الحلقة 17

جريدة جسر التواصل: لماذا تركت الفن الموسيقي في بداية التسعينيات ودخلت الوظيفة العمومية؟
الحسين السطاتي: ردا على سؤالك، يقول جدي الشاعر الزجال العيطي رحمه الله، في أبيات من “عيطة دامي”، تلك “العيطة المرساوية”، العاطفية الوجدانية:
دامي يا دامي…هواك عداني
عاداني وبلاني…مشى وخلاني
لقليب وما فيه…ربي اللي مطالع بيه
خليني في حالي…حتى يعفو العالي
ما عشقت مرار…الزمان اللي غدار
دير علاش ترجع…الزمان كيخلع
عرفت منذ زمن أن الفن لا يؤتمن، ومنه الفن الغنائي العيطي، فهو غير مضمون النتيجة، وعلى الشاب الفنان العيطي أن يبحث له عن عمل قار وأن يتعلم حرفة أو صنعة أو مهنة بالموازاة مع عمله الموسيقي الغنائي، والفنان الشعبي المغربي في شبه عطالة دائمة، وكثيرون يمتهنون الغناء الشعبي وقليلون هم الذين ينجحون، يغنون ويغتنون، كما أنه لم تكن لدي الإمكانيات المادية والمعرفية في الفن الشعبي الغنائي وفي فن العيطة بالخصوص، كنت شابا يافعا متطلعا إلى غد أفضل، أنحدر من أسرة بدوية فقيرة، وكنت أبحث عن مهنة محترمة تضمن لي عيشا كريما واستقرارا ماديا، وأساعد أسرتي وأخدم وطني، فقررت أن ألج عالم الوظيفة العمومية، لكي أكون نفسي وأكتسب تجربة وأُكوِن أسرة، وأعود من جديد إلى فن العيطة، وبالفعل تقدمت لمبارة ولوج وظيفة الدرك الملكي سلك ضباط الصف، والحمد لله نجحت وتوفقت في وظيفتي حتى حصلت على التقاعد النسبي برتبة “أجودان”، حيث قضيت مدة اثنان وعشرون سنة من الخدمة الدركية، عملت خلالها كدركي في مهام مختلفة، حيث اشتغلت مدربا ومكونا عسكريا ومدرسا للشرطة القضائية والشرطة التقنية العلمية، وعملت كذلك بحقل الضابطة القضائية في ميدان محاربة الجريمة بصفتي ضابط للشرطة القضائية والعسكرية، وضابط للشرطة القضائية مكلف بالأحداث، وضابط مركزي للأبحاث، وضابط للشرطة التقنية العلمية وتقني التشخيص الجنائي الإجرامي..وتنقلت بين قرى ومدن مغربية، وللإشارة فقد نويت أن أغادر الوظيفة العمومية بعدما قضيت فيها مدة عشر سنوات، أردت أن أقدم استقالتي لكن والداي رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته رفضا ذلك، والحمد لله صبرت حتى حصلت على التقاعد، وعدت من جديد إلى محبوبتي الكمنجة والعيطة. “السربيس خرج على خير والله يخرج العيطة على خير”..

جريدة جسر التواصل: عدت لفن العيطة بعد تقاعدك في الوظيفة العمومية، هذا يعني أن باب العيطة مشرع وليس لها سن محدد؟
الحسين السطاتي: الفن بصفة عامة مفتوح للجميع، في أي زمان ومكان، وفن “العيطة” يرحب بعشاقة وممارسيه من الجنسين وفي أي وقت وحين، والجميل أنه كلما كبر فنان العيطة وافقه لقب “شيخ”، وكثير من الفنانين “أشياخ وشيخات” ظلوا يغنون حتى فاقوا سن الثمانين، وهناك منهم من توفي فوق خشبة المسرح وهو يغني كشيخ العيطة البلدية الفيلالية الراحل “محمد باعوت” رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وبالنسبة إلي فما دمت حيا أرزق وقادرا على العطاء الفني والأدبي سأظل أعزف الموسيقى وأغني وأقرأ وأكتب، إلى حين أحس أنني صرت عاجز جسديا ونفسيا.
جريدة جسر التواصل: ربما هو سؤال صعب، إنما فضولنا يدفعنا أن نسألك إياه، لنفرض لو رغبت زوجتك دخول مجال الغناء العيطي وتعمل فنانة شعبية “شيخة” فهل ستتقبل ذلك وتشجعها؟
الحسين السطاتي: بصفتي فنان شعبي “شيخ للعيطة” لدي دراية بفن العيطة “حرفة تشياخيت”، وأعرف جيدا المرأة التي تصلح أن تكون “شيخة” بمعنى فنانة عيطية، فحتى بعض الفنانات الشعبيات لا يصلحن أن يدخلن عالم العيطة “حرفة تشياخيت”، وليست كل فنانة شعبية “شيخة”، وهناك خاصيات ومميزات لمهام “الشيخة”، منها الموهبة والصوت الجميل وإجادة الرقص، والشخصية القوية، والجرأة والذكاء والشراسة وأحيانا عليها أن تكون مستعدة لاستعمال العنف ضد الرجل المعتدي، مع الدبلوماسية الفنية والتحلي ببرودة الدم، وهذه المواصفات لا توجد في زوجتي ولا في بناتي، لذلك سأرفض أن تدخل زوجتي ميدان الفن العيطي، لأنني أعرف شخصيتها وأعرف أخلاقها فهي بنت عمي، وعلاقتي بها تزيد على ثلاثة عقود، لقد خطبتها وهي في عمر اثني عشر سنة، وكنت حينها عازف كمان “كومنجي”ضمن مجموعة للشيخات، فلو رغبت بالزواج من فنانة “شيخة” لما تزوجت بنت عمي، ومن جهة أخرى أعرف المصاعب والعراقيل التي تتعرض لها المرأة “الشيخة”، سواء خارج شغلها أو أتناء عملها الفني، أغلب الذكور المغاربة لهم تربية جنسية مضطربة ويعانون كبتا جنسيا، ويخيل لهم أن “الشيخة” بائعة هوى، ومتاحة للجميع وسهلة الانصياع للرجل، لهذا لابد أن تكون للشيخة كاريزما خاصة وشجاعة وقوة الشخصية.. وزوجتي ليست من هذا النوع، وطبعا يمكنني أن أتزوج “شيخة” عن قناعة إذا رغبت في ذلك وعلي تحمل مسؤولية اختياري، ولابد لي أن أقبل تنازلات، وأن أتوقع حدوث ما لا يحمد عقباه، وأحيانا يجب علي أن أغض الطرف عن أشياء لا تعجبني، لأنني أعرف أن “حرفة تشياخيت” غابة كما وصفها لنا الأجداد والأسلاف الفنانين”الأشياخ والشيخات” في “عيطة الغابة” من العيط الغرباوي، غابة خطيرة الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود، فيها الورود والأزهار، والأشجار المثمرة وأنواع الطيور الشادية المغردة والمغذية، لكن فيها الأشواك الدامية، وفيها الأفاعي والثعابين السامة، وفيها الثعالب والذئاب والقردة، كما فيها الصقور والأسود والنمور المفترسة.. ولو أنني قبلت أن أتزوج شيخة فلا أريدها أن تعمل معي في مجموعتي الغنائية.
جريدة جسر التواصل: في نظرك الزواج بفنانة شعبية “شيخة” أمر شاق أم سهل؟
الحسين السطاتي: الحب سلطان على القلوب، وللناس فيما يعشقون مذاهب، وليست هناك خلطة أو وصفة سحرية لنجاح الزواج من فشله، سواء بالنسبة للرجل أو للمرأة، كيفما كانت ثقافتهما وطبقتهما الاجتماعية ومهنتهما، لكن الحب أعمى ولا يبصر العيوب ويتنازل المحب عن سلبيات المحبوب، وكم من شيخة تزوجت وأظهرت أنها امرأة صالحة ووافقت بين مسؤوليتها كزوجة وأم وربة بيت وعملها الفني كشيخة نشيطة في “حرفة تشياخيت”، لكنها حالات خاصة، بل قليلة جدا، والواقع أن حياة “الشيخة” جد صعبة ومعقدة، وخاصة أننا في مجتمع ذكوري أبوي، مجتمع منافق يجلد المرأة العادية فبالأحرى “الشيخة” التي يصنفها في خانة المومس ويجعلها من بين بائعات الهوى، ثم نظرة الأقارب والأسرة، فهي تلك المرأة المحبوبة بالليل والمنبوذة بالنهار، وهي المرأة التي أهانها رجل فأهانت كل الرجال، يخافون منها بدعوى أنها منحلة أخلاقيا وفاسدة فاسقة، هذه هي النظرة العامة عن هذه المخلوقة شئنا أم أبينا، فحتى الشيخة نفسها لا تحب أن يقال لها أو عنها شيخة، فهي تفضل أن نناديها بالفنانة، لهذا فالزواج من “شيخة” صعب بالنسبة للرجل العادي، يجب أن يكون رجلا استثنائيا، لأن الشيخة لها ظروف عمل خاصة واستثنائية، تحتم عليها طبيعة عملها أن تتواصل مباشرة وعن بعد مع زملائها وزميلاتها في الفرقة الموسيقية “الرباعة” رجالا “أشياخ” ونساء “شيخات”، وأن تحضر للتداريب معنا، والتواصل معهم عبر الهاتف وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى أجواء التنقل بالليل معنا إلى مكان الحفل أو السهرة أو الحفلة الخاصة “لقصارة”، ثم مواجهة الجمهور وهنا بيت القصيد، عليها تحمل قفشات وسخريات وتصرفات بعض النوع من الجمهور وخاصة بعض المراهقين الطائشين، وأحيانا حتى التنمر، وعبث سكارى آخر الليل، هذه كلها عراقيل تعترض مهنة الشيخة، عليها أن تكون ذات شخصية قوية وجريئة وأحيانا شرسة، لأنها أحينا تجد نفسها ترقص وسط الذئاب والثعالب والثعابين ..كل هذا سيحز في نفس الرجل الزوج مهما كان تفتحه وانفتاحه، أنا أتكلم بحكم أنني فنان عازف كمان “كومنجي” ومغني لفرقة عيطية “رباعة الشيخات”، إنه الواقع المرير الذي تعيشه هذه المرأة المغربية، لهذا فأغلب الفنانات “الشيخات” يتزوجن بفنانين “أشياخ” لأنه يعرف الجو الفني الذي تشتغل فيه، واعتاد على هذه الحياة. وهناك من الأشخاص الذين يتزوجون “شيخات” قد تكون لمصالح مادية. وهناك من “الشيخات” من يتزوجن في السر برجال أثرياء، شخصيات وازنة في البلد، ولله في خلقه شؤون.
جريدة جسر التواصل: هل زواجك كان عن حب أم زواجا تقليديا؟
الحسين السطاتي: أنا ريفي بدوي “عروبي”، وربما زواجي كان استثنائيا في الدوار، لقد تزوجت “بنت ولد عمي” “كريمة نرجس”، عن حب، وكانت قصة حب عنيفة ومثيرة، قصة حب فريدة من نوعها، وسط مجتمع يقولون عنه أنه مجتمع مسلم محافظ، وأعتبره أنا مجتمع منافق متخلف، فاسد، مجتمع يكره الحب ويعشق الفساد المتخفي، أغلب سكانه يدعون في الظاهر الطهرانية وأنهم حماة الفضيلة وفي الخفاء هم مرتع الرذيلة ومشتل الفساد..كانت علاقتنا عاطفية قوية رضائية تحدينا فيها العادات والتقاليد والأعراف والقانون والوالدين وحتى الدين، فلا قانون يقاضي المتحابين بصدق، لقد ربطت معها علاقة عاطفية وهي مازالت طفلة حدث، أقول حدث وليست قاصر، لأن عمرها كان لا يتجاوز سن الثانية عشر، لكنها كانت بدوية ريفية زهرة برية بالكاد بدأ تفتحها، وكنت حينها في سن الثانية والعشرين تقريبا، مازلت شابا في بداية عنف المراهقة كلي حيوية وطموح وطيش شبابي، وتحدينا الجميع لينتصر حبنا، تحدينا الأهل والأقارب والوالدين..تحدينا هذا المجتمع المنافق، ودامت علاقتي بها “صحبة” لمدة ستة سنوات تقريبا، طبعا خطبها لي والداي رحمهما الله بمعنى “رشموها ليا” في العام الأول من علاقتنا لما افتضح أمرنا خاصة وأننا تجمعنا القرابة العائلية أبناء العمومة،، بعد ذلك كتبت عليها الكتاب وتزوجتها رسميا على سنة الله ورسوله، وها قد تعدت علاقتنا مدة أكثر من ثلاثين سنة، ومازلنا نعيش والحمد لله في ود وسلام ومحبة، رغم ما ينتاب حياتنا الزوجية من خلافات بسيطة عادية، قضينا معا مدة تزيد على ثلاثة عقود أنجبنا خلالها ثلاثة أبناء “بذرة وريحانة ومحمد”، هم الآن أصبحوا كبارا درسوا وتعلموا وكل واحد منهم يشق طريقه في الحياة، وأعتبر زواجي زواجا ناجحا إلى حد الجواب على سؤالك. والغد يعلم الله كيف سيكون مصيرنا، وبحكم تجربتي البوليسية الدركية لا أثق في الأيام ولا أثق في البشر ..وقد تطرقت إلى علاقتي بزوجتي “كريمة نرجس” ومع “الشيخات” ومع المرأة بصفة عامة، في كتابي الجزء الثاني من سيرتي الذاتية تحت عنوان “عيطة الحب وحب العيطة”.
جريدة جسر التواصل: بكل صدق هل حياة الفنان الشعبي “شيخ العيطة” تكون دائما صعبة؟
الحسين السطاتي: تكون صعبة لو كان حظه سيئا في الزواج، وكان اختياره في الأول لشريكة حياته غير موفق، لكن لو كان حظه جيدا ورزقه الله بزوجة صالحة متفهمة وواعية، تكون قادرة على فهم شخصيته وطبيعة عمله الفني مع زميلاته “الشيخات” ومع معجباته، هنا تنجح الحياة الأسرية ويكون الفنان “شيخ الشيخات” في أروع حياة زوجية مع احترامه لقدسية الزواج ومسؤولية هذه العلاقة النبيلة، وأنا والحمد لله إلى حين الرد على هذا السؤال موفق جدا في هذا الجانب، خاصة أن زوجتي ريفية، وتربطني بها علاقة القرابة أبناء العمومة.
جريدة جسر التواصل: هل تؤمن بمقولة “الزواج قسمة ونصيب”؟
الحسين السطاتي: أؤمن بالقدر خيره وشره.. وبحكم تجربتي في الحياة، فالزواج قرار واختيار، اخترت زوجتي منذ أن كان سنها اثني عشر سنة، وكنا على علاقة عاطفية قوية وكتبنا عقد الزواج بعد ستة سنوات تقريبا، وها نحن الآن علاقتنا تجاوزت ثلاثين سنة، أنا وزوجتي تعارفنا وتصاحبنا وتواعدنا على الزواج، وتوكلنا على الله والتزمنا بوعودنا وتزوجنا وأنجبنا أبناء، ويعلم الله إن كنا قسمة ونصيب لبعضنا البعض، أم إرادتنا القوية وعزيمتنا هي التي جعلتنا زوجين متحابين في الله.
جريدة جسر التواصل: نود منك تغريدة من تغريداتك على موقع الفايسبوك؟
الحسين السطاتي: لا يأس مع العيطة ولا عيطة مع اليأس.
Views: 10
























