في حد ذاتها هي فن موسوعي متكامل، نجد فيه ما تفرق في غيره، فيه موسيقى وزجل، ومسرح، ورقص.. وفي النص العيطي نجد القصيدة القصة، والأقصوصة، والقصة القصيرة، والقصة القصيرة جدا، والرواية، والحكاية والخرافة..كل هذا نجده في فن العيطة، نجد فيها قصص الحب، وأحداث الحروب ..وعملت على تحويل بعض الأغاني من فن “الشيخات” إلى قصص سردية، كما فعلت في مجموعتي القصصية “العيطة والغيطة”، مثال على ذلك أغنية “ميلودة” التي كتبتها قصة بعنوان “الشيخة والذئاب”، وأغنية منانة” التي كتبتها قصة تحت عنوان ” العشق الممنوع”، و”عيطة العين” من التراث العيطي الفيلالي البلدي، حولتها إلى عمل روائي في أربعة أجزاء طويلة، تحت عنوان “العين الزرقاء”، وصرت أحيانا أحضر رفقة فرقتي الغنائية لتوقيع كتب زملائي الكتاب والشعراء على نغمات فن العيطة، وبهذا اقول أننس ساهمت بإدخال العيطة إلى الصالونات والملتقيات الأدبية، كما أدخلتني هي إلى أماكن راقية لن أدخل إليها لو لم أكن “شيخ للعيطة”.
جريدة جسر التواصل: كنت دركيا ضابطا للشرطة القضائية، والآن أنت فنانا ضابطا للإيقاع وعازف كمان “كومنجي”، للعيطة المرساوية، تُرى أين وجدت ذاتك، هل في الضابطة القضائية أم شيخ للعيطة المرساوية أم في الكتابة الأدبية؟
الحسين السطاتي: في الحقية وجدت ذاتي في الفن الغنائي الذي أعشقه وأشعر أنني أستمتع وأنا أزاوله، وهو فن العيطة ويليه فن الكتابة الأدبية، أعمل وأستمتع، عكس ميدان الضابطة القضائية حيث كنت أعيش المآسي والفواجع مع الناس، ولا أنكر خير إدارة الدرك الملكي، فالوظيفة العمومية هي التي أتاحت لي الفرصة للتكوين والاطلاع في مجال الفن الموسيقي والكتابة الأدبية، حتى صرت الآن متقاعدا دركيا، وفنانا شعبيا، أشارك الناس في الأفراح والمسرات.

جريدة جسر التواصل:ما هو أول كتاب دخلت به عالم القراءة؟
الحسين السطاتي:أنا أصلا ريفي، طفولتي كانت بالبادية، وفي سنوات السبعينيات، كنا ندخل على أربعة سنوات إلى الكتاب “الجامع”، هناك بدأت في تعلم كتابة وتهجي حروف اللغة العربية على يد الفقيه، أما فعل القراءة فبدأته في سن السابعة بالمدرسة العمومية العصرية “مدرسة أولاد خديج” بمنطقة “أولاد عبو” ضواحي أولاد سعيد جهة سطات الدار البيضاء، وكانت لنا كتبا دراسية مقررة ” القراءة، قراءتي، والقرآن” بعد ذلك بدأت أتدرج في الكتابة والقراءة، وفي مستوى القسم الثالث ابتدائي، بدأت أقرأ القصص المدرسية “قصص الأطفال” ومنها سلسلة الاغناء للكاتب المصري محمد عطية الأبرشي الراشدي، ثم المجلات التي كانت بمكتبة القسم ومنها “العندليب والمزمار..”
وفي مستوى الإعدادي بدأت بقراءة القصص والروايات العاطفية الغرامية والمجلات الفنية التي كنا تارة نشتريها أو نكتريها بمبلغ درهم واحد من محل لبيع الفواكه الجافة بمقر القرية.
جريدة جسر التواصل: كيف بدأت علاقتك بالقراءة؟
الحسين السطاتي: بدأت علاقتي بالقراءة في سن مبكرة جدا، تعود إلى بداية وعيي على الحياة في سنوات الطفولة الأولى متأثرا بما سمعته من حكايات وحجايات وقصص من أمي الله يرحمها، أو من “الحلقة” بالسوق الأسبوعي من الحكواتيين رواد الحلقة، سواء منهم فنانين أو كوميديين، وقرأت قصصا ورواياتا كانت بخزانة المدرسة الابتدائية، من هنا تولد داخلي حراك ثقافي استوعب بذرة المطالعة، وبدأت في القراءة الجدية في مراهقتي بدراستي الإعدادية في الاطلاع على المجلات الفنية والثقافية وقراءة الروايات الغرامية العاطفية، ومن هناك كانت الانطلاقة إلى يومنا هذا.
جريدة جسر التواصل: ماذا تمثل الكتابة بالنسبة للفنان الحسين السطاتي؟ وهل اتخذت قرارا بأن تصبح كاتبا؟
الحسين السطاتي: فعل الكتابة هو محاورة دائمة مع الذات الخفية، هو رحلة حميمية مع الأنا العميقة المرتبكة والشفافة والهشة والحركية، الكتابة هي بحث دائم عن الجديد والمتميز، لهز المسلمات وخلخلة المحرم والممنوع، وفتق شرنقة المكبوت واختراق المألوف والعادي وزعزعة الرتابة. أما عن اتخاذي لقرار الكتابة فالكاتب يولد فجأة، لكن ليس في التاريخ الذي كان يتوقعه، فعلا يحتاج إلى قرار بالطبع، أي إلى قدر من الإرادة والتركيز، ومنذ دراستي بالمستوى التانوي، قررت أن أكون كاتبا، قاصا وروائيا ومسرحيا وشاعرا زجالا، منذ قرأت كتب الكاتب المغربي الراحل محمد شكري، الخبز الحافي وزمن الأخطاء. . .
جريدة جسر التواصل:هل تتابع ما ينشر من اصدارات أدبية في العالم العربي والعالم، وما هي قراءاتك الحالية؟
الحسين السطاتي: أتابع ما ينشر من إصدارات أدبية حسب ما تسمح لي به الفرص، وخاصة عند تصفحي لوسائل التواصل الاجتماعي، حيث أركز على المواقع الالكترونية للمجلات الفنية والأدبية، أما عن قراءاتي، فأعيد قراءة روايات الكاتب اللبناني الكبير وفيق العلايلي ومنها تعالى نحرق النجوم، ومن يطفئ النار، وراوية بعنوان “الجم المقدس”، للروائي الروسي الأزبكي موسى تاش محمدوف”، وترجمها إلى اللغة العربية الكاتب ” يوسف عبود”..
جريدة جسر التواصل: هل كل بطلات قصصك ورواياتك نابعات من الواقع المعيش؟
الحسين السطاتي: ليس بالضرورة هناك من يشبهن الخارجات من الواقع، وهناك من صنعهن خيالي، وتوجد اللاتي تم التقاطهن من الواقع ثم أضاف لهن الخيال الكثير، فالأدب ليس مرآة مسطحة تعكس ما يجري في دنيا الناس كما هو، إنما من حق الكاتب أن يرى الشخصية كما يريد أن تظهر له. ففي روايتي “عيطة بيضاوية”، نجد أن “الشيخة مليكة” وصديقتها “سميحة”، كما نجد “نهيلة” بطلة قصتي “هيت الشيخات”، و”ميلودة” بطلة قصتي ” الشيخة والذئاب”، و”حسناء” بطلة روايتي “العين الزرقاء”، هن محض اختلاق حتى وإن كان من الممكن أن تجد شبيهات لهن في التاريخ البعيد أو القريب.
جريدة جسر التواصل: أيهم أقرب إليك، العيطة أم الزجل أم السرد؟
الحسين السطاتي: أجد نفسي فيهم جميعا، أنا متعدد بطبيعتي وأؤمن كثيرا بالتلاقح والتكامل بين الأجناس الأدبية، أستغرب البعض الذي يطالبني بالإخلاص للعيطة والبعض الذي يطالبني بالإخلاص للرواية والقصة أو القصيدة، لكن تعجبني الخيانة الأدبية، أجد فيها لذة ومتعة أن أخون القصيدة مع القصة ومع العيطة. وأحيانا تتحالف القصيدة مع العيطة لتهزما القصة والرواية. لكن الأولى “العيطة” تبقى عزيزة وخاصة لما تزفها إلي “رباعة الشيخات”، وهي سخية وكريمة، والحب في هذا الزمان لصاحبة المال.
جريدة جسر التواصل: لماذا ولمن يغني الحسين السطاتي؟
الحسين السطاتي: أولا أغني لنفسي، أجد ضالتي وسلوتي وراحتي في موسيقى العيطة، أصنع الفرجة، وأمتع نفسي وأهرب من واقعي المرير الذي أعيشه أحيانا ويكاد يخنقني، أتمرد عن واقعي وأحتج بالموسيقى، أعالج نفسي بحضور حفلات وأعراس حيث أشارك الناس أفراحهم، أنسى اضطراباتي وأغذي كبريائي الفني، ثم أغني لجمهوري الذي يحترمني وأحترمه، وأغني لأكسب المال من هوايتي الفنية التي أعشقها.
جريدة جسر التواصل:ما الذي يشدك نحو الرواية وإلى فن العيطة ؟
– جواب : بالنسبة إلى الرواية إنه الهوس إلى البوح كتابة، كلنا لدينا شيئا ما لنقوله للآخرين، ولكن كيف وبأي وسيلة هنا يختلف الموضوع، لذلك وجدت راحتي في البوح وضالتي في كتابة الرواية لأنها فضاء فسيح، وبصفتي فنان شعبي شيخ للعيطة، أعتبر الرواية عيطة صامتة، صرخة بالحبر على الورق.
جريدة جسر التواصل: بصفتك فنان شعبي مغني “شيخ للعيطة”، وكاتب روائي وقاص، فهل يا ترى المغرب ينصف فنانيه من المغنين والكتاب؟
الحسين السطاتي: أعتقد في جميع دول العالم يجب على الفنان أن ينصف نفسه بنفسه، ويجد ويجتهد ويطرق الأبواب، ثم من بعد يمكن تكييفه بأنه جد واجتهد وعمل جيدا ولم يتم إنصافه، لكن أن نقول الفنانين مظلومين، فهذه عبارة كبيرة وغير صحيحة، لا يمكن من أعجبه صوته وغنى أو رسم أو نحث، أو كتب.. تعطيه الدولة الأموال وتنصفه ماديا، هناك الجمهور هو المعيار الحقيقي لتنقيط الفنان، هناك المستمع والمشاهد والقارئ، وهناك ذكاء الفنان الذي يقوده إلى البحث عن الإنصاف..
جريدة جسر التواصل: نشرت لك إحدى الجرائد المغربية، الجزء الأول من كتابك سيرة روائية بعنوان “عيطة دموع الخيل”، كيف كان تفاعل القراء مع هذا الكتاب، وهل هناك من كتاب ثاني لسيرتك الذاتية؟
الحسين السطاتي: فعلا لقد نشرت لي جريدة “جسر التواصل” الالكترونية المغربية، الجزء الأول من سيرتي الروائية “عيطة دموع الخيل”، خلال شهر رمضان المةافق لشهر أبريل سنة 2023، وذلك عبر حلقات طيلة الشهر الكريم، وكان هناك تجاوب رائع وتفاعل كبير من طرف الجمهور الكريم عبر الفايسبوك، ونشرته كدلك جريدة الصباح المغربية في سلسلة حلقات، وقد تواصل معي فنانين ومخرجين سينمائيين ونوهوا بالعمل، وإن شاء الله سأعمل على أن تتحول بعض كتاباتي إلى أعمال درامية سينمائية إن شاء الله، وهذا بالنسبة لي يبقى حلما سأعمل جاهدا حتى يتحقق.
جريدة جسر التواصل: أنت فنان شعبي “شيخ للعيطة”، هل كتبت الرواية لأن لك خطابا تريد تمريره؟
الحسين السطاتي: طبعا، أنا أكتب من أجل الكتابة من أجل أن أعالج وأتطهر، وأنقل للقارئ ما اشعر به، وأشاركه أوجاعي وأفراحي ، وحتى وأنا أعزف الكمان “الكمنجة” وأغني مع الفرقة الغنائية “رباعة الشيخات” أمرر خطابات ورسائل عبر الأغنية العيطة، وهي وسيلة ناجعة لتبليغ البرقيات إلى المتلقي، سواء بطريقة مباشرة أو خفية، وفي ميدان الكتابة لي خطابات متعددة أريد تمريرها ، بحكم تجربتي الحياتية بصفتي “دركي متقاعد”، كنت ضابطا للشرطة القضائية والعسكرية، وضابطا للشرطة التقنية العلمية، وضابطا مكلفا بالأحداث، وضابطا مركزيا للأبحاث، وتقني التشخيص الجنائي، عملت نشيطا بحقل الضابطة القضائية بقرى ومدن مختلفة بالمملكة، وكان لي عظيم الشرف أنني ساهمت في محاربة الجريمة، وتلك كانت مهنتي وكنت أتقاضى أجرة شهرية عن ذلك، وبفعل الكتابة أغوص في مواضيع اجتماعية متفشية في المجتمع، كالرشوة والمحسوبية والزبونية والفساد والدعارة وزنا المحارم والاغتصاب والهذر المدرسي للبنات والاستبداد السياسي، وأعتبر كتاباتي نضال من أجل حقوق مسلوبة، وأحيانا ما عجزت على محاربته في الواقع أحاربه في الكتابة.
جريدة جسر التواصل: ما العمل الفني الموسيقي والأدبي الذي حقق لك الإشباع الكامل كالحسين السطاتي الانسان؟
الحسين السطاتي: أعمالي الموسيقية والأدبية أحبها وأجد فيها إشباعا، لكن أعز أغنية عندي هي أغنية صرخة مدمن الخمر، كتبتها ولحنتها تحت عنوان “الكاس ما لقيت دواه”، فهي تعالج ظاهرة الإدمان على شرب الخمر، وبحكم تجربتي البوليسية الدركية عشت أحداثا دموية ومآسي مع عائلات دمرها الخمر وشتت شملها، ومنهم بعض أصدقائي الدركيين وبعض الفنانين، أما في الكتابة الأدبية، أجد روايتي بعنوان “عيطة بيضاوية”، التي كتبتها في أربعة أجزاء، قضيت في كتابتها مدة ستة سنوات تقريبا، وقد وضعت بين صفحاتها الكثير من آلامي وأوجاعي، وحتى بطل الرواية أعطيته اسم “الحسين السطاتي”، أما عن فن العيطة فأفتخر وأعتز أنني أعدت كتابة “عيطة العين” في قصيدة عاطفية من مائة وأربعين بيتا زجليا، ومزجت في لحنها بين الإيقاع المرساوي والإيقاع الفيلالي البلدي، وغنيتها في أعراس وملتقيات أدبية ونالت إعجاب الجمهور، ونقلتها إلى عمل أدبي روائي طويل، في أربعة أجزاء تحت عنوان “العين الزرقاء”.
جريدة جسر التواصل: أي صورة اتخذتها المرأة عموما في أعمالك القصصية والروائية؟
الحسين السطاتي: تنوعت صورة المرأة في أعمالي الأدبية السردية، منها رواياتي وقصصي..كما هو موجود في الحياة أو الواقع، وحتى بعض النساء اللاتي اختلقتهن في بعض أعمالي السردية النازعة إلى الخيال والتي تصنف ضمن “الواقعية السحرية”، أو “الواقعية الروحية”، كانت للنساء أدوارا مختلفة وهذا أمر طبيعي، صورة المرأة لذي دائما كانت ايجابية فأنا لا أكتب من منطق عدائي للمرأة، وإذا كانت بعض بطلات قصصي ورواياتي سيئات أو سلبيات، فإن هناك رجالا سيئون كذلك، ففكرة الانسان الكامل في الأدب لن يصدقها أحد، وقد تحول الأدب إلى نوع من الوعظ الأخلاقي، أو منشور لبث الكراهية أو للانتقام، وهذا أعتبره نوع من الحماقة في الكتابة.
جريدة جسر التواصل: إلى أي حد استطعت أن تعبر عن مشاعر المرأة في أدبك؟
الحسين السطاتي: حاولت أن أجعل بطلاتي يفكرن بالطريقة التي تلائم النساء المغربيات، وهذه مسألة صعبة، فالرجل قد لا يكون بوسعه أن يقف على كل دواخل المرأة ولنقل من زاوية بيولوجية أن الذكر قد لا يتأتى له إلمام تام بمشاعر الأنثى وأحوالها، وأعتقد بأن بعض هذه المحاولات قد نجحت. فمنذ أن كان سني أربعة عشر سنة تقريبا وأنا أعمل ضمن فرقة موسيقية لفن العيطة “رباعة الشيخات”، وأعرف كيف هي حياة هؤلاء النساء “الشيخات”، الفنانات صانعات الفرجة والناشرات للفرح، عشت معهن عن قرب، وعرفت ما يعانينه من نبذ وتنمر، لهذا تجد “الشيخات” دائما حاضرات في قصصي ورواياتي ومقالاتي .
جريدة جسر التواصل: مواهبك عديدة فأنت فنان شعبي “شيخ للعيطة” عازف كمنجة “كومنجي” ومغني لفرقة موسيقية “رباعة الشيخات”، وكاتب قاص وروائي ومسرحي وشاعر زجال، فهل في نظرك الفنان الحقيقي هو من يتمتع بمواهب عديدة؟
الحسين السطاتي: لا أبدا، وأعتقد أي إنسان له هوايات فنية معينة فقط هو الذي لا يريد صقلها، أما أنا والحمد لله فهواياتي أغلبها تتعلق بالفن وإذا أخذنا فن العيطة لوحده فهو موسوعة أدبية، فيه الأقصوصة والقصة والقصة القصيرة والرواية، والحكاية، والخرافة،، والمسرح والشعر والموسيقى والرقص، إذن فأنا أجد ذاتي في كل مواهبي وهواياتي، وكل واحدة تكمل الثانية.
جريدة جسر التواصل: قيل أن الشعر يرتبط بالرجل والرواية تلح على المرأة، أين الحقيقة في رأيك وقد اقتربت من كليهما؟
الحسين السطاتي: من حسن الحظ أنه لا جنس للأدب، فالشخص كما كان جنسه له ملكة الحكي ونظم الشعر، وكليهما مرتبطان ببعضهما، كلنا رواة، وكل واحد على البصيرة يحكي ويروي، ولكل طريقته في الحكي، وكل فرد شاعر، نختلف فقط في من ينمي هذه الهوايات لديه ومن يمتهنها ويحترفها. وأعتقد أن المرأة خير من يكتب عن المرأة، لهذا فبصماتها في الكتب التي تتناول هموم بنات جنسها كبيرة وعميقة، لأنها ماهرة في وصف وتوصيف وتحديد ملامح الملامح المرأة الذاتية، وبصفتي فنان شعبي “شيخ للعيطة”، قد أنقل ما يجري في حفلة غنائية بخيمة بالبادية رفقة “رباعة الشيخات”، أصف ما يدور داخل الخيمة وأنا العازف عن الكمان “الكومنجي”، قد أصف في كتابتي رقص “الشيخة” وحركاتها وتعاملها مع الجمهور، لكني قد أعجز عن وصف مشاعرها وأحاسيسها في لحظة تنمر عنها من طرف الجمهور، فحين يكتب الرجل عن المرأة نجده يقيم وضعها الاجتماعي في ظل هيمنة ذكورية، فيكتب عن خطوط الواقع العريضة، من ظلم وحرمان وتسلط وسيطرة وسيادة، من دون القدرة على اقتحام دهاليز عالم المرأة الخفي والسري، الذي لا تملك غير المرأة شفيرة الدخول إليه. يمكنني وصف المظهر الخارجي للمرأة وما أراه في ملامحها وحركاتها، لكني لن أصف أحاسيسها ومشاعرها الأنثوية أكثر منوصف المرأة الكاتبة لها، مهما حاولت التطفل على ذلك.
جريدة جسر التواصل: ما سر تسمية الجزء الأول من سريتك الروائية بعنوان”عيطة دموع الخيل” بهذا العنوان؟
الحسين السطاتي: أنا شيخ للعيطة، مغني وكمنجي، أعشق هذا الفن، وفن العيطة له صلة وطيدة بفن الفروسية التقليدية “التبوريدة” بمعنى له علاقة بالخيل والخيالين، والعيطة هي نداء، غناء للبوح بالوجع، وهي طريقة للاحتجاج كي يسمع صوت المغني أولا وليسمع صوت الشعب، صوت المقهور المظلوم، كذلك الشأن بالنسبة للخيل هي مخلوقات لها عز ونخوة ونظرة جميلة، تخدم الانسان وتتعب وتتألم لكنها لا تشكوا ولا تتذمر، أحيانا نرى في عينيها دموع وهي صامتة، كذلك الشأن بالنسبة لسيرتي الروائية فهي تحمل في طياتها محن وعذابات وتجارب حياتية قاسية كما تحمل أفراحا ومسرات، قد تجدني أعزف الكمان وأغني في العرس أصنع الفرجة والفرح بين الناس وفي قلبي هموم وأوجاع وبداخلي دموع تخنقني لكن من يراني أبتسم وأغني يحسبني سعيدا، وأردت أن يعرف جيلنا والجيل القادم عن تجربة عشتها قد يستفيد منها الشباب، أو يجد باحث ضالته فيها.
جريدة جسر التواصل: لكل فنان مبدع ومنه الموسيقي والمغني ..طقوس معينة لدى ولوجه عالم الإبداع، فكيف تحدد طقوسك؟
الحسين السطاتي: بالنسبة لفن العيطة فهي قصائد تراثية خالدة مغناة منذ عشرات السنين، وأنا أعيد تنقيحها، قد أنقص وأزيد في القصيدة الأم، وحسب تطور العصر فصرنا نقزم ونقسم العيطة الواحدة إلى أجزاء، للحفاظ على العيطة من الاندثار، وحتى تصير محببة لدى الشباب، أما عن الأغنية الشعبية، فأنا أختار مواضيعي الاجتماعية أو العاطفية، حسب الحالة المزاجية التي أكون فيها، فمثلا قد أكون في حصة رياضية أتمشى على شاطئ البحر أو وسط الغابة، وأبدع لازمة أغنية، وقد ألحنها هناك فأستخرج جهاز هاتفي النقال وأسجل اللحن والكلمات، وعندما أعود إلى البيت، أحمل آلة الكمنجة وأعيد عزفها وغنائها، وإكمال القصيدة.
جريدة جسر التواصل: كيف تتكون لدى الحسين السطاتي الرغبة في الكتابة؟
الحسين السطاتي: تتولد لدي رغبة الكتابة حينما تغمرني موجة أحاسيس مختلطة، منها الإحساس بالسأم واللاجدوى، والإحساس بعدم التوازن، والإحساس بالمرارة والإحباط، والإحساس بالإفلاس، أما الأفراح والمسرات والأعراس فتفتح لذي الشهية للحياة وليس للكتابة.
جريدة جسر التواصل: ما الهوية المفضلة لديك “الأجودان” كمتقاعد دركي أم فنان شعبي “شيخ للعيطة” أم كاتب قاص وروائي أم شاعر أم حلاق؟ ولماذا؟
الحسين السطاتي: شخصيتي تجمع كل هذه الشخصيات التي ذكرت، لكن أحب شخصية إلي هي الفنان الشعبي “شيخ العيطة”، لأنه يجري في إسعاد الناس، يغني ويعزف الموسيقى ويصنع الفرجة، ويجعل الناس ينسون همومهم ويمرحون ولو للحظات أمامه، وهو الذي يؤدي أمانته بإخلاص دون غش ولا خيانة للأمانة. وبدون تقصير في الواجب المهني.
جريدة جسر التواصل: كيف يستطيع الحسين السطاتي أن يجمع بين موسيقى العيطة والكتابة؟
الحسين السطاتي: العيطة فعلا هي عمل أدبي، وكما سبق وذكرت، فيها الشعر والقصة والرواية والحكاية والخرافة والمسرح، بطريقة مغناة موسيقيا، والكتابة بالنسبة إلي هي “عيطة” صامتة، لذلك الواحدة تكمل الثانية، والكتابة بالنسبة إلي ملجأ أختبئ فيه من نوبات القلق وأهرب إليه كلما أحسست بضيق من هذه الحياة.
جريدة جسر التواصل: كثيرة هي الكتابات التي تناولت موضوع “الشيخة”، فما هي إذن الإضافة النوعية التي يقدمها الحسين السطاتي في رواياته ومنها: رواية “عيطة بيضاوية” ورواية “العين الزرقاء عيطة العين”؟
الحسين السطاتي: موضوع الشيخة هو موضوع دسم للكتابة وللسينما، وقد تطرقت بعض الكتابات والأفلام إلى موضوع الشيخة، وتناولتها أفلام ومسلسلات في الدراما المغربية، لكن روايتي “عيطة بيضاوية” فقد عالجت فيها موضوع الشيخة بطريقة جريئة، كتابة مباشرة، تعري المغطى وتفضح المسكوت عنه في عالم فن “تشياخيت”، حيث تعمل الشيخة كفنانة مغنية وراقصة، وبائعة هوى، ووسيطة في البغاء قوادة، ومخبرة لرجال السلطة، لتصبح سيدة أعمال محترمة، وذلك بصفتي “شيخ للعيطة” رئيس فرقة غنائية “رباعة الشيخات”، ممارس لهذا الفن وأعيش قريبا من الشيخة وعلى دراية تامة بما يجري في الكواليس، وأصف ما يقع بعين الباحث المحقق ضابط الشرطة القضائية بحكم تجربتي السابقة كدركي متقاعد عملت في مستنقع الضابطة القضائية، وفيما يخص روايتي “العين الزرقاء”، فقد اقتبستها من “عيطة العين” وهي عيطة بلدية فيلالية صحراوية وتناولت فيها موضوع الشيخة، فالبطلة “حسناء” هي سليلة أسرة أغلب نساءها “شيخات”، أمها البيولوجية الحقيقية “حنان” شيخة” وأختها “خدوج” شيخة، وجدتها الغالية” شيخة”، ونقلت للقارئ حياة “الشيخات” بكل صدق وأمانة. وأتمنى أن تنقل رواياتي إلى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية.
جريدة جسر التواصل: روايتك “عيطة بيضاوية” هل تحكي عن تجربتك الشخصية؟
الحسين السطاتي: لا يمكن لأي مبدع أن يلغي ذاته عن إبداعه، فقط تتفاوت النسبة من مبدع لآخر، ورواية “عيطة بيضاوية” رواية طويلة، كتبتها في أربعة أجزاء، هي تحكي أحداث عشتها وعايشتها، إضافة إلى أحداث متخيلة، وهي انعكاس صادق لما كان يخنقني وما كان جئتما على صدري، وأنا سعيد جدا وفخور بهذا العمل وهو الأقرب إلى نفسي، لأنها كان بمثابة جلسات علاج نفسي “تيرابي” وتطهر من آلام وآثام كانت توجعني وتخنقني.
جريدة جسر التواصل: كيف خطرة ببالك فكرة أن تعنون روايتك بعنوان “عيطة بيضاوية”؟
الحسين السطاتي: هناك عدة اعتبارات جعلتني أختار عنوان ” عيطة بيضاوية” لعملي الروائي الأول وقد كتبته كما قلت لك في أربعة أجزاء طويلة، منها أنني فنان موسيقي “شيخ للعيطة” مغني وعازف كمنجة “كومنجي”، ضمن مجموعة غنائية “رباعة الشيخات”، وأزاول فن “العيطة المرساوية” الذي اشتهرت به مدينة الدار البيضاء ونواحيها، وأحداث الرواية أغلبها تدور داخل مدينة الدار البيضاء، ومن ناحية أخرى فالعيطة تعني النداء والصرخة والندبة، والاحتجاج والتمرد، وهذا كله تناولته في كتابتي لهذه الرواية فالدار البيضاء تصرخ وتحتج وتعيط، من جراء الفساد الإداري والأخلاقي والتلوث البيئي.
جريدة جسر التواصل: لقد جلدت كثيرا إدارة الدرك الملكي في عملك الروائي “عيطة بيضاوية”، وإذا رفعت ضدك إدارة الدرك الملكي شكاية في شأن الإساءة إلى هذا الجهاز، ما ردة فعلك؟
الحسين السطاتي: أنا دركي متقاعد برتبة “أجودان”، لقد عملت بهذا الجهاز الأمني والعسكري لمدة سنين من عمري، كنت ضابطا للشرطة القضائية والعسكرية، وضابطا للشرطة الإدارية وضابطا للشرطة التقنية العلمية، وضابطا مركزيا للأبحاث، وضابطا للشرطة الإدارية، وتقنيا للتشخيص الجنائي الإجرامي وحاصل على الشهادة العليا للدرك الملكي، وعملت مدربا عسكريا ومدرسا للشرطة التقنية العلمية والشرطة القضائية للتلاميذ ضباط الصف الدركيين، كل هذه شواهد حصلت عليها، وعملت بها في مهام بحثية تكلفت بها، وعملت بقرى ومدن مختلفة عبر المملكة، وأعرف تكييف نوعية الجرائم كما أعرف سير وأطوار المحاكمات القضائية، أنا مخلص للتا لوت المقدس “الله، الوطن، الملك”، وابن بار لإدارة الدرك الملكي، فضحت بعض الدركيين المجرمين من ضباط وضباط الصف، ولم أذكرهم بأسمائهم الحقيقية في كتاباتي، وها أنت ترى وتسمع عدد الدركيين المحكوم عليهم بجرائم مختلفة يعد بالعشرات، وبصفتي كمثقف كاتب أريد أن أساهم في تطهير هذا الجهاز وتنقيته من الشوائب والجرائم والمجرمين العاملين بهذا الجهاز الكبير الشريف، دائما في أي مهنة هناك صالح وهناك طالح، هناك ذو النفوس الضعيفة، وهناك إجرام “حاميها حراميها”، فإذا لم أكتب أنا الذي عشت هذه التجارب، عشت وسط العصابات الأخطبوطية فمن يا ترى سيكتب عنها، أتنتظر أن يكتب الطبيب عن جرائم تجارة المخدرات وجرائم الاغتصاب والقتل والفساد الأخلاقي بتفصيل. وتكثيف دقيق؟ أتنتظر أن يكتب النجار والخضار والجزار عن جرائم القضاة داخل المحاكم، وجرائم “الأجودانات” داخل المراكز الدركية، وجرائم “الكولونيلات”، بما في ذلك التستر على المجرمين والاتجار الدولي في المخدرات وإفشاء السر المهني وغيرها من الجرائم البشعة التي تنخر المجتمع وتدمر الشباب، وتشتت شمل الأسر، ليغتني هؤلاء المسؤولين المجرمين، وأنا شخصيا كنت “أجودان” واحدا داخل هذه العصابات الإجرامية، لذلك أعطيت لاسم بطل هذه الرواية اسمي الفني “الحسين السطاتي” لأني أعرف أنه لا أحد يمكنه أن يعري هذه العصابات الإجرامية كما عريتها، ومن جهة أخرى فعملي “عيطة بيضاوية” هو عمل أدبي متخيل يعني من وحي الخيال يجمع بين الواقع والخيال، ولا يمكن محاسبة أو محاكمة كاتب على شخصيات وحوارات ورقية هلامية متخيلة. ومن الضروري أن يتناول الكاتب قضية أو قضايا ما، تخاطب عقل القارئ وتجعله يدرك ما يدور حوله من مستجدات، لا أن يقوم بتخديره وإبعاده عن تفاصيل واقعة مهما تكن قاسية ومريرة، ومهما تكون ضريبة الإفصاح عنها وفضحها، وبصفتي مدربا عسكريا حربيا متقاعد.. فأنا مستعد للحرب مع أي جهة وعلى أي جبهة في سبيل إظهار الحقيقة وتوعية الناس والدفاع عن الكرامة وعن الإنسانية، وحينما أكتب أعتبر نفسي في جلسة علاج نفسي، أتطهر من أوجاعي ومن كل ما يخنقني، وما عجزت عن محاربته في الواقع وأنا ضابط للشرطة القضائية أحاربه الآن وأنا كاتب وشيخ للعيطة المرساوية، وتبا للمجرمين.
جريدة جسر التواصل: بعيدا عن الكتابة، بصفتك فنان شعبي مغني وموسيقي عازف كمان “كومنجي” لفرقة موسيقية “رباعة الشيخات”، فهل هناك فرق بين فن “الشيخات” العربي، وفن “الشيخات” الأمازيغي الأطلسي ؟
الحسين السطاتي: ربما كان الفرق قديما، أما منذ وعيت وعملت مع المجموعات الغنائية “ربايع الشيخات”، يبدو لي أنه ليس هناك فرق، كلنا فنانين شعبيين، وتجمعنا عدة قواسم مشتركة، منها أننا نزاول فنا شعبيا مغربيا، فنا بدويا رعويا، ننتمي إلى العالم القروي، إخواننا الأمازيغ بمنطقة “زيان” والنواحي بالأطلس المتوسط، ونحن العرب “العروبية” كما يقال، ننتشر كذلك بمناطق مختلفة بالمغرب، كسهل الشاوية ورديغة وسهل دكالة وسهل الحوز، كلا الصنفين نعمل بالمجموعة المختلطة الرجال “الأشياخ” والنساء “الشيخات”، كثير من ممارسي فن “الشيخات “بالدارجة العربية، يغنون أغاني أمازيغية ونفس الشيء أغلب الفنانين “أشياخ الأمازيغ” يغنون الأغاني الشعبية وفن العيطة، وتوحدنا كذلك الرقصات حيث أغلبها مأخوذة من رقصات الحيوانات والحشرات في الغابة،وحركات وتنقلات الفلاحين خلال مزاولتهم لأعمالهم الفلاحية، وأقد أبدع الفنانون الأمازيغ في فن العيطة والأغنية الشعبية من أمثال الراحلين “حمو أوليزيد، والفنان بناصر بلغازي، والفنان بناصر أوخويا، والفنان رويشة محمد، والفنان مصطفى العكري، والفنان حمي عاشور رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته، ومن الفنانين الأمازيغ الحاليين هناك رائد الأغنية الشعبية والعيطة والأمازيغية الفنان الكبير عبد العزيز أحوزار، والفنان المصطفى أومكَيل، والفنان عزيز خير، والفنان لحسن لخنيفري، والفنان حوسى منصوري،والفنان ميومون أورحو، والفنان أوشطين، واللائحة طويلة كلهم أتقنوا الفن الشعبي باللغتين الدارجة المغربية العربية العامية وباللغة الأمازيغية، أما بالنسبة للرقص فنجد فنانات “شيخات” أمازيغيات أبدعن وتميزن بروعة إبداعهن في الرقص بلوحات فنية رائعة، أذكر على سبيل المثال: الشيخة هدى، والشيخة مونية، والشيخة فاتي دوكا، والشيخة سعاد، والشيخة يامنة، وغيرهن، كما نجد مجموعة من الفرق الموسيقية “ربايع الشيخات” ممن يتكلمون الدارجة العامية صاروا يغنون أغاني أمازيغية، وبهذا نحن نكمل بعضنا البعض.
جريدة جسر التواصل: أنت رئيس فرقة موسيقية “رباعة الشيخات” كيف يتعامل الرجال الأشياخ مع زميلاتهم الشيخات في الفرقة الغنائية؟
الحسين السطاتي: نعيش داخل الفرقة الموسيقية الغنائية “رباعة الشيخات” كالإخوة والأصدقاء، كل واحدة وكل واحد حسب ثقافته وتربيته، تجمعنا علاقة عمل فني وعلاقة صداقة، وكأننا عائلة واحدة، مثل ما يعامل الإخوة بعضهم، نتواصل مع بعضنا ونساعد بعضنا البعض، وهناك ببعض المجموعات الغنائية “ربايع الشيخات” من يعمل بها الزوج وزوجته.
Views: 61
























