
شيخ العيطة الحسين السطاتي

الحبيب يا لحبيب الكية جديدة وبضاض صعيب…آهيا
الحبيب يا لحبيب لا تغيب فرج الله قريب…هيا واهيا
كَولو لحبيبي لا تعاديني عل اللي فات…آهيا
كَولو للمحبوب دابا ربي يعفو ويتوب…هياواهيا
حبيبي جيني بالليل وجيني فالصباح وجيني لعشية..آهيا
حبيبي طل عليا بضاض صعيب والربطة زغبية…هيا واهيا
هذه الأبيات ليست من إبداعي ولو أنني باستطاعتي كتابة وإبداع مثلها أو أحسن منها، بصفتي فنانا شعبيا “شيخ للعيطة” مغنيا وموسيقيا “كومنجي” لفرقة موسيقية غنائية “رباعة الشيخات”، وشاعرا زجالا..بل هي أبيات لمقطع من “عيطة عريس الخيل”، أبدعها جدي رحمه الله وهو أحد أسلافي الفنانين “أشياخ وشيخات” فن العيطة، وهذه الأغنية التراثية هي عيطة مرساوية عاطفية وجدانية، تتغنى بالحب والجمال.. وغناء العيطة هو غناء عاطفي بامتياز احتفى بالحب وبالعشاق منذ قرون خلت، حيت يوضح الشاعر العيطي في هذه الأبيات مدى حبه وعشقه للحبيب، فهو يشتاق لرؤيته في كل وقت وحين لإطفاء لهيب لوعة الحب “حبيبي جيني بالليل وجيني فالصباح وجيني لعشية”، و لا يطيق فراق المحبوب ويود أن يعبر له عن حبه بصفة دائمة، وليس باستطاعته أن ينتظر أسبوعا أو شهرا أو عاما كاملا حتى يتذكره ويعبر له عن شوقه وهيامه..وقد خلدت “العيطة” قصص الحب في أغاني خالدة “عيوط خاترة” ، أذكر منها ” عيطة دامي، وعيطة ركوب الخيل، وعيطة الشاليني، وعيطة جنان سطات، وعيطة العين، وعيطة الكافرة غدرتيني..”.
وبالمناسبة لم تعد تفصلنا سوى أيام قليلة على حلول ذكرى عيد الحب، أو عيد العشاق، أو يوم القديس “فلانتاين” وقد نسميه عيد “لبغو” إذ صح التعبير بلغتنا الدارجة العربية المغربية “العروبية”، أو عيد “بضاض” بلغتنا الأمازيغية. هذا اليوم الذي يصادف يوم رابع عشر فبراير من كل سنة، إذ يعتبر من أهم المناسبات التي يعبر خلالها بعض الأزواج والعشاق عن حبهم لبعضهم البعض، حيث يتبادلون الرسائل والهدايا التي تعبر عن هذا الحب.

وقد بدأت صور العشق والغرام ورسائل وبرقيات التراسل الغرامي تغزو هذه الأيام مواقع التواصل الاجتماعي وعبر تطبيقات التراسل الفوري، كما نجد أن بعض المحلات التجارية الكبرى منها والصغرى في بعض المدن الكبرى أخذت تستعد لاستقبال هذا اليوم بما فيها: دور الأزياء، ومحلات بيع الورود والزهور، ومحلات بيع العطور، ومتاجر بيع الأغطية والهدايا..وزينت واجهات وداخل بعض المطاعم والمقاهي باللون الأحمر الأرجواني..لاستقبال المحتفلين بهذا العيد، إذ فيه يتبادل المتحابون هدايا تختلف في الأشكال والأنواع والقيمة الرمزية والمادية، ويوحدها اللون الأحمر القاني، ذلك اللون الذي يمثل الإثارة والإغراء، لون الدم ولون الورد..إذ يشكل بالنسبة لهم لون الحب، فكل القلوب المغرمة تنبض في هذه الذكرى حبا بشعور رومانسي رائع يتوج باللون الأحمر القاني المثير للانتباه، احتفاء واحتفالا بتخليد ذكرى الموت، بل القتل بالإعدام وسفك الدماء بطعم الحب، وذلك حسب الأسطورة الروائية التي تُروى من بين روايات أخرى بأن سيدهم القس “الفلانتاين”، كان يعيش تحت حكم الإمبراطور “كلاديوس” الثاني في أواخر القرن الثالث الميلادي، وقد لاحظ الإمبراطور أن الأشخاص العزاب أكثر صبرا وإقبالا على خوض الحروب عكس المتزوجين الذين يرفضون الذهاب إلى المعركة، فأصدر أمرا بمنع عقد أي قران، غير أن القس “فلانتاين” كان له رأيه، فعارض أمر الإمبراطور واستمر في إبرام عقود الزواج بين الأشخاص المتحابين سرا إلى أن تم اكتشاف أمره، وقد حاول الإمبراطور السماح له، ومقابل العفو عنه طلب منه الخروج من إيمانه المسيحي والدخول في الوثنية بعبادة آلهة الرومان، لكن القديس “فلانتاين” رفض ذلك وتشبت بمبادئه وآثر التمسك بدينه، فتُفذ فيه حكم الإعدام بتاريخ رابع عشر فبراير، وكانت هذه بداية الاحتفال بهذا اليوم احتفاء لذكرى القس الذي دافع عن حق المتحابين في الزواج والحب.
وفي السنوات الأخيرة بدأت العديد من الأسر المغربية وخاصة بعض الشباب يهتمون بهذا العيد، الذي يسمونه عيد الحب أو عيد العشاق، بحكم عولمة القيم وسيطرة قيم الدول العظمى على الدول الفقيرة وغزوها ثقافيا وفكريا، فإن هذا الاحتفال السنوي بدأ ينتشر في العديد من دول العالم، والمغرب واحد من بين الدول التي أضحى القليل من الناس فيها يهتمون بهذا العيد، وذلك رغبة من بعض المغاربة في محاكاة سلوكيات الدول الغربية حيث يتبادلون الهدايا من بطاقات التهنئة وشعر الغزل والورود الحمراء والدمى والدببة.. إلى تأتثيث البيت كله في هذا اليوم باللون الأحمر الأرجواني وخاصة غرفة النوم..
ونجد المغاربة يتعاملون بشكل متباين مع هذا العيد، أو بالأحرى مع هذه المناسبة، وتتفاوت وجهات النظر بين مؤيد ومعارض، هناك من يذهب بأن هذا العيد بدعة النصارى ولا يحق لأي مسلم أن يحتفل به، وهناك من يرى بأن هذه المناسبة مثل أية مناسبة أخرى تخصص للاحتفال وإدخال البهجة والفرحة على القلوب بدون أية خلفية دينية، وهناك من لا يرى مانعا في الاحتفال بمنسابة “سان فلانتاين” بدعوى أنها ذكرى جميلة يستطيع فيها الناس أن يعبروا عن مشاعرهم ويقدمون الهدايا لمن يكنون لهم الحب والمودة وتروج التجارة وينتعش الاقتصاد.. كما أن هناك من يجدها فرصة تقرب بين الأصدقاء والأهل والأحباب وتنسيهم لحظة الخلاف وهي مناسبة للصلح.
وبالمناسبة تذكرت نهاية ثمانينيات القرن الماضي، لما كنت أشتغل فنانا شعبيا “شيخ كومنجي” مع مجموعات غنائية “ربايع الشيخات” منها: ( ثلاثي سطات، وشيخات سطات، وثلاثي لقصارة..وثلاثي السعيدي…)، حيت كنا نحيي الحفلات والأعراس..فكان الجمهور يتفاعل بحماس مع الأغاني الغرامية العاطفية ذات الإيقاع الخفيف الراقص، وكانت تعجبني البذلة الموحدة للشيخات وهن يرفلن في القفاطين الحمراء، فحتى لون طلاء آلة الكمان غالبا ما يكون أحمرا، ويقال أنه اختاره الفنان العالمي صانع آلة الكمان الشهير الايطالي “ستراديفاريس” ليخلد به حبه، ويُزعم أنه خلط دمه بدم حبيبته وصبغ به آلاته..كما كانت لكل واحدة من الشيخات اللواتي عملن معي قصة حب فاشلة، أو زواج قسري دون حب من شيخ عجوز جعلها تثور على قرار عائلتها، وتتمرد على العادات والتقاليد، وتمتهن حرفة “شيخة”. كارهة للحب وعيده، ورغم أن حناجر الشيخات تصدح بأغاني الحب والغزل والأيروسية.. فهن كالهاربات من الجمر إلى النار، وأغلبهن يجمعن على أنهن كن ضحايا ما يسمى ب”الحب”.
وتعود بي الذاكرة سنين إلى الوراء، واستحضر لما كنت دركيا ضابطا للشرطة القضائية رئيسا للدوريات، باحثا ومحققا في قضايا مختلفة، فكنت أداهم رفقة زملائي في العمل وكرا بل أوكارا للدعارة، حيت كانت كل وسيطة في البغاء “قوادة” تحتجز بمنزلها عدد من النساء منهن القاصرات، يبعن أجسادهن في سوق النخاسة الحديثة، تجارة البشر.. دعارة مقرفة، يمارسن الجنس أحيانا مرغمات ليل نهار، وحتى وهن حائضات، في وضعيات شاذة مرضاة لرغبات زبون مكبوت متعطش لسادية جنسية. كنا نعتقل المتورطين في الجريمة ذكورا وإناثا، كل حسب التهمة المقترفَة، وكانت النساء المعتقلات يصرحن ضمن أقوالهن أثناء الاستماع إليهن، أنهن ولجن عالم الدعارة عن طريق صدمة الحب، بل “كذبة الحب”، عشق فاشل أو ممنوع، كن فتيات حالمات، طائشات، غرر بهن من طرف رجال بل ذكورا أشباه رجال عديمي المسؤولية، أوهموهن بكلمات معسولة ووعود بالزواج كاذبة، وبحب مزيف لا يفرق بين العاطفة والجنس، لا يفرق بين الفضيلة والرذيلة، كذبوا عليهن، مستغلين يفاعة عقولهن، وضعفهن المادي والمعرفي، وزجوا بهن في مغامرات تكبرهن سنا، حتى نالوا مرادهم وتخلوا عنهن بعدما فقدن شرفهن، وكدن أن يفقدن عقولهن.
وتذكرت وأنا أقوم بتحريات ومعاينات في جرائم العثور على أطفال حديتي الولادة مرميين في أكياس بلاستيكية للأزبال أو في حاويات للقمامة، أو متخلى عنهم على ضفاف أنهار أو مباني مهجورة..منهم من قتلته ومزقته الكلاب والقطط الضالة، ومنهم من وجدناه حيا ونقل إلى مؤسسة خيرية أو دار أيتام..وحينما كنت أصل إلى الأم الفاعلة، كانت تنهار باكية معترفة أنها أحبت من لا يستحق حبها. مقرة أنها انخدعت في شخص كاذب، أوهمها أنه يحبها، وتنكر لها بعدما خفق له قلبها وسلمته جسدها قلبا وقالبا، وحتى الذكور المتهمين كانوا ينكرون علاقتهم بتلك النساء الأمهات العازبات المتورطات في رمي فلذات أكبادهن أو قتلهم..ذكورا تخلوا عن مسؤوليتهم لا يستحقون لقب رجال.
وتذكرت وأنا ضابط أبحاث جنائية ومحقق في جرائم قتل بشعة بسبب الخيانة الزوجية، كان أبطالها عشاق من الجنسين، آمنوا بالحب الممنوع، ووأرادوا أن يتحدوا العشق الممنوع..حب كان أوله عسل وآخره بصل بل قتل، حيث تنطبق عليهم مقولة “ومن الحب ما قتل”. ذلك بسبب الفهم الخاطئ للمعنى الحقيقي للحب. وكم هو جميل أن تجمع بين كل حبيبين علاقة حب عظيمة لا يمكن خلالها أن يستغني أحدهما عن الآخر، لكن من المؤسف أن يتحول هذا الحب إلى كراهية وحقد وانتقام بعد علاقة يعتبرها البعض علاقة فاشلة والبعض الآخر يسميها علاقة خاطئة..
وتذكرت وأنا أجري بحثا بل أبحاثا، وألتقط صورا فوتوغرافية لضحايا جرائم الانتحار من الجنسين، سواء عن طريق الشنق أو تجرع مادة سامة، أو إلقاء الشخص بنفسه من أماكن عالية…، وبعد البحث يتضح أن الانتحار كان نتيجة حب مزيف “صدمة خيانة حب”. وأحيانا يترك المنتحر رسالة يدبجها بعبارات وألفاظ غرامية وجدانية يهديها لمن كان سببا في عذابه وموته.
ورغم ذلك نجد أن الناس يعشقون حكايات الحب ويطربون لسماعها، لكنهم لا يستطيعون أن يكونوا أبطالها الحقيقيون، بل يفضلون أن يكونوا أبطالا حالمين، أبطالا مزيفين..فأغلبهم يريد أن يعيش الحب لكنه يخشاه، لأنه سر غريب، يتمنى الإنسان أن يعيش الحب إلى الأبد، ويتخوف منه في نفس الوقت، ويستعذب قصصا حالمة رومانسية، لكن الكثيرون لا يلتزمون مع من يحبون، ولأن الحب كذلك، يرتبط لدى الأفراد بفزع عوض أن يتحول إلى فرح، فالكل يخشى زوال الفرح، وليس الحب أن نحصره بين رجل وامرأة، ومنابع الحب كثيرة، علينا أن نحب ذاتنا، أن نحب حياتنا كما هي، أن نحب الآخر في الله.. وقديما قال الفيلسوف هوراس:”أقطف يومك بحب، لأن اليوم يزول، ويتلاشى وقد لا يعقبه يوم آخر”، وقال أيضا الفيلسوف المصري إبراهيم الفقي: “عش بالحب، عش بالأمل، عش بالإيمان، عش بالكفاح، عش كل لحظة كأنها آخر لحظة في حياتك وقدر قيمة الحياة”.
وبصفتي حاليا فنان شعبي “شيخ للعيطة”، عازف كمان “كومانجي” ومغني ل”رباعة الشيخات”، فإن عبارات وألفاظ الحب الايروتيكي هي الطاغية كثيرا في المتن العيطي، خلال مناسبات الأفراح ..

وأستحضر منها مقطعا من عيطة “اللي بغا حبيبو”:
بيني وبين غزالي…جمعنا حب كبير
وبيني وبين العالي…ما نحتاج وزير
ويريد الشاعر الشيخ العيطي أن يوضح أنه صادق في مشاعره أتجاه المحبوب المعشوق، وحبه له كبيرا، كما يبين في البيت الثاني أن تدينه وعلاقته بخالقه تهمه لوحده، ولا يحتاج فيها إلى وسيط أو وصي..وأنا شخصيا لست ضد الحب، فالحب في ديننا الحنيف “الإسلام” حب يتسم بالايجابية ويتحلى بالالتزام، فلا يكفي أن تحب بالمظهر الجميل وبالهدايا الغالية والثمينة والملففة بالأحمر الأرجواني، ولكن ينبغي أن تحب الروح الأخاذة والذات الرائعة، ومن الجميل أن يكون ضمن أجندة مناسبات الشعوب بمختلف أجناسها، ألوانها، عقائدها ودرجات ازدهارها..على الأقل يوم يخلد لأعظم رابطة يمكن أن تجمع بين رجل وامرأة وهي رابطة الحب، وليس الحب مقتصر في كلام معسول أو لون أحمر أو قرمزي، ولا في قطعة قماش بلون الدم نرتديها لهذه المناسبة.. والحب الحقيقي بين الرجل والمرأة هو الذي يكون في الحلال، وهو من شيم الكمال وليس من صفات النقص، ومن شروط الحب أن يكون ضمن رضا الله وتحقيق أوامره، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن يسير هذا الحب في اتجاهه الطبيعي من غير غلو أو مبالغة، كما ينبغي أن نفرق بين الحب والجنس، بين ما هو عاطفي وجداني طاهر وما هو مادي نجس، فالحب مشاعر نبيلة خالصة طاهرة، هذا الرباط المقدس الذي ما فتئت تتغنى به أشعار الشعراء وألحان الموسيقيين وأفلام السينمائيين، وتصدح به حناجر العسكريين بالأناشيد الوطنية الحماسية، و”عيوط الشيخات” الأيروسية.. ولم يفارق ديننا الحنيف المحبين، ولم يطارد بواعث العشق والهوى في النفوس، ولم يجنح لتجفيف منابع العاطفة، بل على العكس، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “لم ير للمتحابين مثل النكاح” وقال (ص ) في حديث آخر: ” اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك”.
لأجل ما سبق ذكره، فأنا لم، ولا، ولن أحتفل بهذا اليوم، أو بالأحرى هذا العيد “الفلانتان”، بصفتي بدوي قادم من ريف ناء، من أرياف سهل الشاوية؛ ريف “أولاد عبو” بمنطقة “أولاد سعيد” ضواحي مدينة “سطات”، فتنشئتي الاجتماعية وثقافتي الريفية تأسرني رغم محاولاتي تصنع وتمثيل التمدن والعصرنة، أخجل حتى أن أبوح لمن أحب بكلمة “أحبك” “كنبغيك” ولو على سبيل التمثيل، رغم أنني أذوب عشقا وهياما، محبا ومحبوبا، لكني في المقابل أبرهن على ذلك بالأفعال، ومن الجميل في الصدفة أن اسمي العائلي “المحبوب”، وبالنسبة إلي ليس الحب أن أحصره وأتذكره بل أخلده في يوم واحد، ولا بلون أحمر أو بنفسجي ولا حتى القرمزي، الحب هو دوام على سائر الأيام: حنان، وفاء، مودة، تضحية وإخلاص للمحبوب، أعتبر أيامي كلها حب، فليس بالضرورة أن يأتي ما يسمونه “عيد الحب” كي أعيش هذا الشعور، فأنا أعيش الحب دائما مع زوجتي بحسن المعاشرة والمودة والسكينة، ومع أبنائي بالعطف والحنان، ومع أصدقائي بالوفاء والإخلاص..فالحب في نظري يكمن في الشحنة الايجابية التي يحملها الإنسان بداخله، وفي العطاء الذي لا يبخل به عن الآخر….
يمكن اعتبار مفهوم الحب من القضايا المعلقة التي لم يتم الحسم فيها لغويا في لغتنا العامية المغربية “الدارجة العروبية”، لهذا السبب نجد أن العشاق المغاربة يلجئون إلى اللغة الفرنسية أو الأنجليزية أو العربية الفصحى من أجل التعبير عن حبهم، خصوصا أن الموقف يمر عبر حالة من الإحراج والارتباك الشديدين، فعبارات “كنبغيك” أو “كنموت عليك” أو “كنسطى عليك”، لا تنجح تماما في إيصال تلك الشحنة العاطفية التي يتضمنها الإحساس بالحب، الأمر الذي يتحول معه المغاربة إلى أجانب فرنسيين أو أمريكيين أو خليجيين أو مصريين..عندما يحبون، هذا بالنسبة للتعبير اللغوي المباشر، لكن لحسن الحظ هناك طرق أخرى غير مباشرة للاعتراف، والتي يمكن أن تعفي المغربي من الموقف المحرج، فنحن مثلا كعشاق سابقين كنا نتبادل الرسائل والبطاقات الورقية “الكارت بوسطال”، الملونة والمعطرة التي كنا نبت فيها مشاعرنا الرقيقة وتعابيرنا الغرامية التي كنا ننقلها بعناية من كتب “الرسائل الغرامية”، هذه الكتب التي كنا نتداولها بيننا بسرية تامة وكأننا نتبادل منشورات سياسية سرية، حيث متعة تبادل رسائل الحب الورقية كانت تضاهي متعة لقاء المحبوب، بل أحيانا كانت المتعة تصير جماعية عندما كنا نجتمع اثنين أو ثلاثة ونتعاون على كتابة رسالة حب أو ونحن نقرأ الجواب الذي وصل للتو من المحبوب ونفك شفراته، وقد نحفظ ما كتب ونستظهره مرات عديدة تحت الغطاء في ظلام الليل..أما اليوم فقد انقرضت الرسائل الورقية وحرم الجيل الحالي من متعتها، وحلت محلها الرسائل والبرقيات القصيرة على الهواتف وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، رسائل التكنولوجيا الحديثة الرقمية التي جعلت المأمورية سهلة وخاصة مع إدخال تقنيات استعمال الذكاء الاصطناعي في توضيب الصور وتنميق العبارات.

ما أروع الحب وما أجمل مشاعره وأحاسيسه وما أبغض الكره وأقبح نتائجه ومخلفاته! وأن تحب معناه أن تفتح ذراعيك للحياة. كل العقبات والصعاب تبدو قابلة أن تهون أمام نظرتك الوردية التي لونها الحب، وأينعت على جنباتها تعاريش الفرح، بعكس الكره الذي يظل سوادا في سواد، فعلا كلنا نحب ونعرف الحب ويسكن دواخلنا ويجعلها تنبض بالحياة..لكن هل ذلك الذي من حولنا يعرف هذا الحب؟ من أسبلنا عليه تلك الحلة المشوبة بالقدسية..حلة المحبوب.. ومن أفردنا له الجوانح ليعبث فيها كما يشاء؛ سراجا وظلمة..ترياقا وحمى.. فقد نكون في حالة تعلق أو حتى شغف ووله وتدله..وكل درجات الوجد التي صنفها أسلافنا، لكن ما الجدوى إذا كان من نحبه يحب فقط دخلنا الشهري ومظهرنا الخارجي..وينتظر اللحظة التي يبحث فيها عن البديل أو يتركنا في أول عقبة.
وبالنسبة إلي، فأنا عاشق مغرم متيم: أحب ديني، أحب وطني، أحب ملكي، أحب زوجتي، أحب أبنائي، أحب العيطة، وأحبكم سيداتي، آنساتي وسادتي..وبصفتي شيخ ممارس لفن العيطة، كومنجي لرباعة الشيخات..أستحضر الشيخة وهي تغني أمامي على صوت الكمنجة النادب النائح، وهي تصرخ وتصيح بأعلى صوتها، بألفاظ وعبارات الحب والهيام في عيطة “الحساب الزعري” من “العيطة الزعرية”، ولا أدري أأحبت تلك الشيخة أم كرهت، أغنت أم بكت، وهي تغني والدمع في عينيها يترقق وحبالها الصوتية توشك أن تتمزق وهي تعيط غائبة عما حولها ولا تعي بما تنطق:
خليوني نشرب….من دموع الحب
كيف ندير يا حبـــــــي..ايلا عفى ربـــــي
ايلا شفتي دموع تطيح…عرف الحب صحيح
تبع طريق الحب….حتى تساس وطــب
اللي ماعندوش الحب….علاش كيشرب؟
حبيبي يا المحبــــوب…حبنا مكتــــوب
ايلا كَال ليك كنبغيك….بغا يخرج عليك
مخيبو بضاض…تاع مول لولاد
ايلا شدك بضاض….تبيع حتى لبلاد.
ما بغيت ضرار…ع الحب اللي غدار
ونقفل هذا الباب بخاتمة “سدة” من العيطة الحوزية : والحبيب… واهيا…بضاض صعيب
اعذروني إن أطلت عليكم، فأنا فنان شعبي “شيخ للعيطة”، ومن خاصيات فن العيطة الطول، ومدة الأغنية العيطية تتراوح بين أربعين إلى خمسين دقيقة، أما معي أنا ومع “رباعة الشيخات” ، وسخاء الاكراميات “الغرامة عومار”، أجعل مدتها تتعدى الساعة، وهذا في حد ذاته حبا لهذا الفن التراثي الأصيل.
وعليه لن أقول لكم عيد حب سعيد، لكن سأقول لكم: أنتم الحب لكل عيد، وكل عام وأنتم عاشقون..وتحية حب من المحبوب إلى الجمهور الحبيب.
Views: 22







