الحلقة التاسعة

جريدة “جسر التواصل” : ما هي السهرة أو العرس الذي ترك بصمته في حياة الفنان “شيخ العيطة” الحسين السطاتي؟
الحسين السطاتي: كثيرة هي السهرات والأعراس التي أحييتها وتركت بصمتها في حياتي، من بينها أنني كنت في أوج مراهقتي بمستوى السنة الثانية من التعليم الثانوي، وكنت من بين التلاميذ النزلاء بالقسم الداخلي بثانوية ابن رشد بمدينة برشيد، وأتذكر أنه في عطلة نهاية الأسبوع وكان الفصل نهاية الربيع، أحييت حفلة عرس بدوار قريب من دوارنا، وكنت لوحدي أعزف على آلة الكمنجة وتشاركني بعض النساء الحاضرات في ضبط الإيقاع وذلك بالعزف على” البنادير” و”الطعارج” والغناء، حيت كانت حفلة زفاف مقامة بالليل، سهرة خاصة بالنساء وقليل من الرجال من أهل العرس، وكنت خلالها المستفيد الوحيد من أموال الإكراميات التي تمنح إلي من الجمهور الحاضر وأغلبه نساء، وفي الصباح لما عدت إلى منزلنا بالدوار حوالي الساعة الخامسة صباحا، أعددت النقود فوجدت مبلغ يفوق تسعمائة درهم، وكان بالنسبة إلي مبلغ كبير في ذلك الوقت، يشكل ثروة بالنسبة إلي، زادني ذلك محبة وارتباطا وعشقا لفن العيطة، وهناك سهرات كثيرة بالنسبة إلي صارت ذكريات رائعة مثلا تلك السهرات التي كنت أحييها مع مجموعات غنائية وأنا دركي ضابط للشرطة القضائية، كسهرات أعراس بعض تلاميذي ضباط الصف الدركيين.
جريدة جسر التواصل: صرنا نرى هناك رجال يرقصون مثل النساء الشيخات في مجموعات غنائية، بصفتك فنان شعبي “شيخ للعيطة” ماذا يعني لك ذلك؟

الحسين السطاتي: بصفتي فنان شعبي “شيخ للعيطة”، مغني وعازف كمنجة “كومنجي” لمجموعة غنائية “رباعة الشيخات”، يبدو لي ذلك أمرا عاديا، ففن العيطة هو فن تراثي أصيل رعوي، يجمع بين الشعر والغناء والرقص والمسرح.. ويساوي بين الجنسين وهذه ميزة فن العيطة، والرقص هو فن للجميع للرجل والمرأة والطفل والشيخ، قد نجد رضيعا يحبو ويتمايل على أنغام موسيقى العيطة بشكل راقص، وهذا موجود في تسجيلات فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، كما نجد شيخا تعدى سن المائة يرقص داخل خيمة مع الشيخات، بالنسبة لي لا فرق بين رجل وامرأة وشاب وشيخ في العيطة إلا بحب الفن. ومنذ سنين خلت كان المجتمع لا يسمح للنساء بالرقص وسط الرجال، فكان الرجل يقوم بدور المرأة يرتدي ملابس نسائية ويغني ويرقص وسط المجموعة الغنائية بصوت حاد أنثوي ويرقص رقصا مثيرا يمثل حركات أنثوية تمثيلية فرجوية، يراد من ورائها الفرجة والفكاهة، أعطيك أمثلة كالفنان الراحل “الشيخ المختار السريفي” في فن العيطة الجبلية، والفنانين الأشياخ الراحلين كل من: الفنان”الشيخ بوشعيب البيضاوي، والشيخ المصطفى البيضاوي والشيخ عبد الله البيضاوي” في فن “العيطة المرساوية”، كما نجد الفنان الراحل “فاضيل العبدي” في فن “العيطة العبدية”، والفنان الراحل “الشيخ محمد باعوت” في فن “العيطة البلدية الفيلالية”، وهناك مجموعة شباب أعطوا لمجموعتهم اسم “كباريه شيخات”، وهم يرتدون أزياء نسائية كذلك، حيث يتحول الرجال في برهة من الزمن داخل هذه الفرقة إلى أنداد للنساء.
جريدة جسر التواصل: في اعتقادك كيف هي نظرة المجتمع المحافظ إلى الفنان الشعبي، بما في ذلك نظرة أهل قبيلة “أولاد سعيد” مسقط رأسك بمدينة “سطات” ، التي تجعلهم يعترضون على توجه أبنائهم إلى الفن وخاصة الفن الموسيقي ومنه فن العيطة؟
الحسين السطاتي: المجتمع المغربي بصفة عامة يضع الفن والثقافة في الذيل، ومنها الفن الغنائي الشعبي والعيطي، فحتى في الجرائد تجد الإعلان الفني أو الصفحة الثقافية في الصفحة الأخيرة، وحتى في السهرة الفنية في القنوات التلفزيونية، تجد الفن الشعبي مبرمج في نهاية السهرة، وهناك الكثيرون يعيشون نفاقا اجتماعيا، تجد الرجل يدفع الأموال من أجل استقدام فرقة موسيقية لفن العيطة “رباعة الشيخات” في زواج ابنه أو ابنته، يستمتعون معهم بلحظات الفرح، يغنون ويرقصون، ويكرمون أفراد المجموعة الموسيقية المنشطة، وفي يوم الغد تجده يدم ويقذف الفنانات “الشيخات” بأقذع النعوت، هذا أسميه نفاقا وازدواجية في الشخصية، تلك الازدواجية المرضية السلبية.
جريدة جسر التواصل: بصفتك فنان شعبي “شيخ للعيطة”، ما هي نصيحتك للمرأة الفنانة الشعبية “الشيخة” العاملة في مجال العيطة؟
الحسين السطاتي: نصيحتي لكل امرأة عاملة في مجال فن العيطة أو بمعنى آخر “شيخة” تشتغل بميدان “تشياخيت”، أن تكون فنانة ذكية وعلى حذر، أن تكون نفسها في مجال فنها الموسيقي، وأن تحترم نفسها وتحترم جمهورها، وتبتعد عن الثالوث الملوث للفنان بصفة عامة، وهو الابتعاد عن التدخين بأنواعه، وتجنب شرب الخمر بأنواعه والابتعاد عن الجنس الحرام، إذا أرادت أن تخرج سالمة غانمة من هذا الميدان، ولا تنسى أن تكون أسرة لتلجأ إليها في كبرها، وأذكرها أنه كما للعيطة متعة ولذة ودخلا ماليا، لها عواقب وسلبيات، وكما يقول الشاعر العيطي في بيت من عيطة دامي “عزها تعزك..دلها تدلك”، فإذا خانت الشيخة العيطة ولم تحترمها، ستلحق بها في الأخير ذل وقهر وعار ولعنة العيطة.وعليها أن تستفيد من تجارب سابقاتها “الشيخات” المتمرسات والمجربات في الميدان.
جريدة جسر التواصل: بصفتك الفنية فنان شعبي “شيخ للعيطة” ماذا تقول في شأن الموهبة؟
الحسين السطاتي: الموهبة الفنية مثل معدن البترول في باطن الأرض لا قيمة له إلا عندما يستخرج ويصفى ويهذب ويشذب ويصقل فيصير كنزا ثمينا، والأكثر أهمية فهو التدريب والصقل والاهتمام والتطوير.. وفي ذلك يقول الرسام “مايكل أنكَلو” لو رأت الناس الجهد والتعب الذي بذلته لأتقن فن الرسم ما كانت لتصدق أنني موهوب”، وأفضل أنواع التدريب أن يتدرب الشخص في التمرين وكأنه يخوض في منافسة حقيقية، حتى إذا كان في منافسة حقيقية شعر وكأنه في لحظة تدريب.
جريدة جسر التواصل: من خلال تجربتك الفنية، بماذا تنصح الفتيات الراغبات في دخول عالم العيطة، يعني دخولهن عالم “تشياخيت”؟
الحسين السطاتي: العيطة هي فن شعبي تراثي أصيل، أتمنى من المرأة المغربية وأعني الفتاة التي في مقتبل العمر أن تدرس وتجتهد في تخصصات علمية، وتحصل على شواهد ودبلومات، أو تُكون نفسها في حرفة أو صنعة أو وظيفة لتشتغل بموازاة مع الفن الذي تعشقه، لأن الفن الموسيقي الغنائي لا يُؤتمن عليه، لكن لابد أن يكون خلف للسلف، ولابد أن نجد فتيات عاشقات ومهوسات بالغناء والرقص ويرغبن في ولوج عالم العيطة، بمعنى يعشقن حرفة “تشياخيت” كما عشقتها أنا، أقول لهن أنه ليس كل ما يلمع ذهبا، العيطة كما وصفها لنا أجدادنا الأسلاف “أشياخ وشيخات” بأنها غابة وخصص لها الشيخ العيطي الغرباوي عيطة خاصة بها وهي “عيطة الغابة”، في هذه الأغنية التراثية نصائح وأمثال وعبر..وهو يمثل لنا حياة فن العيطة عبارة عن غابة، فيها الورود والأزهار والثمار المختلفة ألوانها، كما نجد فيها الأفاعي والثعابين والأسود والضباع والخنازير والتماسيح، فعلى الراغبات في ولوج هذه الغابة أن يكن قناصات ماهرات حربائيات جريئات حتى يعشن ويخرجن بسلام من هذه الغابة الفنية.
جريدة جسر التواصل: بعض الفنانين يسيرون في حياتهم من شبابهم في الفن الشعبي إلى الوظيفة العمومية وأنت عدت من الوظيفة العمومية إلى الفن الشعبي يعني إلى السهرات والأعراس، فلماذا سرت عكس الاتجاه؟
الحسين السطاتي: قبل أن أكون دركيا ضابط للشرطة القضائية والعسكرية..كنت في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي فنانا شعبيا “شيخ للعيطة”، ودخلت للدرك الملكي ربيع سنة ألف وتسعمائة وأربعة وتسعون وبالضبط خلال شهر ماي، ورغم ولوجي سلك الوظيفة العمومية بقيت متتبعا وهاويا لفن موسيقى العيطة، وعرفت أن الوظيفة العمومية محدودة وهي بمثابة سجن إرادي بالنسبة للفنان وللإنسان الطموح، وبعد قضائي مدة اثنان وعشرون سنة في سلك الدرك الملكي حصلت على التقاعد النسبي وعدت من جديد إلى الساحة الفنية بنفس الاسم الفني والأدبي “الحسين السطاتي” وبنفس جديد، لقد عدت من طريق الحبس إلى طريق العرس، وكان قرارا صائبا واختيار جد ممتاز، أمارس فنا أعشقه وأجني منه دخلا ماليا، وأقضي في هذا العمل لحظات متعة وفرج وفرجة، ويمكن القول أن حبي وشغفي بالفن وهوسي بفن العيطة جعلوني أغامر وأعود من جديد إلى الساحة الفنية، رغم العراقيل والمشاكل ولكنني عازم ومصمم على التحدي، لأحقق أحلامي في الفن وفي الكتابة الأدبية..والحمد لله حققت الشيء الكثير من أحلامي.
جريدة جسر التواصل: كيف انعكست العيطة على حياتك؟
الحسين السطاتي: انعكس الفن الغنائي بشكل ايجابي على حياتي، صرت أكثر تفاؤلا عكس ما كنت عليه وأنا دركي ضابط للشرطة القضائية، صرت أعيش مع الفن وللفن، يعني أشارك الناس أفراحهم وفرجتهم عكس ما كنت أشارك الناس حزنهم ومشاكلهم التي يلقونها علي وأنا أستمع إليهم في محاضر رسمية، حياتي كانت وسط عالم الإجرام وجو الوظيفة العمومية المشحون بالحقد والحسد والضغينة والانتقام..وكنت دائما مستعد للموت بمعنى للقتل في أي لحظة ومستعد يوميا لدخول السجن، إنها حرب بشرية طاحنة، دائما وجها لوجه مع الشر والجريمة، على عكس الفن الغنائي فهو شيء جميل، جميل أن تعيش الفرجة والفرح والمتعة مع الناس والأجمل من ذلك أن أكون من بين صناع ذلك الفرح وتلك الفرجة العيطية الموسيقية، وأعتقد أنني ولدت فنانا وسأموت فنانا.
جريدة جسر التواصل:: هل سبق للفنان الحسين السطاتي، أن تعرض للتهديدات؟
الحسين السطاتي: طبعا، تعرضت لتهديدات هاتفية كثيرة، تهديدات بالاختطاف والقتل من طرف بعض المجرمين، وقد يكون من بعض المتهورين المبتلين بالمعاكسات الهاتفية للناس، سبق وأن تعرضت لتهديدات سواء في حقي أنا أو في حق عائلتي بما فيها زوجتي وأبنائي، وحتى والداي، وهذا شيء عادي جدا ومنتظر لأي ضابط شرطة قضائية يعمل نشيطا في ميدان محاربة الإجرام، كنت معرضا للتهديدات والمضايقات بحكم أنني كنت دركيا ضابطا للشرطة القضائية والعسكرية وضابطا مكلفا بالأحداث وضابطا للشرطة التقنية العلمية، كنت عنصرا نشيطا داخل حقل الضابطة القضائية وسط عصابات المخدرات ودور الدعارة وجرائم السرقة والقتل.. لذلك كنت أتعرض لتهديدات من طرف المجرمين الذين كنت أطاردهم رفقة زملائي الدركيين، تهديدات بالاختطاف والقتل وتلفيق التهم.. وكانوا يهددوني باختطاف أبنائي من المدرسة لما كانوا صغارا، لكن الحمد لله لم يحصل شيء من هذا، فقط هي سلوكيات وتصرفات لبعض الأشخاص الأشرار، يريدون بذلك إخافة الضابط كي لا يلاحقهم ويغظ الطرف عن إجرامهم، لكن أغلب الأحيان كنت أنجح مع زملائي الدركيين وبتوجيهات من الرؤساء القضائيين، في إلقاء القبض على بعض المجرمين المهددين، أما في الحياة الفنية والأدبية فليس هناك أي تهديد، بل هناك تشجيع ودعم وإكراميات وتكريم وتصفيق.. لدي جمهور ومعجبين أحترمهم ويحترمونني.
جريدة جسر التواصل: ماذا تقول لكل شاب يريد أن يكون شيخا للعيطة مثلك؟
الحسين السطاتي: أقول له أن العيطة غابة فيها الورود والأزهار الجميلة والعطرة، وفيها الأشجار المثمرة المغذية ، فيها الحمام والحجل والأرانب والنحل.. لكن وسط هذه الغابة هناك ثعابين وأفاعي وذئاب وضباع كما أن هناك صقورا وأسودا ونمورا ..فكن حذرا وأنت تتوغل داخل هذه الغابة العيطية. وليس كل ما يلمع ذهبا. عليه أن يهتم في الأول بدراسته، ويتكون في مجال الموسيقى تكوينا أكاديميا، يعني أن يدرس الموسيقى، ويتعلم آلة الموسيقية بالموازاة مع الدراسة أو تعلم حرفة أو صنعة، فالفن كما يقال لا يؤكل خبز، وعليه أن يلتزم بحسن الأخلاق وحسن السيرة، ويأخذ من الفنانين العيطيين “أشياخ” ما جميل وإيجابي، فالكثيرون من يتعاطون للفن الموسيقي الغنائي وقليلون هم الذين ينجحون.
جريدة جسر التواصل: يقول الفيلسوف أرسطو ” الفن شكل من أشكال العلاج” فهل توافق؟
الحسين السطاتي: نعم بالنسبة إلي الفن شكل من أشكال العلاج سواء بالنسبة للعيطة أو الكتابة، وحتى للمتلقي، ومن تجربتي مع الفن لم أصل إلى الحالة الشفائية التامة، كون عملية الإنتاج بحاجة إلى خيال لا يخضع للسبات، ومن لوازم إبداعه الوعي الحاد، وهذا يجره نحو دائرة مغلقة من التوتر والقلق لا مناص منها، يمكن القول أن الفن تفريغ لشحنة هائلة من المشاعر المختلطة إيجابا وسلبا، والفن أكيد أنه شكل من أشكال العلاج للمتلقي العادي لكنه ليس دليل العافية للفنان، وقد ينقلب السحر على الساحر، وينقلب الفن على الفنان، حينما لا يجد الإمكانيات المادية للاشتغال، وحينما لا يجد الدعم والمساعدة فينكمش على نفسه وينطوي وعوض أن يكون فنه علاجا له يصير فنه سبب أمراضه النفسية والعضوية الجسدية.
جريدة جسر التواصل : ما المسؤولية التي تقع عليك كشخصية فنية أمام الأجيال الجديدة التي تقتدي بالفنانين؟
الحسين السطاتي: بالطبع المسؤولية موجودة، لذي جمهور ومعجبين من الجنسين ومن مختلف الأعمار، وصرت شخصا مؤثرا، وأعي جيدا بأن هناك من يحتذي بي، ويجعلني قدوة له، لهذا علي أن أكون مسؤولا عما أقدم من أعمال فنية وأدبية، بمعنى أن أكون فنانا نموذجيا، وأحب أن أكون قدوة للأجيال القادمة، أن أكون مثالا يحتذى به، أول شيء أذكرهم به بأن الفن يبقى هواية وليس مهنة، وعليهم تحمل مسؤولية قراراتهم، وأذكرهم بأبيات من عيطة دامي المرساوية: (ياويل من تاق في خوتو…وياويح من قوتو في صوتو)، وأكرر وأنصحهم بالدراسة وتعلم حرفة أو صنعة، والحفاظ على أمانة الجسد، وأن يكونوا صالحين لنفسهم ولأسرهم وللمجتمع
Views: 26
























