الحلقة20

جريدة جسر التواصل: غنيت أغنية حزينة ومؤثرة “الكاس ما لقيت دواه” وهي تتغنى بإدمان الخمر، فهل الحسين السطاتي يعاني من إدمان الخمر؟
الحسين السطاتي: ليس بالضرورة كل ما يغنيه الفنان المغني أو ما يكتبه الكاتب هو بالضرورة ترجمة لحياته الشخصية أو لنواياه، فأنا أغني بلسان الجمهور، وأمرر رسائل مشفرة عبر الأغاني التي أغنيها، فمثلا أنا أغني عن الخمر ولم يسبق لي أن تذوقت رشفة خمر، وأغني عن الغدر والخيانة الزوجية، فهذه مواضع اجتماعية لابد أن نتطرق إليها. فهذه القصيدة المغناة تحت عنوان “الكاس ما لقيت دواه” تعالج موضوع إدمان شخص على شرب الخمر وهو نادم على هذا الطريق الذي سلكه عن طيش وقد افتقر بعد غنى، ودمرت حالته الصحيه، وهي رسالة موجهة إلى الشباب لتفادي تعاطي المشروبات الكحولية.
جريدة جسر التواصل: ماذا تمثل آلة الكمان “الكمنجة” بالنشبة للشيخ الحسين السطاتي؟
الحسين السطاتي: منذ صغري وأنا أعشق ومهوس بآلة الكمان، وقد صنعتها مرارا وتكرارا بيدي، كانت آلتي الأولى التقليدية عبارة عن إناء قصديري؛ مبيد للحشرات أو إناء زيت المحرك من القصدير، مشدود إلى خشبة تمر من وسطه وعليه خيوط فرامل، أما القوس فكنت أصنعه من شعر ذيل الحصان وأشده إلى قضيب زيتون.. تعلمت صنعها من أصدقائي الرعاة الذين سبقوني في الحرفة، كنت أظل أعزف عليها وأنا أرعى الغنم في البراري بسهل الشاوية أيام العطل، ولما وصلت سن الرابعة عشر اشتريت آلة كمان حقيقي من أحد الأشخاص يسمى “حسن بزيويطة” من دوار “الشرفاء المداحة”، وهو دوار مجاور لدوارنا بريف “أولاد عبو” منطقة أولاد سعيد” بضواحي مدينة “سطات”، ثم بدأت في التعلم بالتدرج إلى أن صارت لي اليوم عشرة آلات كمان مختلفة الألوان والأشكال، وهذا إن دل على شيء يدل على عشقي لهذه الآلة، ولا أنسى خيرها علي فأنا مدين لها بالشيء الكثير، بفضلها جنيت الأموال وتعرفت على أشخاص رجال ونساء، وهي حبيبتي الأولى التي أعزف عليها “أضربها” فتطربني وتطرب الناس وتمنحني المال، شكرا لهذه الحبيبة الغالية..

جريدة جسر التواصل: ماذا يمثل لك حفل تكريمك؟
الحسين السطاتي: أهم شيء في حياتي بصفتي فنان شعبي وكاتب قاص وروائي.. هو رضى الجمهور عني ورضى نفسي على أعمالي، فأنا بكل صراحة راض على أعمالي الأدبية والفنية الموسيقية، ولكني أشعر أنه ليس بنفس الدرجة التي أطمح إليها، والذي يعطي الشعور بالارتياح هو الجمهور بما فيه المستمع والمتفرج والقارئ، وكذا النقاد..وأشكر الجمعيات والإدارات التي تكرمني، سواء في ملتقيات أدبية أو خلال المهرجانات..والتكريم في حد ذاته اعتراف بأنني أقوم بأعمال جيدة ومقبولة، وتشجيع لي على المزيد من الاجتهاد والعطاء، وحفل التكريم دافعية قوية بالنسبة للفنان، وأعتبره تشريفا وفي نفس الوقت تكليفا، وأعتبر تكريمي هو تكريم للفنانين “أشياخ وشيخات” فن العيطة، ويؤكد لي أنني أسير في الطريق الفني الصحيح.
جريدة جسر التواصل: في أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن الماضي كان جيلك يعج بالوجوه الفنية الشعبية…وبدأت التصفية استنادا على حب العيطة والموهبة الحقة، فما هي التضحيات التي تطلبها منك الوصول إلى ما حققته فنيا؟
الحسين السطاتي: طبعا في أواخر ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي كانت الساحة الفني الغنائية الشعبية تعج بالوجوه الشابة التي تمارس الغناء الغناء الشعبي والعيطي، وخاصة بعد ظهور ظاهرة “الأوركسترا” بآلات عصرية ومنها الآلات الموسيقية الغربية مثل: “الأورغ” و”لباتري” والقيترة.. وأذكر بعض المجموعات الغنائية “الأوركسترالية” التي كانت مشهورة في تلك الفترة، هناك أوركسترا ثلاثي الفرح، أوركسترا نجوم بوركَون، أوركسترا نسيم بوركَون، أوركسترا نجوم السمر، أوركسترا نجوم مبروكة، أوركسترا أولاد فضالة، أوركسترا ثلاثي سطات، أوركسترا النجوم الشعبية، أوركسترا الجوالةن وأوركسترا الخيالة، وغيرها.. أما أنا وأخي “المحبوب عبد القادر” فقد كونا مجموعة غنائية تحت اسم “أوركسترا الأفراح الشعبية”، وقد انسحبت من الساحة الفنية في ربيع سنة 1994، حيث التحقت بصفوف الوظيفة العمومية سلك ضباط الصف للدرك الملكي، وبقيت العيطة كهواية فقط، وبعد حصولي على التقاعد عدت من جديد إلى الفن الذي أعشقه، عدت إليه بنفس الاسم الفني “الحسين السطاتي” وبنفس جديد.
جريدة جسر التواصل: عادة ما يكون الفنان مرهف الأحاسيس، فكيف استطاع الحسين أن ينتقل من عالم الموسيقى عالم الأحلام الجميلة والإلهام والألحان الموسيقية وتصفيقات وإطراء الجمهور وجو الفرح، إلى عالم يعرف بالصلابة والقساوة كالتدريب العسكري الدركي، والعمل ضمن عناصر الضابطة القضائية في حقل الجرائم البشعة كالقتل والاغتصاب والسرقة والعنف..؟
الحسين السطاتي: مكره أخاك لا بطل، كان لابد من أن أشتغل في وظيفة لأؤمن مستقبلي ومساعدة والداي رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته، وأكون أسرة، كنت أريد أن أحصل على أجرة شهرية وتغطية صحية.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لأنني في بدايتي الفنية لم أكن أملك ما أشتري به حتى آلة كمان ممتازة ولوازمها الالكترونية، ففضلت أن ألج عالم الوظيفة العمومية حتى تتحسن حالتي المادية، وبالفعل كنت أعمل دركي وأحيانا أزيغ عن الخط وأذهب إلى الحفلات والأعراس لأروي عطشي الفني، ولما وصلت سن التقاعد النسبي عدت إلى هوايتي.
جريدة جسر التواصل: تعد من الفنانين العيطيين المخضرمين الذي حافظوا على هويتهم الفنية وأصالة ما يقدمونه، رغم الموجة الشبابية التي اكتسحت الساحة الفنية في الآونة الأخيرة، ما السر الكامن وراء ذلك؟
الحسين السطاتي: كنت ومازلت وسأظل وفيا لفن العيطة في طابعه الكلاسيكي لكن بمعدات وآلات جديدة حديثة، سأنقح ما أمكن النصوص العيطية التي أغنيها حتى يعود إليها الباحثين الأكادميين والدارسين لعلم الموسيقى وكذا الشباب المولع بفن العيطة، وسأحافظ على الهوية العيطية الكلاسيكية المغربية، سواء في النظرة العامة للفرقة العيطية بما فيها اللباس التقليدي وأصالة المتون العيطية، أو الموسيقى العيطية المركبة ومنها البسيطة الألحان والإيقاع، وسأحاول ما أمكن إدخال هذا الفن التراثي الأصيل في أعمالي الأدبية ومنها القصة والرواية والمقالة والمسرح..
جريدة جسر التواصل: هل لزاما على الفنان أن ينوع اختياراته وأزيائه حتى لا يمل الجمهور؟
الحسين السطاتي: ليس لزاما بل حفاظا على الهوية المغربية وأن يكون الفنان العيطي سفير بلده سواء باللباس أو الموسيقى والغناء، علينا أن نحافظ على هويتنا وخاصة أننا كفنانين “أشياخ وشيخات” نمارس فن العيطة وهو فن تراثي مغربي أصيل أبدعه لنا الأجداد الأسلاف منذ قرون، وفن العيطة بحر عميق، فيه الكنوز والدرر الثمينة، نحن “الأشياخ والشيخات” نسبح فيه، نتمتع ونتغذى منه، ونغتني منه، ومازلنا نتفسح على شواطئه ولم نسبر بعد أغواره، علينا أن نحافظ على نظافته ولا نلوثه، ونبحث فيه لنستخرج كنوزه، لكن هذا البحر أحيانا يكون غادرا وقد يغرق العوام لذلك علينا أن نكون حذرين.
جريدة جسر التواصل: ما أبرز المشاكل التي يواجهها الفنان الشعبي في تأسيس مجموعة غنائية، وخلال عمله الفني؟
الحسين السطاتي: من بين أبرز المشاكل التي تواجه الفنان الشعبي ومنه الفنان العيطي، هناك انعدام الدعم وقلة الإمكانيات المادية، إضافة إلى قلة أماكن التدريب وخاصة إذا كانت الفرقة تحتوي على العنصر النسوي “الشيخات”، وكذلك مشكل مواجهة بعض الصنف من الجمهور وخاصة في بعض البوادي النائية البعيدة عن التغطية الأمنية، حيث من فرط حب بعض من الجمهور لهذا الفن ولممارسيه وجو الحفل الصاخب والنشيط، يدخل بعض المتفرجين للرقص مع الشيخات، وأحيانا يكونون في حالة تخدير أو سكر، وهناك منهم من يظن أن الشيخة مرأة سهلة ومتاحة لكل من يدفع، فيطلب منها أن تقبله أمام الجمهور أو تعانقه أو تجلس في حطنه، لكن في مجموعتنا غير موجودة هاته التصرفات إلا ناذرا، لأن الفنان حينما يحترم نفسه ويحترم جمهوره يكون الاحترام متبادل.
جريدة جسر التواصل: في المتخيل المغربي الصورة اللصيقة بالشيخة هي مرادف للانحلال والمجون وغيره، في نظرك لماذا التصقت هذه النظرة بهذا الفن؟
الحسين السطاتي: كانت النظرة إلى الفن بشموليته وليست العيطة فقط نظرة دونية، والأهل يرفضون دائما اشتغال أبنائهم به، والسبب أن مهنة الفن اقترنت في التفكير وفي المتخيل العربي بالخمر والمخدرات والجنس، فالخوف لم يكن من الفن ذاته ولكن من توابعه، وهذا هو المطب الذي حار الفنانون نفسهم من التخلص منه، وسلبية هذه النظرة كانت زائدة في فن العيطة حيث توجد المرأة في وسط الرجال، ووجود شيخة سيئة الأخلاق ليس معناه أن كل الشيخات سيئات الأخلاق، فكجميع المهن لا يمكن أن نعمم دائما هناك الصالح والطالح.
جريدة جسر التواصل: ألا تعتقد أنك كبرت وتعديت سن الخمسين، ستحتاج لوقت طويل لتصبح فنانا مشهورا؟
الحسين السطاتي: أنا أمارس هوايتي في الفن ولا تهمني الشهرة، يكفيني أن أقوم بسهرة واحدة في السنة ولو كانت على شاطئ البحر أو في نزهة بالغابة أو خلال تجمع في الدوار..حيث يمرح ويرقص وينشرح لها الناس، وأقوم بعمل فني خيري كزيارة لدار العجزة المسنين، أو أحياء سهرات لجمعيات تهتم بذوي الاحتياجات الخاصة أو مرضى السرطان..فهذا يكفيني ويشعرني بالسعادة وتنتعش نفسيتي لأكتب ولأشتغل بقابلية في مهني الأخرى، الفن العيطي بالنسبة إلي هو تنفيس عن كبت بداخلي، والسهرة أو العرس أو الحفلة كيفما كانت أعتبرها جلسات علاج نفسي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى بالنسبة إلي فالعمر مجرد أرقام هناك من الفنانين المغنيين والرسامين..ومنهم “الأشياخ والشيخات” من نجحوا في سن السبعين. المهم أنني أحلم وسأبقى كذلك، حتى لا أشعر أنني متقاعد عن العمل، ومهما أن هناك حياة، هناك أمل، وهناك أهداف يمكن تحقيقها.
جريدة جسر التواصل: يقال بأن مطرب الحي لا يطرب، هل تتفق مع هذه القولة؟
الحسين السطاتي: لا أتفق مع هذه القولة، كل ما في الأمر أن الجمهور يريد أن يكتشف الجديد في الوجه البشري وفي الفن، أما مطرب الحي ذو الصوت الجميل أول مكان يطرب فيه هو حيه، فأنا أول مكان غنيت فيه هو دوارنا بالبادية “دوار أولاد سيدي الرحال الزاوي” بجمعة “أولاد عبو” التي كانت تلقب بسوق جمعة فوكو قديما، وذلك الجمهور الريفي الصغير هو أول من صفق لي وشجعني ومنحني صفة فنان.
جريدة جسر التواصل: أكيد سبق لك وأن عشت حروبا مع المجرمين وأنت دركي ضابط للشرطة القضائية والعسكرية، فهل عشت حروبا مع الفنانين وأنت فنان شعبي “شيخ للعيطة المرساوية”؟
الحسين السطاتي: خلق الله سبحانه وتعالى الانسان وخلق فينا الشر والخير، وأينما ذهبت تجد الحسد والغيرة والبغض والكراهية، وتجد فينا الصالح والطالح والحقود والغدار والوفي..ولكن تبقى الصراعات والضغائن والحروب إذ صح التعبير في الوسط الفني بسيطة جدا مقارنة بالحزازات والصراعات والتربصات في ميدان الضابط القضائية سواء مع الزملاء الدركيين في العمل أو مع الرؤساء الإداريين والقضائيين الفاسدين المفسدين، إضافة على معاناة الضابط وسط مستنقع محاربة الجريمة مع المجرمين، حيث كنت دائما يقظا وعلى حذر، والحمد لله انتهت مهامي بالعمل الدركي بسلام رغم الشكايات الكيدية والإنتقامية والمحاكمات، أما الفن فأجد متعة في ذلك الكلام وتلك النميمة والمنافسة الفنية.. وهدفي هو الاجتهاد والتركيز على الأفضل في الفن وفي الكتابة، ليس لي وقت للتفاهات الفنية وتضييع الوقت، وناذرا ما أجلس في المقاهي مع الفنانين للدردشة الفنية، وغالبا ما أجلس في المقاهي العمومية والأدبية من أجل القراءة والكتابة. ودائما أقول ” الحمد لله خرج السربيس على خير والله يخرج العيطة على خير”.
جريدة جسر التواصل: نريد منك تغريدة من تغريداتك الفايسبوكية؟
الحسين السطاتي: سأعطيها لك أبيات من عيطة الحساب الزعري من “العيطة الزعرية”.
نوض تجاهد…علاش ع كَاعد
تعافر وتقاتل…ايلا بغيتي توصل
سير بالمهل…لابد توصل
طيح وتمرمد..وضاد لا تحسد
Views: 14
























