الحلقة العاشرة

جريدة جسر التواصل: هناك مجموعة من الفنانين الشعبين “أشياخ العيطة”، متزوجين بفنانات شعبيات “شيخات”، ويعملن معهم في نفس المجموعة الغنائية، ما ردك على هذه الظاهرة؟
الحسين السطاتي: للناس فيما يعشقون مذاهب، وللحب سلطان على القلوب، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على رقي هذا الفن واحترامه للإنسان كإنسان، وانفتاحه وتفتحه على الحياة وحرية الاختيار ونضج الوعي، وتحديه للنظرة الرجعية المتخلفة لبعض أفراد المجتمع، ولبعض الرجال المتزمتين المتشددين.. فالشيخات هن نساء من المغرب، وأعرف بعض أصدقائي “أشياخ للعيطة” متزوجين بشيخات ولهما أبناء ويعيشان في ود وتفاهم ومحبة راضين ببعضهما، وقد عمر زواجهما طويلا، وصار لهما أبناء منهم أطر مهمين في الدولة، وكم من شخصيات سامية تزوجوا بفنانات “شيخات” وكان زواجهم ناجحا، عكس بعض الزيجات في مجالات أخرى ومن طبقات اجتماعية مختلفة ومن مناصب ومهن محترمة اجتماعيا، لكنهم أزواج فقط بالمظاهر وفي الظهر..وفي الحقيقة تجدهما يعيشان طلاقا صامتا، يمثلون ظاهريا أمام الناس أنهم يعيشون االسعادة الزوجية وهم يعيشون جحيما زوجيا باطنه الكراهية والقهر والخيانة الزوجية والغدر..
جريدة جسر التواصل: بصفتك فنان شعبي “شيخ للعيطة”، يلاحظ مؤخرا في المجموعة الغنائية العيطية “رباعة الشيخات”، التركيز على الجانب الاستعراضي للشيخات، من الرقص والغنج والدلع..فهل هذا يضيف إلى العيطة أو ينقص منها؟
الحسين السطاتي: فن العيطة هو فن تراثي مغربي أصيل، يجمع بين الشعر والغناء والرقص وحتى المسرح..وضمن المتن العيطي نجد القصيدة القصة، والأقصوصة، والقصة القصيرة جدا، والقصة القصيرة، والقصة، والرواية، والخرافة ..حيث يمتزج الواقع بالخيال..لهذا فالجانب الاستعراضي بما فيه من غنج ودلال ودلع إذا كان يصب في خانة الأغنية العيطية، بمعنى في الجانب الفني فهو مقبول تبعا للنص الذي يغنى والرقصات العيطية التي تؤدى، والمعروف أن فن العيطة هو فن بدوي رعوي، يعبر عن البيئة الريفية التي نشأ فيها، وأغلب الرقصات مأخوذة من حركات الطيور والحيوانات والحشرات وحتى النباتات، والرقصة في فن العيطة تسمى “الشطحة”، فنجد مثلا : “شطحة الحمامة”، و”شطحة الحجلة”، و”شطحة الوردة”، و”شطحة النحلة”، و”شطحة الأفعى”، و”شطحة التمساح”، و”شطحة العود”، و”شطحة القردة”، و”شطحة الذئاب” و”شطحة الخنازير”.. وغيرها من الرقصات “الشطحات” الجميلة المثيرة، فنجد الشيخة تحاكي في رقصاتها تلك الحركات التي تقوم بها هذه المخلوقات فمثلا إذا أخذنا رقصة الفرس “شطحة العود”، نجد أن الشيخات يحاكين ويمثلن ما تقوم به الخيل من حركات وتحركات في عنفها وعنفوانها، من حركات مثيرة وأصوات صهيل ونفير، وتزاحم، وتصادم، وتراكل.. نجد الشيخات تتصادم بالأرداف، وتتشابك بالأيدي وتركب الواحدة فوق ظهر الأخرى وتصهل .. أما عن تلك الحركات والإيحاءات التي يسميها البعض”إباحية”، فهي تبقى خلق وإبداع حسب مزاج بعض الشيخات في حالة غواية وانتشاء، وفي لحظة تجلي مع القطعة الموسيقية العيطية، وهو إبداع فردي من الشيخة، من أجل أن يستحسن الجمهور أدائها وأن يغدق عليها بالإكراميات.

جريدة جسر التواصل: ما المهارات والمواصفات الفنية والجسدية التي تستند إليها لاختيار فنانة شعبية “شيخة” للعمل ضمن مجموعتك الموسيقية العيطية؟
الحسين السطاتي: أعرف مجموعة من الفنانات الشعبيات “الشيخات”، اللواتي يتقن فن العيطة، ولهن خبرة وتجربة ميدانية، بمعنى “شيخات عياطات”، منهن من سبق لهن أن عملن معي، ويعرفن أصول ومهارات فن العيطة، والشيخة المحترفة هي التي تتكلف باختيار زميلاتها الأربعة الأخريات، منهن من تساعدها في ترديد اللازمة “الكورال” ومنهن من تقوم بتقديم الوصلات الراقصة، ومن بين ما أطلب لها أن تكون الفتاة “الشيخة” بالغة راشدة وجريئة وذات شخصية قوية، يعني يتعدى سنها الثامنة عشر، وباستطاعتها أن تتحمل بعض حماقات الجمهور، وتحسن بعض الرقصات، وأن تكون الفتاة مقبولة الشكل، وذات أخلاق حسنة، وكل واحدة من الفنانات بالمجموعة العيطية تقوم بالدور المناسب لها، كل واحدة حسب كفاءتها الفنية وتميزها عن زميلتها سواء في السن والصوت وفي الرقص، وهن يتعلمن من بعضهن البعض.
جريدة جسر التواصل: ماذا يعني لك أن تكون فنانا شعبيا “شيخا للعيطة” في المغرب؟
الحسين السطاتي: يبقى ذلك متعلقا بالفنان نفسه، ثقافته وطريقة احترامه لفنه ولجمهوره، وثقته بنفسه وقوة شخصيته، ونوعية الفن الذي يقدمه للمتلقي،فإما أن يكون محتقرا دليلا منبوذا في المجتمع، أو يعيش فنانا سلطانا، محبوبا ومطلوبا ومحترما، وذلك حسب شخصيته، كما نقول في فن العيطة، في عيطة دامي المرساوية (عزها تعزك …دلها تدلك…حتى حبيب ما يدوم لحبيبو…حط راسك فين تصيبو).
جريدة جسر التواصل: لو عاد بك الزمان إلى الوراء، هل كنت ستسلك نفس الخيارات؟
الحسين السطاتي: لست نادما على أي شيء فعلته، الندم لا يورث سوى الحسرة والأمراض..الحياة تجارب، وقد جربت كل ما نفسي فيه، ومازلت أجرب، وهذه هي سنة الحياة، وهذه هي الطريق التي اختارها لي ربي وأنا راض بقدر الله خيره وشره، شاكرا لله بنصيبي في الدنيا، كانت رحلة حياتي متعبة وصارت جد ممتعة، بعذابها وجمالها وراحتها، وبحلوها ومرها، لقد كتبت بعضا من حياتي إلى حد الآن في ثلاثة أجزاء، الأول بعنوان “عيطة دموع الخيل”، والثاني بعنوان “عيطة الحب وحب العيطة”، والثالث اخترت له عنوان “عيطة عريس الخيل”، ومازلت أكتب ما مر بحياتي من تجارب، رغبة في التطهر والاستشفاء، لعل القارئ يجد فيها ما يفيده وما يسليه ويمتعه..وأنا جد راض على ما وصلت إليه وما حققته، أعتبر نفسي إلى حد الآن ناجحا في حياتي، والحمد والشكر لله على كل حال.
جريدة جسر التواصل: كيف يتعامل الفنان الحسين السطاتي “شيخ العيطة” مع توتر المقابلات الصحفية أو بداية سهراتك؟
الحسين السطاتي: طبعا يكون هناك في البداية بعض الارتباك والتوتر المقبول، تعرق ودهشة فنية، واستنفار فكري، ولكن مباشرة بعد البداية بدقائق ينتهي هذا الشعور، لكن ليس هناك أي توتر حاد مبالغ فيه أو خوف مرضي، بالنسبة لمقابلاتي الصحفية أو بداية حفلاتي وسهراتي، الحمد لله عندي ثقافة فنية حول الفن الذي أزاوله، وأنا على استعداد للمناظرة والمحاضرة والندوة والمؤتمر الصحفي.. والجميل في فن العيطة، أن المجتمع يتغاضى عن كل أخطاء الشيخ والشيخة، يتسامح مع فنان العيطة، بدعوى أنه ليس لديه ما يخسره، فهو أصلا في نظر البعض “خاسر”، وهو حر في تصريحاته، لكنني أكون حريصا أن يكون حضوري يشرفني ويشرف الفن الذي أقدمه.
جريدة جسر التواصل: لماذا لم يهاجر الفنان الحسين السطاتي خارج المغرب كما فعل بعض فناني العيطة؟
الحسين السطاتي: أتمنى أن أقوم بجولات فنية في دول أوربية وأمريكية وعربية..للتعريف بفن العيطة المغربي وبالزي التقليدي المغربي، ولأكتشف وأتعرف على ثقافة الآخر، لكنني لا أريد أن أستقر خارج المغرب بصفة نهائية، لدي عائلتي الصغيرة المتكونة منزوجتي: “نرجس كريمة” وأبناء “بذرة وريحانة ومحمد”، وأتحمل مسؤوليتي في مساعدة زوجتي في أمان الأسرة حتى يصل الأبناء إلى بر الأمان ويتزوجوا، كما أنني إلى حد الآن مرتاح في بلدي، وأستثمر في مجال الحلاقة العصرية والحفلات، أطمح أن أسافر إلى دول لمدة قصيرة من أجل السياحة وإحياء السهرات، لكن لا أريد أن تكون إقامتي خارج المغرب إقامة دائمة، بل إنني أفكر في المستقبل إن شاء الله، أن أعود إلى مسكني بالبادية، وأعود إلى الدوار وأهتم بالفلاحة وتربية الماشية.
جريدة جسر التواصل :كيف ترى الأغنية الشعبية العيطية الآن؟
الحسين السطاتي: بصفتي فنان شعبي “شيخ للعيطة”، أقول لك أنني جد متفائل لمصير فن العيطة، فالعيطة على أحسن حال وهي في أيادي آمنة، مازالت حاضرة في جميع المناسبات باختلاف أنواعها، ومسجلة وموثقة بأحدث الآلات الموسيقية وأعذب الألحان والأصوات العيطية، والعيطة دائما في تجديد مستمر وتسير من حسن إلى أحسن. وهذا راجع إلى التقدم العلمي، بما فيه التطور التكنولوجي واللوجيستي، واستغلال المكننة والرقمنة في هذا الفن، صار اليوم الفنانين العيطيين “شيخات وأشياخ” من المثقفين الواعين بفنهم وبما يقدمونه للمتلقي، هناك شباب ذكورا وإناثا دارسين للموسيقى دراسة أكاديمية، يعيون جيدا معنى الموسيقى والغناء ويتعاطون لفن العيطة، ومن الممارسين لهذا الفن من لهم مستوى دراسي وثقافي عال، وحاصلين على دبلومات وشواهد علمية عالية، منهم أطباء وأساتذة جامعيين ومهندسين وضباط جيش وقضاة متقاعدين ..الشيء الذي أضفى على فن العيطة قابلية وحضوة اجتماعية جيدة، وإقبالا وقبولا جماهيريا، وحببها للشباب، وأجزم لك أن العيطة صارت في أيدي آمنة، سننقلها إلى الأجيال القادمة في حلة جيدة. فمثلا أنا شخصيا بصفتي فنان شعبي “شيخ للعيطة” وكاتب قاص وروائي، فقد جددت في هذا الفن أحييت “عيوط” كانت قد طالها النسيان منها عيطة البيضة” و”عيطة العين”، وقد نقلت هذه العيطة الأخيرة من أغنية تراثية إلى عمل روائي سردي، وكتبتها رواية تحت عنوان “العين الزرقاء”.
جريدة جسر التواصل: يقال بأن التقليد مقبرة الفنان، ألا يقلد الحسين السطاتي، فنان العيطة “الشيخ خالد ولد البوعزاوي”؟ وكيف هي علاقتك بهذا الفنان؟
الحسين السطاتي: هذا سؤال جميل ورائع، ويطرح علي كثيرا، سواء من طرف الناقدين أو الصحفيين وحتى من طرف بعض المعجبين سواء بالمباشر أو على مواقع التواصل الإجتماعي، وفي الحقيقة أعتبر هذا حلم وتحقق بالنسبة إلي، فأنا أمارس فن العيطة بصفة عامة، منه فن العيطة المرساوية بصفة خاصة، أريد الحفاظ على قالب العيطة المرساوية في ما يتعلق بهويتنا الفنية المغربية، وذلك بالمحافظة على اللباس التقليدي المغربي، والذي نسميه في “حرفة تشياخيت” ب”الحطة”؛ بما في ذلك الجلباب والجبادور والسلهام والقفطان والبلغة والسروال الفضفاض القندريسي والطربوش المغربي، وحتى في طريقة العزف على الآلة الموسيقية، حيث تعزف الكمنجة في العيطة المرساوية وقاعدة الكمنجة موضوعة على الركبة اليسرى، والشيخ يعزف على الكمنجة في وضعية الجلوس، ثم تلك الانسيابية والتلقائية في طريقة العزف، كل هذا يدخل في مميزات هذا النوع من العيطة، وهذا ما تركه لنا الأجداد الأسلاف، حيث توارثناه عبر التواتر من جيل لجيل، ونقلته من عدة أشياخ أذكر منهم: الماريشال قيبو والماريشال ميلود، وحمو البوفي، وعبد الحق ولد الحلاوي، وعبد الصادق، والصالح السمعلي، ومبارك العوني، وخالد العوني، ثم الشيخ خالد البوعزاوي وآخرين، وفيما يتعلق بالمجموعة الرائدة في فن العيطة “مجموعة أولاد البوعزاوي”، فأنا أعتبرها مدرسة فنية لفن العيطة، وأنا تلميذ تخرجت منها، وأكن الاحترام والتقدير لكل الإخوة “الأشياخ أولاد البوعزاوي”، ولا مجال للمقارنة بين المدرسة والتلميذ، لا مجال للمقارنة بين الفنان “الشيخ الحسين السطاتي” و”شيخ لشياخ خالد ولد البوعزاوي”، هذا الفنان الذي أعطى الكثير ومازال يعطي لفن العيطة، وحافظ على رونقها وجماليتها، وساهم في استمرارها بالطريقة التقليدية الجميلة، فالشيخ خالد ولد البوعزاوي هو شيخي وأستاذي تعلمت منه الكثير عبر السماع وفي المباشر خلال لقائي به، وعلاقتي به جد طيبة أتواصل معه أحيانا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأحيانا عبر الهاتف، ولا يبخل علي بتوجيه وبنصائح، إنه الفنان الذي أقتدي به، ومنذ ما يزيد على عشرين سنة تقريبا التقيت به في سهرة بمدينة أبي الجعد وغنيت معه وعرف حينها أنني دركي، ونصحني بالعودة إلى الساحة الفنية العيطية، فأنا أحاول قدر المستطاع تمثيل فن العيطة أحسن تمثيل، بالحفاظ على الزي التقليدي مع تجديده في الخياطة والفصالة، والنبش في هذا التراث اللامادي، لإحياء بعض “العيوط”، التي كانت مقبورة، مثال على ذلك “عيطة البيضة، وعيطة العين”..وانتقاء الكلمات في المتن العيطي وتجديدها، وأدخلت العيطة إلى الكتابة السردية، أدخلتها في القصة والرواية والمسرح..لذلك أنا لست مقلد بل مخلد ومجدد لهذا التراث المغربي الجميل، إذ لا يمكن لنا أن نركن إلى التقليد والتمجيد من أجل التخليد، فلابد لنا من الإبداع والتجديد كي نسير بهذا الإرث المشترك إلى بعيد.
Views: 21























