الحلقة الخامسة عشر من السلسلة الحوارية من السيرة الذاتية “عيطة ركوب الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي.

جريدة جسر التواصل: ما الذي ينقص الساحة العيطية المغربية، وما أصعب ما يواجهه الفنان “شيخ وشيخة العيطة” المغربية اليوم؟
الحسين السطاتي: ينقص فنانو العيطة “أشياخ وشيخات” الثقافة الفنية، لكي يلعبوا أدوارا فعالة، أدوارا طلائعية وحقيقية في التواصل بين الأجيال وتأطير أنفسهم والدفاع عن حقوقهم بعدما يعرفون واجباتهم، وعليهم أن يؤطروا ويشحنوا الجيل القادم بما هو ايجابي عن هذا الموروث الثقافي اللامادي، هذا التراث اللامادي، الكنز المشترك بين جميع المغاربة، وأن يوضحوا لهم معالم طريق فن العيطة و”حرفة تشياخيت”، بما في ذلك ايجابياتها وسلبياتها، وسبل النجاح فيها، وأن يشجعوهم ويمنحوا لهم فرصة الظهور، لأن شاب اليوم هو شيخ الغد، علينا أن نرتقي بفننا الموسيقي الغنائي، هذا الإرث الفني المشترك بين المغاربة، وذلك بإقامة المجالس الفنية والحفلات والمهرجانات التي يتربى فيها الصغير ويتعلم ويتغذى منها الكبير، وينقص الفنانين “أشياخ وشيخات” اليوم معرفة لغة العصر وطريقة التواصل الحديثة، والتفاعل المستمر المتواصل مع طريقة الحياة الجديدة. ينقص “الأشياخ والشيخات” اليوم التكتل في صرح نقابي جاد ومجتهد ومناضل يدافع عليهم ويحميهم، ويجب عليهم أن يعرفوا أن المسابقات والمهرجانات ونسب المشاهدة على التواصل الاجتماعي ليست مقياس للنجاح بل النجاح الحقيقي هو القدوة الحسنة والمثال النموذجي للفنان العيطي، ينبغي علينا نحن الفنانين “الأشياخ والشيخات” أن نعطي المثال للأجيال القادمة، بالتأثير الايجابي والفاعلية والخلود لأعمالنا عبر الزمن كما خلدت “عيوط زمان” التي أبدعها أجدادنا وأسلافنا منذ قرون مضت.، ينقص” أشياخ وشيخات” اليوم ما ينقص الثقافة بشكل عام أن تصر على أنها إبداعا إنسانيا وليس سوقا محكوما بالقوانين التجارية من عرض وطلب، ينقص “الأشياخ والشيخات” أن يراهنوا على الإبداع وأن ينتصروا على التفاهة والابتذال.
جريدة جسر التواصل: تعد من الفنانين العيطيين “الأشياخ” المخضرمين الذين حافظوا على هويتهم الفنية وأصالة ما يقدمونه، رغم الموجة الشبابية التي اكتسحت الساحة الفنية في الآونة الأخيرة، ما السر الكامن وراء ذلك؟
الحسين السطاتي:: سأظل وفيا لفن العيطة ما حييت في طابعه الكلاسيكي لكن بمعدات وآلات جديدة حديثة، ونصوص أنقحها؛ أحذف منها وأضيف إليها، وسأحافظ على الهوية العيطية الكلاسيكية المغربية، سواء في النظرة العامة للفرقة العيطية “الحطة” بما في ذلك اللباس التقليدي وأصالة المتون العيطية وروعة الرقصات، وأعمل كما عملت على إدخال العيطة في جميع أعمالي الإبداعية الروائية والقصصية والشعرية..
جريدة جسر التواصل: تزداد نسبة التنمر على بعض الفنانين ومنهم “الأشياخ والشيخات” سواء في الواقع أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كيف تصف هذه الظاهرة؟
الحسين السطاتي: هذه سنة الحياة دائما هناك أوغاد وأنداد وهناك أشرار ومسيئين، ليس في الفن فحسب وإنما في سائر ميادين الحياة، فالنفس البشرية أمارة بالسوء، أولا يجب علينا أن لا نرد الإساءة بالإساءة، فإذا فعلنا ذلك متى ستنتهي الإساءة، على الفنان العيطي “الشيخ أو الشيخة” أن يتق في نفسه وفيما يقدمه، وأن يتواصل مع الناس بعقلانية ودبلوماسية الفنان المحترف، ويتجاهل الإساءات السطحية، أما إذا كانت الإساءات مباشرة وجارحة ومبالغ فيها من طرف الشخص المسيء، فعليه أن يلتجأ إلى القضاء، فهناك قضاء وهناك عدالة، أما إذا كانت الإساءة سطحية فلا يبالي بها . وأنصحه بأن يتجنب العنف، فالعنيف دائما خاسر، سواء مع نفسه أو مع الآخر ومع الله. أقول للفنان المتنمر عليه، سامح فأنت الرابح..والنخلة المثمرة هي التي تقذف بالحجارة.
جريدة جسر التواصل:أنت من جيل السبعينات، فكيف تتعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي، وإلى أي مدى خدمتك من الناحية الفنية؟
الحسين السطاتي: أحمد الله وأشكره أنني عشت مع أجيال سبقتنا، جيل الستينيات والسبعينيات والثمانينيات..وها أنا اليوم أعيش مع هذا الجيل، عشت مع نقلة موسيقية مع، لفة الفونغراف”تورنوديسك”، وشريط الكاسيت السمعي، والسمعي البصري شريط الفيديو، والمذياع، والتلفزيون، والقرص المدمج، وغيرها.. وها أنا اليوم أواصل الموسيقى عبر المحملات الإلكترونية والرقمية، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، إنها فورة الرقمنة والمكننة، وأتواصل يوميا بين فينة وأخرى مع الجمهور الكريم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بطلات خاطفة، وهذا شيء جميل يحسني أنني فنان موجود ومتواجد على الساحة الفنية ولي جمهور، كفنان شعبي “شيخ للعيطة” وكاتب قاص وروائي وشاعر زجال..كما أنني أنشر إبداعاتي الفنية الموسيقية والأدبية السردية، وأتفاعل مع تعليقات وانتقادات الجمهور كيفما كانت، سواء كانت ايجابية أو سلبية فهي تساهم في تصحيح أخطائي، وتطوير فني وقدراتي المعرفية وتقوية شخصيتي.

جريدة جسر التواصل: كيف ساعدت فورة التواصل الاجتماعي في جعل العيطة ذائعة الصيت؟
الحسين السطاتي: الحمد والشكر لله على نعمة العلم والتقدم التكنولوجي، فالانترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي سهلت مأمورية التواصل بين الفنانين عن بعد، وتسويق الإنتاج الفني، وسهولة الحصول على المعلومة الموسيقية وتسجيل السهرات المباشرة التي تطوف العالم عبر شاشات هواتف نقالة مباشرة بالصوت والصورة من موقع الحدث الاحتفالي، وهذا ما جعل فن العيطة يحظى بإشعاع قويا.
جريدة جسر التواصل: كيف كانت مشاركتك في مهرجانات الشواطئ، وإلى أي مدى كان مهما مثل هذه المهرجانات؟.
الحسين السطاتي: كانت تجربة رائعة وناجحة بكل المقاييس، وقعت عقدا مع شركة “اتصالات المغرب”، وأحييت سهرات فنية موسيقية صيفية على شواطئ البحر، وقمت بتواصل مباشر مع الجمهور ومع ناس الإعلام، والأجمل في ذلك اتصالي وتواصلي المباشر مع بعض الدركيين العاملين على الشواطئ المكلفين بمهمة حفظ النظام، ومنهم من كانوا تلامذتي، كانت لحظات سعيدة وأمسيات ناجحة، وكان الارتياح والبهجة بادية على الجمهور وعلى الفنانين المشاركين في هذا العرس البحري الكبير.
جريدة جسر التواصل: صرنا نشاهد في السنوات الأخيرة كثرة المهرجانات الفنية الغنائية وخاصة في فترة الصيف، وتستحود فيها الأغنية الشعبية والعيطية على حصة الأسد ما ردك عن هذا؟
الحسين السطاتي: الحمد لله وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن البلد يعيش في أمن وأمان وسلام، ويسير في نمو في جميع الميادين والقطاعات الحيوية، كما يدل على أن وزارة الثقافة والتواصل والجهات الوصية تقوم بعملها وتولي اهتماما للفنان المغني.. وكما يقول المثل المغربي “الكرش ملي تشبع تتقول للراس غني”، والله يدوم علينا نعمة الأمن والسلام والأفراح وليالي المهرجانات..هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فهي ظاهرة صحية للجسم الفني الغنائي، تساهم في الرواج الاقتصادي والاجتماعي، والترويح عن النفس، والتواصل الاجتماعي، وهي فرصة للعمل لمجموعة من الفنانين، وكذا فرصة لاشتغال عدد من العاملين الملحقين بهذه المهرجانات، لكنني أتمنى أن يتم الاهتمام بأكبر عدد من الفنانين الموسيقيين والمغنيين ولا يتم التركيز على فئة معينة هي التي تستفيد كل سنة من هذه التظاهرات الفنية. أما عن الأغنية الشعبية والعيطية، فهي المطلوبة أكثر وهي التي تجمع أكبر عدد من المتفرجين والمشاهدين سواء بطرقة مباشرة أو غير مباشرة.
جريدة جسر التواصل: ما هي أعظم لحظة فنية مهنية في حياتك حتى الآن؟
الحسين السطاتي: اللحظات الجميلة كثيرة، الحمد لله وشكر له على كل حال، أعظم لحظ أتذكرها وأنا أغني في عرس أمام زوجين حبيبين، وأنا الدركي محرر مسطرة علاقتهما غير الشرعية وبحثت فيها ونجحت القضية، واللحظة التي كنت أعود فيها من العمل في إجازة وتعانقني أمي في شوق وحنان رحمها الله وأسكنها فسيح جناته.
جريدة جسر التواصل: إذا سنحت لك الفرصة لمقابلة الفتى “الحسين السطاتي” الذي يبلغ من العمر اثني عشر سنة ماذا ستقول له؟
الحسين السطاتي: أقول له لا تكره شرا لعله خيرا لك، وجد واجتهد وتوكل على الله، وواصل مسيرتك الحياتية، فإن الحياة ستوجهك إلى الطريق الصحيح ولا تخف من الغد إنه بإذن الله، حافظ على صحتك، وأحسن علاقتك مع الله، غامر وجرب، توكل على الله وعش يومك بسعادة، فكل مر سيمر، عش كل لحظة كأنها آخر لحظة في حياتك، عش بالأمل وبالحب وقدر قيمة الحياة، وأقدم له التحية المدنية والعسكرية، احتراما وتقديرا وتبجيلا لصموده وشراسته في الحرب مع الحياة، أقول له أنت بطل، صارعت الحياة بما فيها من أوغاد ومجرمين.. ومازلت تصارع وتحارب وتعزف الموسيقى وتغني وتبتسم ..يجب أن تفتخر بنفسك.
جريدة جسر التواصل: هل تخاف تقدم العمر، وهل تنتهي لياقة العيطة عند سن معينة؟
الحسين السطاتي: كلا، لا أخاف تقدم العمر، ولا أخاف حتى الموت، وخاصة أنني في الخمسينات لقد تعديت نصف قرن من العمر وهذا من فضل الله، عشت وجربت، وكم من مرة كان الموت قريبا مني له مازال في العمر بقية، ومهما حاولنا الحفاظ على صحتنا وعلى جمال بشرتنا، وتزويق وتنميق مظهرنا لابد من الكبر، لا محالة من أن نشيخ، وللعمر سلطان لابد من التقدم في السن، وعلينا أن نتقبل هذا بصدر رحب، ولكل عمر حلاوته، والجميل في فن العيطة أنه كلما كبرت في السن، واتاني لقب شيخ، فشيخ العيطة لا يشيخ، قد تشيخ الملامح لكن القلب والروح في شباب متواصل، وهناك فنانين عيطيين “أشياخ وشيخات” غنوا فوق الخشبة بأصوات رائعة وقد تعدو سن الثمانين من العمر أمثال “الأشياخ والشيخات” الراحلين: سي امحمد باعوت، وأحمد ولد قدور، والدعباجي، وميلود الدهامو، وعبد الله البيضاوي والحاجة الحمداوية، وفاطنة بنت الحسين..وغيرهم..لكن بالنسبة لي على الفنان لما يحس أن ملامحه وصوته قد شاخت وذبلت، عليه أن يتوقف عن إحياء السهرات والسهر.
جريدة جسر التواصل: مشوار الفن العيطي طويل، رسم الرجال والنساء “أشياخ وشيخات” طريقه عبر التاريخ، فكيف وإلى أين وصلت المرأة في مجال العيطة؟
الحسين السطاتي: فن العيطة حاضر منذ قرون، حسب باحثين أكاديميين منذ القرن الثاني عشر ميلادي كما أشار إلى ذلك الباحث الأكاديمي الدكتور “حسن نجمي” في كتابه غناء العيطة بالمغرب الموسيقى التقليدية”، وكانت المرأة حاضرة منذ نشأة هذا الفن، حاضرة كجسد أنثوي ساحر جميل، أو في النص الشعري كمادة شعرية، حيث خلد التاريخ نساء “شيخات” شاعرات ومغنيات..أذكر منهن الشيخة حادة الزيدية الغياتية الملقبة بالشيخة خربوشة، والتي اشتهرت بعدائها وهجائها للقائد “عيسى بن عمر”، و”الشيخة امباركة لمبيهيشية” الشاعرة والمغنية، ويقال أنها صاحبة “عيطة الشجعان الملالية” مرثية قبيلة بني ملال ضد المستعمر الفرنسي في القرن العشرين، كانت سفيرة الموضة بارتدائها لأفخم الأزياء التقليدية المغربية، وتحليها بالحلي والحلل، كانت متمردة ثائرة صوت الانسان الضعيف..وكانت المرأة دائما حاضرة في التظاهرات الفنية والمظاهرات الوطنية، منهن نساء “شيخات” مقاومات” تعرضن للسجن والتنكيل بهن في سبيل الوطن، وكذلك اليوم لقد حققت المرأة “الشيخة” تقدما في هذا المجال، وصار حضورها بشكل لافت سواء في العزف على الآلات الموسيقية أو الغناء والرقص. وحتى في الثقافة والمظهر، وأنا جد متفائل لمستقبل العيطة، ومستقبل “الشيخة” فهي تسير من حسن إلى أحسن.
جريدة جسر التواصل: بصفتك فنان شعبي “شيخ للعيطة” منذ سنين وأنت ممارس لهذه المهنة “حرفة تشياخيت”، هل زاد الوعي لدى المجتمع بمهنة “تشياخيت ” أم لا؟
الحسين السطاتي: نعم، لقد تغيرت النظرة لحرفة ” تشياخيت”، بفضل التكنولوجيا والتقدم العلمي والتوعية، من طرف الباحثين والمهتمين بهذا الفن المغربي الأصيل، زاد وعي المواطن المغربي بروعة وأهمية الموسيقى بشكل عام ومنها الموسيقى العيطية بشكل خاص، حيث صار يسمح الآباء لأبنائهم بممارسة أنشطتهم الفنية الغنائية ولم يبق ذلك المنع، كما ولج ميدان العيطة أساتذة كبار لهم شواهد دراسية علمية عليا من دكاترة أطباء ومهندسين وضباط جيش ودرك وشرطة، وقضاة متقاعدين..وهذا في حد ذاته دافعية قوية للشباب، وشرف كبير لممتهني هذا الفن الذين كان أغلبهم من الأميين أو شبه الأميين وكانوا منبوذين ويحسون بدونية واحتقار، وقد تطرقت إلى هذا في عدت مقالات في كتابي بعنوان “عيوط زمان قصائد ومقالات، فن العيطة بين نظرة الاحتقار ورد الاعتبار”، والتي نشرت على صفحات جريدتكم “جسر التواصل” وعلى صفحات جرائد ومجلات.. وبهذا زاد وعي من المجتمع بأهمية الموسيقى ودورها في رقي الشعوب ومنها فن العيطة..
جريدة جسر التواصل: مررت بمجموعة من المهن والحرف، أكسبتك تجربة ووعيا مهنيا، إذا ما تسنت لك فرصة العودة في الزمن واختيار مهنة من جديد، ماذا تختار؟ ولماذا؟
الحسين السطاتي: الزمان لا يعود إلى الخلف، وأنظر إلى الماضي فقط من أجل العِبرة والدرس، وليس التحسر والندم، وردا على سؤالك، في المهنة سأختار من جديد كهنتي السابقة، سأختار أن أكون دركيا ضابطا للشرطة القضائية والعسكرية، وضابطا للشرطة التقنية والعلمية، لأنها مهنة إنسانية بالدرجة الأولى، مهنة المغامرة والتضحية وتقديم المساعدة للآخر، وبفضلها تعرفت على أشخاص طيبين وسيئين، عشت محن وتجارب مع الناس، كما عشت الأفراح والمسرات.. ودخلت أماكن رفيعة وجلست بل بحثت مع كبار الشخصيات في البلد، وأقمت في أفخر الفنادق وأكلت أشهى الأطباق..كل هذا بفضل الله وفضل مهنتي بإدارة الدرك الملكي، وفي الأخير حصلت على تقاعد، واستفدت من التغطية الصحية العسكرية كضابط شرطة عسكرية متقاعد، واستفدت أيضا من التأمين الصحي، وأستفيد من جميع خدمات المصالح الاجتماعية للدرك الملكي والمصالح الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية، هذا يجعلني أشعر بالأمن والأمان، وربما يدفعني لأعزف “الكمنجة” وأغني وأرقص في أريحية، وفي الفن سأختار فن العيطة، لأنه فن الحب والجمال كما ذكرت، فن البدو، فن مغربي تراثي أصيل وموسيقى الوادي والجبل والسهل والغابة..
جريدة جسر التواصل: أنت “شيخ للعيطة”،من غير أجرتك التي تحصل عليها من أعمالك الفنية الغنائية، ماذا يستفيد الفنان الحسين السطاتي من العيطة؟
الحسين السطاتي: بعيدا عن الدخل المادي كيفما كانت قيمته المالية، الاستفادة الكبيرة هي حب الناس، وتلك الأجواء الرائعة التي أعيشها بين المعجبين والمعجبات سواء على أرض الواقع أو على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك الشعور الرائع والإحساس العصي على الوصف والذي أشعر به من طرف الجمهور، كأن يدفع أحد المعجبين أو المعجبات ثمن مشروب شربته أو وجبة طعام تناولتها، أو يوقفني أحد الأشخاص وهو رفقة زوجته وأبنائه ليأخذ معي صور فوتوغرافية، أو يوقفني دركي أو شرطي ..في إحدى الحواجز الأمنية ويأخذون معي صورا فوتوغرافية للذكرى، أو أرى صورتي على واجهة “بروفايل” حساب أحد المعجبين على مواقع التواصل الاجتماعي، فإني أعجز عن وصف شعوري في هذه اللحظات الجميلة المفعمة بالحب والسعادة، كما أني أكون جد فرحا ومسرورا وأنا أرى الفرحة والبهجة والسرور على الوجوه خلال السهرة التي أحييها، سواء في عرس أو خلال سهرة عمومية فوق المنصة وفي صالون أدبي.. والناس تنتظرني حتى أوقات متأخرة من الليل، أو حينما ينتظرني جمهوري من المثقفين خلال سهرتي في ملتقى أدبي.. أقول لك هذا لأنه كان بعض الناس يرمونني بالحجارة والماء الكحولي “الما القاطع”، ويهددونني بالقتل بالأسلحة النارية والبيضاء، ويعتدون علي أحيانا بالضرب والجرح، لما كنت أحاربهم بمعية زملائي الدركيين في مستنقع الجريمة وأنا ضابط للشرطة القضائية والعسكرية، وضابط شرطة إدارية وتقنية علمية، وضابط مكلف بالأحداث، وضابط مركزي للأبحاث، وتقني التشخيص الجنائي الإجرامي، لمدة سنين طويلة ذهبت من ربيع عمري في العنف والحرب مع الأشرار، وناذرا ما كنت أسمع تنويها أ وتشجيعا ولم يصفق لي أحد، أما الآن فإنني أجني الأموال من “الكمنجة” و”العيطة” وحب الناس والتشجيعات والتصفيقات والتكريمات، وتكبيسات “لايكات” الإعجاب على مواقع التواصل الاجتماعي، وأنا شيخ للعيطة، كنت ومازلت وسأظل أردد شكرا للعيطة، شكرا للمغاربة على تشجيعهم للفنانين..للشيخات والأشياخ.
جريدة جسر التواصل: سؤال محرج لكن ضرورة العمل الصحفي تدفعنا لطرحه، جزء كبير من المغاربة لديهم نظرة دونية وقدحية عن فن “الشيخات”، وينظر إليكم البعض كمنحرفين، فما هو تعليقكم؟
الحسين السطاتي: معك حق وهذا كان في السابق، وترك انطباع سيء عن مهنة “حرفة تشياخيت”، ويتحمل الفنانون “أشياخ وشيخات” جزءا كبيرا من هذه النظرة الساقطة المزدرية، لأنه فعلا كان بعضهم منحرفين وفجار وفاسقين، بل يرمونهم بالزندقة والعهر .. وينعتونهم بالقوادة والوساطة في البغاء والدعارة، وفعلا كانت ومازالت مثل هذه التصرفات في الميدان العيطي، كما توجد في الكثير من الميادين المهنية الأخرى، وقد كنت شاهدا عليها بل حاربتها وأنا ضابط للشرطة القضائية والعسكرية.. لكن اليوم تغيرت نظرة الناس لفن العيطة، فالفن عموما كان يحارب من طرف الأسر عالميا، بدعوى أن من يمارسه يبقى في خطر ويعيش عالة على المجتمع وأن نسبة نجاحه في الحياة ضئيلة جدا، أما عن فن العيطة فارتبطت به تلك النظرة الدونية، وخاصة عندما تقترن بالمرأة، فالشيخة هي امرأة ذات شخصية قوية ومتمردة، لذلك تجد الأسر يهابونها، ويرمونها بكل التهم وكأن غير الشيخة ملائكة، وقد صار اليوم فنانين عيطيين “أشياخ وشيخات” لهم مستوى دراسي علمي وثقافي عالي، وكما سبق ذكره منهم: دكاترة أطباء ورجال تعليم ومهندسين زمنهم متقاعدين قضاة وضباط عسكريين ورجال شرطة.. لقد صرت تجد شيخ العيطة طبيب أو دركي متقاعد مثل “الحسين السطاتي” أو دكتور في تخصص ما، كما صرت تجد الشيخة طبيبة أسنان أو صيدلانية وموظفة.. وهذا ما أضفى على فن العيطة شيء من الوجاهة وأعطاه دافعية كبرى وحضوة اجتماعية..
جريدة جسر التواصل: هل تغار زوجتك من الشيخات والمعجبات؟
الحسين السطاتي: هذا السؤال يمكن أن ترد عليه زوجتي “كريمة نرجس”، وهي المسؤولة عن مشاعرها وأحاسيسها اتجاهي، أما ظاهريا فزوجتي تبدو متفهمة وواعية وتعرف جيدا طبيعة عملي، فهي الأخرى ريفية بدوية بنت الدوار، وتربطني بها علاقة القرابة العائلية المتمثلة في كوننا أبناء العمومة، وعلاقتنا تعدت ثلاثة عقود، يعني عاشرتها لأزيد من ثلاثين سنة. أعمل مع الشيخات، وأتواصل مع العديد منهن فهن مثل أخواتي، تربطنا علاقة العمل الفني، والتواصل عبر مواقع التواصع الاجتماعي، فهناك بعض الأشخاص يظنون أن فنان العيطة “شيخ الشيخات” هو زير نساء، ومتاح للمرأة بمعنى إنسان فاسق مبتذل، وهذا تجني وحيف وفكرة خاطئة عن هذه الشريحة من الرجال وأنا واحد منهم، فإذا كان فنانا “شيخ” سيء الأخلاق والتصرفات فليس كلنا سيئين، كما عملت سابقا دركيا ضابطا للشرطة القضائية وكنت أسبح في مستنقع دور الدعارة والوساطة في البغاء والمومسات وتاجرات المخدرات والغواني..كما أنني الآن أتواصل مع المعجبات والمعجبون من الجمهور، وهذا يسعدني ويعطيني دافعية قوية ويشحنني بطاقة ايجابية، لكنني أقدس العلاقة الزوجية وأحترم زوجتي وأبنائي الثلاثة الذين صاروا راشدين كبارا، والحمد لله إلى حد الآن علاقتنا بخير وعلى خير.
جريدة جسر التواصل: العديد من الفنانين اتجهوا لتقديم الاعلانات الترويجية، سواء على الأنترنيت ومواقع التواصل أو على القنوات التلفزيونية العمومية والخاصة، ألا ترى أن الفنان يحرق صورته بهذا الشكل؟
الحسين السطاتي: أي مهنة أو حرفة أو عمل له سلبيات وايجابيات وله متعة ومتاعب، كذلك بالنسبة لموضوع الإعلانات بالنسبة للفنان، قد يجد فيها دخلا ماليا إضافيا ومتعة وانتشارا، وقد تعود عليه سلبيا كأن يقدم إشهارا لا يليق به وينتقده الجمهور، أو يبدو أنه يتحيز إلى أشياء مادية وهو يروج لمواد اشهارية يعرفها الناس أنها تجارية محضة وقد تضر بالصحة واستهلاك الناس لها، إضافة إلى ذلك ليست لي تلك الشهرة الجماهيرية التي تلفت انتباه المشاهد، وحينما يحين الحين وتتاح لي الفرصة المناسبة ستراني في عالم الإشهار.
جريدة جسر التواصل: متى ينبغي أن يفكر الفنان في الاعتزال بغض النظر عن التأمين المادي؟
الحسين السطاتي: كل فرد حسب أهل الفن ونوعية العمل الذي يؤديه بناء على حالته الصحية والعقلية والمادية، حسب رأي الفنان بالنسبة له الفن الذي يمارسه هو شيء ضروري له، كالطعام والهواء والماء، ولو يمارسه كهواية، فالتركيبة النفسية والثقافية للإنسان هي التي تجعله يفكر في الاعتزال، وأنا شخصيا لا أفكر في اعتزال الموسيقى والغناء والقراءة والكتابة حتى أصير عاجزا جسديا ونفسيا، لأني أجد في هواياتي علاجي النفسي والعضوي، وأهرب من أوجاعي إليها.
جريدة جسر التواصل: هل يمكن أن يتخلى الحسين السطاتي عن فن العيطة؟
الحسين السطاتي: هذا السؤال، يمكن أن تطرحه على الشكل التالي بالنسبة للحسين السطاتي، هل يمكن للحسين السطاتي أن يتخلى عن تلك الفتاة الحسناء التي أحبها وأحبته وأخلص لها وأخلصت له، وأكرمته ووظفته، وساعدته طيلة مساره الدراسي والمهني، وكانت رفيقة له في أزمة ما بعد التقاعد، وأكرمته وأحسنت إليه؟ إذ ذاك سأجيبك بأنني سوف أكون خائنا وناكرا للجميل إذا ما خنت وتركت هذه الحسناء الكريمة السخية، لن أتخلى عن العيطة، لن أخون حبيبتي، أتمنى أن أظل وفيا لها حتى أموت.
جريدة جسر التواصل: أنت فنان شعبي “شيخ للعيطة”، ولك تجربة في مواجهة الجمهور والكاميرات، فهل فكرت في خوض تجربة التمثيل؟
الحسين السطاتي: هذا حلم أتمنى أن يتحقق، منذ طفولتي وأنا أعشق فن التمثيل، أحب السينما، كانت لي تجارب في المسرح فوق الخشبة ، مشاركتي في سكيتشات ومسرحيات، وأتمنى أن تتاح لي فرصة التمثيل، أنا أكتب القصة والرواية والمسرحية، وأتمنى أن تتجسد أعاملي إلى دراما وتتحول إلى أفلام ومسلسلات وهذا حلم، والأحلام لا حدود لها، وقد تتحقق يوما، وأغلب الحقائق كانت أحلام.
جريدة جسر التواصل: لو خيرت بخوض تجربة في الإعلام أو السينما، ماذا تختار؟
الحسين السطاتي: أختار السينما، لأنني لم يسبق لي أن مثلت في أفلام أو مسلسلات، وأريد أن أعيش هذه التجرية، أما عن الإعلام فقد نشرت العديد من المقالات الصحفية في جرائد ومجلات، وقدمت سهرات وأمسيات أدبية، أريد أن أعيش تجربة السينما، ما دمت قادرا أريد أن أجرب ما لم أجربه.
جريدة جسر التواصل: من وجهة نظرك هل نجحت العيطة في إيصال رسائل للناس ؟ وكيف ذلك؟
الحسين السطاتي: منذ قرون والعيطة حاضرة بقوة برسائلها سواء منها المباشرة الواضحة أو من خلال تلك البرقيات المشفرة، والعيطة هي فن الحب والجمال، فن السلام والحرب، العيطة هو الفن المغربي الذي يساوي بين الرجل والمرأة، وبين الأبيض والأسود، ويمنع المرأة “الشيخة” المناصفة مع الرجل “الشيخ” في كل شيء، في الشعر والغناء والعزف الموسيقي والرقص، وقيادة المجموعة.. هذه أكبر رسالة، إضافة إلى المواضيع التي يناقشها باستمرار وذلك حسب النص العيطي.
جريدة جسر التواصل: مؤسسة الزواج شراكة بين الرجل والمرأة، هل من وصفة سرية أو سحرية لإنجاحها، خاصة لرجل مثلك يعمل فنان وسط مجموعة من النساء ” شيخات” ومتزوج لأزيد من ثلاثين سنة؟
الحسين السطاتي:أول شيء هو أن يصحح كل فرد من الزوجين نفسه، ويكون صادقا مع نفسه ووفيا ومسؤولا، ويقدس رابطة الزواج، بعد ذلك يجري في سعادة شريكه والتضحية من أجله وحب الخير له والوفاء والصدق معه، أكيد سيجد المقابل من نفس الطينة، بالنسبة لي الزواج جنة، وزوجتي “كريمة نرجس” جازاها الله خيرا هي الركيزة المتينة الصلبة لعائلتي، وهي قائدة سفينة عائلة الحسين السطاتي، أنا مدين لها بالكثير.
جريدة جسر التواصل: ما هي أبرز التحديات التي واجهتك كشيخ للعيطة؟ وكيف تغلبت عليها؟
الحسين السطاتي: من بين أصعب التحديات وهي الجانب المادي في بداية مشواري الفني وأنا شاب مراهق بدوي، حيث لم يكن لدي حتى ما أشتري به آلة كمان حقيقية، ثم نظرة المجتمع لشيخ العيطة، تلك النظرة الدونية الإحتقارية المتخلفة..أما خلال عودتي إلى الساحة الفنية في ربيع 2016، فكنت أكثر تجربة وثقافة، وأكثر نضجا وخاصة أنني عائد من عالم الضابطة القضائية، عائد من عالم الجريمة، وقد أعددت العدة لحرب الفن والفنانين، لذلك كانت التحديات سهلة بالنسبة إلي أنا المدرب العسكري والمدرب والدارس لفنون القيادة والحرب ومكون على دبلوماسية دخول المعارك، لهذا تغلبت عليها بسهولة، ووضعت رجلي وتبتت اسمي في الساحة الفنية عن جدارة واستحقاق، وصرت مرجعا لباحثين الأكاديميين، وللطلبة الجامعيين، وكتبت وألفت كتبا.
جريدة جسر التواصل: كيف اتخذ الفنان الحسين السطاتي موقعا له في ميدان العيطة وهو العائد إليه بعد التقاعد الوظيفي؟
الحسين السطاتي: تجربتي المهنية في إدارة الدرك الملكي، كانت دروسا لي ودافعية قوية بالنسبة إلي سواء في الأعمال الموسيقية الفنية أو في الأعمال الأدبية السردية، إضافة إلى تجربتي في مجال الفن العيطي، واطلاعي على أبحاث الكثير من الأساتذة الباحثين. والانضباط والالتزام والصبر ودبلوماسية المهنة الفنية “حرفة تشياخيت”.
جريدة جسر التواصل: كيف تنظر إلى ردود أفعال المتفاعلين معك على مواقع التواصل الاجتماعي؟
الحسين السطاتي: أحرص دائما على قراءة كل التعليقات وذلك حسب المستطاع، أحيانا يكون عدد التعليقات كثير، فألجأ إلى الجواب الجماعي المختصر، أما فيما يتعلق بالسلبي من التعليقات، فإني أتمعن وأحلل الفكرة التي يهدف إليها الشخص المعلق وبحكم تجربتي البوليسية قد أقيم ما يريده، وأتعامل معه حسب خطورة تعليقه السلبي، قد أحذف التعليق وقد أحضر المعلق “البلوكاج”، وقد أخطط له ليحال على البحث القضائي، إذا كان تعليقه يدخل ضمن خانة التهديد أو النفحة المتشددة الإرهابية أو النية الإجرامية.
جريدة جسر التواصل: أنت في الخمسينات من العمر، هل تشعر أنك كبرت؟
الحسين السطاتي: طبعا، لقد تعديت سن الخمسين، يعني نصف قرن من الزمن، الحمد لله أنني درست وتعلمت وتزوجت وأنجبت أبناء، هذا من فضل ربي ونعمه علي، وأنا متقاعد في سلك الوظيفة العمومية وكلمة متقاعد تعني أنني وصلت سن يجب أن أرتاح لكني فنان شعبي “شيخ للعيطة” وشيخ العيطة لا يشيخ وراقص القعدة لا يتقاعد. وأنا أزاول مهنتي الفنية “حرفة تشياخيت”، لا أحس بتعب ولا أشعر أنني أبدل جهدا في العمل بقدر ما أشعر أنني ألعب وأستمتع.
جريدة جسر التواصل: بحكم أنك عاشرت أجيالا منذ السبعينيات، هل هذا الجيل أحسن من جيلكم؟
الحسين السطاتي: كل جيل له امتيازاته، فيه الأسوأ والأحسن، فيه الصالح والطالح، لا أحسبها صراع أجيال بقدر ما هو تكامل لها وتواصل بينها، لكن أعتقد أن هذا الجيل سيكون أذكى بفضل التطور العلمي الذي يعيش فيه، وجيلنا هو الجيل المحظوظ عشنا حياة تقليدية وتمتعنا بكل ما هو بدائي وبسيط، عاصرنا جيل أشخاص من جيل الخمسينيات والستينيات إلى يومنا هذا، عاصرنا ، المذياع، والتلفزيون بالأبيض والأسود، والمانيطوفون، وآلة المسجلة “راديو كاسيت”، وأشرطة الكاسيت، وأشرطة الفيديو، والأقراص المدمجة، وها نحن الآن نعيش عصر أحدث التقنيات الرقمية، حصر الهواتف النقالة الذكية ، والمحملات الإلكترونية والتطبيقات والبرمجيات وعصر الذكاء الاصطناعي..وكما حقق البعض من جيلنا انتشارا واسعا، فحتى هذا الجيل سيظهر منه نجوم وسيحققون انتشارا.
Views: 45
























