الحلقة السادسة عشر من السلسلة الحوارية من السيرة الذاتية “عيطة ركوب الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي.

جريدة جسر التواصل: الحسين السطاتي فنان شعبي عازف كمان “كومنجي” ومغني لفرقة موسيقية “رباعة الشيخات”، وكاتب قاص وروائي وشاعر زجال، أليس ذلك بالمعادلة الصعبة؟
الحسين السطاتي: لا أبدا ليست بالمعادلة الصعبة، فالموسيقى والكتابة الأدبية يكملان بعضهما البعض، لأن الموسيقي هو مؤلف يعني كاتب لأن الموسيقى التي يؤلفها ويعزفها والألحان التي يبدعهاهي لغة يحاور بها المتلقي، وكذلك الشأن بالنسبة للكاتب، فأعماله الأدبية تتضمن موسيقى ورقص وفرجة مكتوبة على ورق، وأعتبر الكتابة “عيطة” صامتة، وأجد متعتي في كل ما ذكرت، كل مرة أجد الطريقة التي أعبر من خلالها عما أريد أن أخرجه من دواخلي، لهذا لا أشعر بأنني أعمل بقدر ما ألعب وأستمتع وأمتع الناس.
جريدة جسر التواصل: أخبرنا كيف وجدت ذاتك في فن العيطة تحديدا؟
الحسين السطاتي: العيطة هي أول موسيقى وشعر يصل إلى أدني وأنا مازلت طفل بدوار “أولاد سيدي رحال الغربية الزاوية”، بقرية “أولاد عبو” منطقة “أولاد سعيد” إقليم “برشيد” جهة “سطات_ الدار البيضاء”، بسهل “الشاوية” وسط المغرب. سمعت أغاني العيطة المرساوية والمرددات النسائية والأهازيج الشعبية بين المروج الخضراء وعبر السهل وعلى جانب ضفاف الأودية، من أفواه الفلاحين؛ الرعاة والمزارعين، والحرفيين.. وبالسوق الأسبوعي وأنا واقف متسمر أمام بائع الكاسيت أو أتفرج على عرض مسرحي حي في الحلقة برحبة البهائم داخل السوق. أو مباشرة خلال حضوري للأعراس التي تنشطها الفرق الموسيقية “ربايع الشيخات”، .فالعيطة هي نشيدي الأول والخلاء هو معهدي الذي تلقيت فيه أولى أبجديات موسيقى فن العيطة،، حيث كانت مناسبات الأفراح في المنطقة تنشطها مجموعات للعيطة :التنائيات و الثلاثيات، ومجموعات الشيخات، ولم يكن منتشرا حينها أي لون غنائي آخر كالملحون أو الأندلسي أو الغرناطي أو الهيب هوب أو الراب، كان حينها قليلا من موسيقى الراي تزاحم فن العيطة المرساوية بمنطقة سهل الشاوية وسط المغرب، ومنذ صغري وأنا أحب فن العيطة، وقد وجدت نفسي أختار هذا الفن وأطور نفسي فيه وأتعلمه، وكم يغريني ويسعدني أن أصنع الفرجة وأسعد الناس وأدخل البهجة على قلوبهم، والعيطة تمنحني البهجة والسلام الداخلي.


جريدة جسر التواصل: ألا تفكر في تسجيل إحدى أغانيك الشعبية أو إحدى “العيطات” بطريقة الفيديو كليب؟
الحسين السطاتي: لا أعتقد أن هناك فنان شعبي أو عصري لا يرغب في تسجيل أغانيه بطريقة الفيديو كليب، فهذه الطريقة تجعل الفنان يشعر أنه مغني وممثل، كما تشعره أن ما ينجزه له قيمة، ومنذ سنين وأنا أحلم بأن أسجل عيطة بتلك الطريقة الرائعة التي سجل بها الإخوان “أولاد البوعزاوي” إحدى أغانيهم العيطية أمام البيت الأبيض بالولايات المتحدة الأمريكية، بل إنني نقلت “عيطة العين” من العيطة البلدية الفيلالية الجرفية إلى عمل روائي أعطيتها عنوان ” العين الزرقاء عيطة العين” وجددتها وكتبت القصيدة في مائة وأربعين بيتا زجليا، ولحنتها ومزجت بين ألحان وإيقاعات العيطة المرساوية والعيطة البلدية الفيلالية، وأتمنى بل سأعمل كل ما في وسعي حتى تترجم هذه الرواية إلى عمل سينمائي أو إلى مسلسل تلفزيوني، ولكن المشكل الآن يكمن في الجانب المادي، لذلك فأتمنى أن أجد الدعم والمساندة من وزارة الثقافة حتى تترجم أعمالي الأدبية التي اقتبستها من “العيطة” بما في ذلك القصة والرواية.. إلى أفلام وبعض الأغاني التراثية “العيوط” إلى أغاني مصورة بطريقة الفيديو كليب.
جريدة جسر التواصل: تشارك بصفة مستمرة في المناسبات الوطنية كيف تتمن هذه المشاركة الوطنية؟
الحسين السطاتي: في الحقيقة أي عمل أو مشاركة تخص الوطن هو أكبر فخر ونجاح لي كفنان شعبي “شيخ للعيطة”، لذلك أحرص على المشاركة في الاحتفاليات الخاصة بالمناسبات والأعياد الوطنية، وهو ما أعده واجبا علي كفنان، ومنذ سنين ساهمت الفرق الموسيقية العيطية في الأغنية الوطنية ولعبت دورا فعالا في المقاومة والترفيه على المغاربة.
جريدة جسر التواصل: ما أكثر شيء يستمتع به الفنان “الحسين السطاتي” في العرس أو الحفلة وهو ينشطها؟
الحسين السطاتي: حينما أكون في عرس أو حفلة أستمتع بجو العرس، أصنع الفرجة رفقة زملائي الفنانين “الأشياخ والشيخات”، وأنتشي بتلك النظرات والابتسامات التي تطل من عيون وأفواه الحضور، وجو المرح الذي يشع على الملامح، وأسعد بعبارات المجاملة والإطراء والشكر من أهل العرس.. كما أنني أتخذ هذه الأجواء بمثابة مادة خام لكتاباتي الأدبية، وأستمتع بفن العيطة الذي أزاوله عن حب.
جريدة جسر التواصل: ما هي معايير نجاح الأغنية الشعبية في نظرك؟
الحسين السطاتي: لا أعترف بالوقتية ولا أعترف بثقافة الضجة “الترند” أو حجم المشاهدات والتكبيسات “اللايكات” أو مرات الاستماع على مواقع التواصل الاجتماعي، لكني أرى نجاح الأغنية بأجوائها الطربية ومضمون كلماتها والصور الشعرية التي تحملها، وتألقها لمدة طويلة والاستمرارية في تحقيق المزيد من النجاح دون توقف، ويعجبني وأنا أسمع أغنيتي تغنى في الحفلات والأعراس من طرف المجموعات الغنائية، ويعيد تسجيلها وغنائها من طرف فنانين كأغنية “جيبو ليا بنت خالي، وأغنية لتبكيش يا عيني الغالب الله، وعيطة العين التي جددتها”.
جريدة جسر التواصل: حالة عدم الرضى، هل هي حالة عامة لدى كل الفنانين؟
الحسين السطاتي: أحيانا أكون راضيا عما أقدمه في الاحتفالية أو التظاهرة الفنية: “عرس، مهرجان، موسم، سهرة عمومية، سهرة خاصة..”، وأحيانا أكون مضطرا وغير راض، لكن الجمهور متسامح مع فنان الأغنية الشعبية والعيطة، قدم أختمها بعيطة ساكن العلوة والكل يغني ويرقص “يجدب” .. وتمر الأمور بسلام.
جريدة جسر التواصل: بصفتك فنان شعبي، موسيقي ومغني، ما المهارات اللازمة لشيخ العيطة؟
الحسين السطاتي: أن تكون له موهبة الفن العيطي وحب لحرفة “تشياخيت”، وأن يكون له صوت يصلح لغناء العيطة ببحثه الرخيمة والخشنة أو ببحته الحادة المرتفعة، وأن يكون له شغف بحب فن العيطة، وأن يكون حفاظا لبعض العيوط والبراويل العيطية، وله ثقافة فنية حتى يعرف ما يقدمه للجمهور، وأن يلم بآداب وسلوك احترام الجمهور، وأن يكون طيب السمعة والأخلاق.
جريدة جسر التواصل: أثارت انتباهي في تصريحك لإحدى الجرائد بأن العيطة حسناء فاتنة ساحرة أحببتها وأحبتك، كيف توضح لنا ذلك؟
الحسين السطاتي: طبعا العيطة بالنسبة إلي هي بمثابة امرأة حسناء فاتنة، هذا من منظوري الشخصي، أتصورها تلك الحسناء الرشيقة الفاتنة، تبعتها منذ مراهقتي بل منذ طفولتي، أحببتها، عشقتها، وافتتنت بها، وراودتها، أعطيتها من مالي ومن وقتي ومن سمعتي، ولما عرفت أنني صادق لها في حبي، بادلتني نفس الشعور، طاوعتني، أكرمتني ماديا ومعنويا، رافقتني في مراحل حياتي حتى في حياتي المهنية الدركية وأنا ضابط للشرطة القضائية والعسكرية، وباحث في جرائم كبرى جنائية، وها أنا اليوم متقاعد وسليم الجسد والنفس، أليست هذه من أروع ما ينبغي أن نحبه؟
جريدة جسر التواصل: أثارت انتباهنا مقولة لك مسجوعة في احدى الجرائد عن تعريفك لفن العيطة وهي “العيطة غناء متنوع الموضوع، نداء قلب مفجوع وشقاء بحب ممنوع، ورثاء لقب مفجوع موجوع، وغداء يغني ويغذي ويسمن من جوع، دعاء بلا خشوع وبكاء بلا دموع”، فهلا وضحت لنا ذلك؟
الحسين السطاتي: فعلا العيطة هي عمل أدبي موسوعي، يجمع القصيدة ، والأقصوصة والقصة والرواية، والأسطورة والحكاية والخرافة والمسرح.. وهي تتناول مواضيع مختلفة، مواضيع سياسية واجتماعية وعاطفية وهذا معناه “غناء متنوع الموضوع”، في شقه العاطفي الوجداني يتناول مواضيع الحب، بما فيها ذلك الحب الأفلاطوني الأيروسي، والغزل، والهيام، والشوق، والعتاب..كل هذا خارج عن نطاق العلاقة الزوجية إذن فهي ” عشق ممنوع”، ونجد العيطة تتناول مواضيع سياسية ومنها الحروب والفقد، حيث تفقد المرأة عزيزا عليها في المعارك “حبيب، أب، زوج، أخ، ابن…”، وهذا معناه ” رثاء قلب مفجوع موجوع، هذا من جهة ومن جهة أخرى ففن العيطة هو فن بدوي رعوي، من بيئة بسيطة بدوية، وقد يبتدئ الفنان العيطي مسيرته فقيرا بائسا معدما وبالكاد يحصل على رزق قومه، وبعد المسيرة الفنية يحصد النجاح ويصبح صاحب ثروة وقد يصير من أصحاب الغنى الفاحش وهذا يدخل في قولتي “يغدي ويغني من جوع”، وفي جدلية المقدس بالمدنس نجد الشيخة في المتن العيطي تبتهل إلى الله وتدعو له بالتوبة في صوت نائح باكي وهنا يكتمل معنى قولتي “دعاء بلا خشوع وبكاء بلا دموع”.
جريدة جسر التواصل: هل الحسين السطاتي مستعد للتخلي عن الفن؟
الحسين السطاتي: لا أعتقد ذلك، سأتخلى عن الفن حينما تتخلى عني صحتي الجسدية والعقلية، وحينما أعجز عن ممارسة الفن والكتابة، بمعنى لما أصير عاجزا وتتدهور حالتي الصحية بنسبة كبيرة، فالفن هو منبع الجمال بداخلي، وهو المصباح الذي ينير طريقي، وهو البلسم الذي أداوي به جراحي وأسكن به آلامي وأوجاعي، والفن هو المحرك الذي يعطيني دافعية لأستمر في الحياة، الحفلات والسهرات والقراءة والكتابة والملتقيات الأدبية.. هي التي تعطي لوجودي معنى قد لا يتمتع به الأغنياء وأكبر الشخصيات بالعالم، أتواصل مع الناس وأشعر أنني محبوب، أصنع الفرجة وأرسم المرح والبِشر على الوجوه، يعيش معي الناس لحظات بهجة، وما أروع أن تحس أنك تحب وأنك محبوب، يعني الفن يساوي الحياة بالنسبة إلي.
جريدة جسر التواصل: هل يخاف الفنان الحسين السطاتي من عدم الأمان المادي في فن العيطة؟
الحسين السطاتي:نعم لذي هذا التخوف، رغم أنني دركي متقاعد “أجودان” للدرك الملكي متقاعد، لي أجرة شهرية وتغطية صحية لي ولأسرتي لكنني أتخوف من غدر الأيام، دائما أحتاط وأدخر، وأتفاءل بغد أفضل.
جريدة جسر التواصل: هل تنهمر دموع الحسين السطاتي بسرعة؟
الحسين السطاتي: طبعا كما يقال دموعي على خدي في بعض الأوقات، شخصيتي مركبة ومبهمة وهذا ما هو مدون في سجلي العسكري والدركي من طرف الأطباء النفسانيين ومن ملاحظات بعض رؤسائي الضباط السامون، وفعلا شخصيتي معقدة ومركبة، متكونة من الفنان الشاعر والموسيقي المغني الحالم والرومانسي، ومن الحرفي الخياط والحلاق، ومن العسكري والمدرب العسكري القاسي القلب، ومن الضابط المتحري تقني التشخيص الجنائي الاجرامي الذي لا يشفق ولا يرحم ولا تعرف الإنسانية طريقا إلى قلبه، قد تجدني كفرخ حمام وديع وفي لحظة تجدني وحشا مفترسا، ساديا في تعذيب خصمي، لقد تدربت على القتل وأنا متدرب عسكري، ولما صرت مدربا لضابط الصف العسكريين الدركيين دربت المئات من الجنود على فنون الحرب وكيف يقتلون..هذه هي شخصيتي التي خلقني الله عليها بل التي عجنتني بها الأيام.
جريدة جسر التواصل: ضمن مجموعتك الفنية يلاحظ وجود شباب من الجنسين في مقتبل العمل يعزفون على الآلات الموسيقية ويغنون معك في ترديد اللازمة “الكورال”، كيف وجدت طموحاتهم وأفكارهم؟
الحسين السطاتي: شباب اليوم هم أشياخ الغد، والشباب في سن الربيع كلهم طموح، ويعملون بجد وحيوية ونشاط، ولهم نظرة تفاؤلية للمستقبل، يحدوهم الأمل في مستقبل فني ناجح.. وحبهم للفن حيث يوحدهم شغف الموسيقى، لذلك ارتأيت أن أدمج معي الشباب ذكورا وإناثا، من ناحية كي يضخوا دماء جديدة في المجموعة الغنائية، ويساعدونني في التنقل وحركيتهم النشيطة، كما أنهم قنوعين وغير مكلفين..وهم الخلف لنا لذلك أحرص على أن أمرر لهم المشعل في أحسن حلة ليحافظوا عليه وليمرروه للأجيال القادمة، ليكونوا خير خلف لخير سلف، وليكون بذلك تكامل أجيال وليس صراع أجيال.
جريدة جسر التواصل: كيف تصف إقبال الشباب من الجنسين ذكورا وإناثا على فن العيطة؟
الحسين السطاتي: دائما هناك خلف للسلف، والعيطة تسير من حسن إلى أحسن ، لقد صار الشباب يلجؤون إلى الدراسة الأكاديمية، يدرسون الموسيقى في المعاهد الموسيقية، ووجدت الوسائل التي يتعلمون منها سواء مباشرة أو عن بعد عبر مواقع التواصل أو تطبيق الواتساب، وهناك اقبال كبير من الجنسين على فن العيطة وخاصة “حرفة تشياخيت” لأن هناك تشجيع ودافعية، منها الدخل المادي، وما يلاحظونه من أثار نعمة وتخمة ظاهرة على بعض الفنانين الشعبيين “أشياخ وشيخات”، وبكثرة فرص العمل الفني بما في ذلك : المهرجانات والحفلات و الأعراس والأفراح العائلية، وحتى تحفيز ارتفاع نسبة المشاهدة والمتابعة على مواقع التواصل الاجتماعي، هناك إشعاع واهتمام بفن العيطة.
جريدة جسر التواصل: ضمن مجموعتك الموسيقية هناك شباب من الجنسين في العشرينات من العمر، فما السر في ذلك؟
الحسين السطاتي: الشباب ربيع الحياة، وكلهم وكلهم طاقة وعطاء وتحفز، استقطب إلى فرقتي الموسيقية شباب من الجنسين لتشبيب المجموعة، وجيل الشباب تحدوه الرغبة للتعلم وقنوع بما يتسلمه من أجرة مالية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أريد أن أمرر مشعل هذا الموروث الثقافي إلى الأجيال القادمة، ويكون بذلك تكامل بين الأجيال للحفاظ على فن العيطة.
جريدة جسر التواصل: كيف تدير الشباب بمجموعتك؟ وكيف تتعامل معهم؟
الحسين السطاتي:أستعمل بيداغوجية فنية مع الشباب، حيث ترتكز على النصح والتشجيع والمساعدة، مساعدتهم على تخطي مشاكلهم الأسرية والمشاكل الذاتية بما فيها النصح على الابتعاد على المخدرات وشرب الخمر وتدخين السجائر، يعني نساعد بعضنا البعض ونعيش كالعائلة الواحدة.
جريدة جسر التواصل: بعيدا عن الميدان الفني الموسيقي، هل الحسين السطاتي عنيف مع أبنائه؟
الحسين السطاتي: هناك مواقف تستدعي العنف وأحيانا تستدعي الدكتاتورية، أمارس دكتاتورية وسلطوية الأب القائد، لكن الآن كبر الأبناء وصاروا بالغين وأصغرهم محمد وقد تعدى سن العشرين، ورغم ذلك تجدني أحيانا متشددا معهم، فأنا عسكري ومدرب عسكري، أحيانا أريد أن تطبق أوامري وتعليماتي حرفيا في اللحظة التي أعرف فيها أنني محق وعلى صواب ولا أتساهل معهم، لا أعنف فحسب بل قد أكون قاسيا في عنفي. أعرف أن للعنف وللدكتاتورية سلبيات لكن ايجابياتها أكثر بكثير من سلبياتها.
جريدة جسر التواصل: كيف هي شخصية الحسين السطاتي التي يجهلها الآخر؟
الحسين السطاتي: شخصية مضطربة مبهمة وغامضة، أنا شخصيا لا أعرف شخصيتي بالتحديد، وحتى رؤسائي العسكريين ضباط سامون كانوا يشيرون في تقاريرهم حولي بأني عنيف وذو شخصية متقلبة ومبهمة، تجدني أحيانا فنان مرهف الإحساس عاطفي ورومانسي وحنون إلى أبعد حد تتدفق العبارة الجميلة من فمي والنظرات الحالمة الصافية من عيني، وتسقط دمعتي لمشاهدة عصفور يرتجف من البرد أو مكسور الجناح، وتارة تجدني ذلك الدكتاتور العسكري والباحث الجنائي الشرس مع أعتى المجرمين، ذلك الوحش الكاسر الذي يتلذذ بتعذيب خصمه.
جريدة جسر التواصل: في حال قرر أحد أبنائك دخول المجال الفني الموسيقي الشعبي فهل ستوافق أو تمانع؟
الحسين السطاتي: لدي ثلاثة أبناء؛ بنتين “بذرة وريحانة” وولد “محمد”، وكلهم بالغين راشدين، لقد أدخلتهم للمعاهد الموسيقية منذ صغرهم درسوا الصولفيج وتخصصت ابنتي الكبرى “بذرة” في الكمان، وكل من ريحانة ومحمد في آلة البيانو، لكنهم فضلوا أن يمارسوا الموسيقى كهواية، ورفضوا أن يدخلوا المجال الفني الغنائي كمغنيين محترفين، فتركت لهم حرية اختياراتهم ولا أتدخل في قراراتهم، وللناس فيما يعشقون مذاهب،.
جريدة جسر التواصل: ماذا تقول لكل شاب يريد أن يكون فنانا شعبيا “شيخ للعيطة” مثلك؟
الحسين السطاتي: أقول له ما قاله أسلافي “أشياخ وشيخات” العيطة في “عيطة الغابة” التي تندرج ضمن صنف “العيطة الغرباوية”، حيث مثل لنا الفنان العيطي في هذه الأغنية الرائعة والمعبرة بأن العيطة غابة فيها الورود والأزهار الجميلة والعطرة والفراشات الملونة، وفيها الأشجار المثمرة المغذية، فيها الحمام والحجل والأرانب والنحل..وفيها أراضي منبسطة وأودية وأنهار، لكن وسط هذه الغابة هناك تضاريس وعرة من هضاب وجبال..وهناك أشواك وأحجار، وهناك هضاب وتلال..وفيها ثعابين وأفاعي وذئاب وضباع كما أن هناك صقورا وأسودا ونمورا ، كل هذا مذكورا في القصيدة العيطية بطريقة شاعرية فنية وبرقصات متنوعة..فكن حذرا وأنت تتوغل داخل هذه الغابة العيطية. وليس كل ما يلمع ذهبا. على الفنان الذي يرغب في ولوج هذا العالم الفني “حرفة تشياخيت” أن يهتم في الأول بدراسته، ويتكون في مجال الموسيقى تكوينا أكاديميا، يعني أن يدرس الموسيقى إذا ما أتيحت له الفرصة، يتعلم آلة موسيقية بالموازاة مع الدراسة أو تعلم حرفة أو صنعة، ويشتغل شغلا موازيا لعمله الفني، فالفن كما يقال لا يؤكل خبز، وعليه أن يلتزم بحسن الأخلاق وحسن السيرة، ويأخذ من الفنانين العيطيين “أشياخ وشيخات” ما هو جميل وإيجابي، أن يُفيد ويستفيد، فالكثيرون من يتعاطون للفن الموسيقي الغنائي وقليلون هم الذين ينجحون. وعليه أن يتجنب الثالوث الملوث المدمر للفنان وهو تعاطي المخدرات وشرب الخمور، والجنس الحرام، لأن الفن الشعبي بيئة خصبة لهذا الثالوث القاتل. وأخيرا أقول للشباب أن امتهان واحتراف موسيقى العيطة، حرفة ممتعة ومفيدة ماديا ومعنويا، موسيقى العيطة موسيقى كريمة وممتعة، ولها حضور قوي وانتشار واسع، وفرص الشغل موجودة طيلة السنة، مع الاهتمام بالجانب الصحي والجانب الروحي.
جريدة جسر التواصل: هل ترى أن دراسة الموسيقى أمر ضروري للفنان ؟
الحسين السطاتي: الدراسة مهمة في كل علم ومنه علم الموسيقى، يجب صقل الموهبة الفنية بالدراسة، وبصفتي فنان شعبي “شيخ للعيطة” موسيقي عازف كمان “كومنجي” ومغني لفرقة موسيقية غنائية “رباعة الشيخات”، أقول أن الدراسة الأكاديمية للموسيقى جد مهمة فهي تختصر طريق النجاح، كي يجد الفنان نفسه مثقفا فنيا وليكون على معرفة بما يمارسه من فن، لكن هذا لا يعني أنه بدون دراسة لا يمكن أن نتقدم ونبدع، فالتعلم يمكن أن يكون مباشرة وبطريقة تلقائية من الموسيقيين الآخرين والبحث والتدريب، والتكرار والاجترار.. فأبناء البوادي، أبناء بعض المداشر والدواووير والبراري الصحراوية لم تصلهم بعد حتى حجرات التعليم الدراسي العمومي فبالأحرى مدارس ومعاهد التعليم الموسيقي، لهذا علينا أن نستغل كل ما هو متاح لنا وكل ما هو في متناول أيدينا. وحينما تتاح لنا الفرصة ندرس الموسيقى.
جريدة جسر التواصل: كيف تنظر إلى ردود فعل الجمهور المتفاعل معك على مواقع التواصل الاجتماعي ؟
الحسين السطاتي:أنا جد سعيد بردود أفعال الجمهور، سواء بالمباشر في الوقع أو خلال تفاعلهم معي حول ما أنشر في مواقع التواصل الاجتماعي، وأنا سعيد بهذا التواصل وهذا التفاعل، هذا يدل على أنني موجود، أحرص دائما على قراءة كل التعليقات، إلا إذا كانت كثيرة جدا وليس لي متسعا من الوقت، أجيب على الأسئلة كيفما كان نوعها، وأدون ملاحظاتهم حتى أتمعن فيها، آخذ بما يفيدني وأصحح أخطائي وأتدارك الموقف، أشاركهم في كتباتي الأدبية سواء في القصة أو الرواية أو المقالة التي أنشر منها بعض الفصول، وتسعدني مشاركتهم المكثفة، وهي حافز قوي ودافعية تدفعني لأبدل جهدا أكثر، وأتعلم أكثر.. لكنني في غالب أكون منشغلا بالكتابة على حساب الفن الغنائي.
جريدة جسر التواصل: لاحظنا أنك صرت تركز أكثر على الأعمال الأدبية السردية على حساب الأعمال الغنائية العيطية؟
الحسين السطاتي: إذا لم أكن مشغولا بحفلة أو مهرجان، فإني أتفرغ للقراءة وللكتابة، هذا إضافة إلى حراستي على مراقبة سير العمل خارج النطاق الفني، بحكم أنني مستثمر في مجال الحلاقة.. لذلك أجد في الأعمال الأدبية ملاذا أهرب من ضيقي، وأتنفس في الكتابة، وخاصة خلال الفصول التي يقل فيها العمل الفني الموسيقي، وكتابة الرواية تتطلب الانشغال بها فمثلا روايتي بعنوان “عيطة بيضاوية” كتبتها تقريبا في مدة ستة سنوات وهي رواية طويلة من أربعة أجزاء، وروايتي بعنوان “العين الزرقاء، عيطة العين” كتبت أجزاءها الأربعة في مدة تقارب أربع سنوات، لهذا أنا مركز كثيرا على الكتابة، أريد أن أترك شيئا يخلدني عبر التاريخ الأدبي والفني الموسيقي.
جريدة جسر التواصل: بصفتك فنان شعبي “شيخ للعيطة”، ما هي نصيحتك للمرأة الفنانة الشعبية “الشيخة” العاملة في مجال العيطة؟
الحسين السطاتي: نصيحتي لكل امرأة عاملة في مجال فن العيطة أو بمعنى آخر “شيخة” تشتغل بميدان “تشياخيت”، أن تكون فنانة ذكية وعلى حذر، أن تُكون نفسها في مجال فنها الموسيقي، وأن تحترم نفسها وتحترم جمهورها، ولا تتبع شهواتها وغرائزها وأهوائها.. وتبتعد عن الثالوث الملوث للفنان بصفة عامة، وهو الابتعاد عن التدخين بأنواعه بما في ذلك المخدرات، وتجنب شرب الخمر بأنواعه والابتعاد عن الجنس الحرام، لأن بيئة “حرفة تشياخيت” حقل خصب لهذه الأشياء المدمرة للصحة وللعقل والمبذرة للمال، عليها أن تكون واعية بما تفعل وأين تضع خطوتها وإلى أين تسير، هذا إذا أرادت أن تخرج سالمة غانمة من هذا الميدان، ولا تنسى أن تستغل شبابها وفنها لتكوين أسرة تلجأ إليها في كبرها، وأذكرها أنه كما للعيطة متعة ولذة فنية ودخلا ماليا، لها عواقب وسلبيات، فيها حواجز، مطبات وعقبات، فيها شراك ومصائد، فيها كمائن ودسائس، وعليها أن تعي جيدا أن ربيع وصيف العيطة يتبعهما الخريف، وكما يقول الشاعر العيطي في أبيات من رائعة عيطة دامي “عزها تعزك..دلها تدلك/ مزال ومزال..مزال الحال يبان/ سيدي على كل حال…ما يدوم حال..ما تدوم لحد..فين محمد..”، فإذا خانت الشيخة العيطة “حرفة تشياخيت” ولم تحترمها، ستلحق بها في الأخيرلعنتها، من ذل وقهر و عهر وعار ، إنها لعنة العيطة. وعليها أن تستفيد من تجارب سابقاتها “الشيخات” المتمرسات والمجربات في الميدان.، وتستفيد من أخطائهن، وتتأمل كيف كانت نهاية الكثيرات منهن اللواتي لم يحسبن حساب للنهاية، لهذا أنصح الشيخة أن تستغل الفرص التي تتاح لها، وتكون نفسها في مهن وحرف، كالحلاقة وتجميل العرائس وتسيير وتنظيم الحفلات..
جريدة جسر التواصل: بعد غيابك عن الساحة الفنية الموسيقية العيطية بسبب عملك الوظيفي كدركي ضابط للشرطة القضائية والعسكرية، لمدة تزيد على عقدين من الزمن، كيف تصف لنا الفرق بين الأمس واليوم؟
الحسين السطاتي: سأجيبك بصفتي فنان شعبي “شيخ للعيطة” ممارس ومهتم بهذا الفن، أقول لك أن فن العيطة دائما يسير من الحسن إلى الأحسن، قد لا يلاحظ هذا بعض الباحثين لكن إنها الحقيقية، فن العيطة يتطور في كل الاتجاهات ومن كل النواحي، في الموسيقى والمتن العيطي وحتى في الفرد بمعنى الموسيقيين “أشياخ وشيخات”، لقد صرنا نسمع موسيقى عيطية مدروسة نتيجة عمل فني أكاديمي، عزف موسيقي متقن وغناء مدروس بأصوات جميلة، سواء من طرف عازفين مهرة دارسين للموسيقى أو تقنيين دارسين لعلوم الصوت والصورة، إضافة إلى الدور الكبير الذي لعبته الرقمنة والمكننة، لذلك أقول لك أنه لكل عصر أشياخة وشيخاته وعيطاته، وجمهوره، نشكر الأجداد الأسلاف رحمهم الله الفنانين الذين تركوا لنا هذه الإرث الثقافي اللامادي، هم الذين وضعوا لنا للبنات الأولى ونقلوه لنا عبر التواتر وعلينا أن نحمل المشعل العيطي ننقحه ونضيف إليه ونجدد فيه ونسلمه للأجيال القادمة في أحسن حلة.
جريدة جسر التواصل: عندما يسكنك الحزن إلى من تلجأ؟ ومن يساعدك في حالة حزنك وغضبك؟
الحسين السطاتي: هكذا هي سنة الحياة، حزن وفرح، سعادة وكآبة، ضحك وبكاء ..فهي تنبني على الأضداد والمتناقضات، وأنا مؤمن بالله وبالقدر خيره وشره، وأتنفس الصعداء وأنا أردد “فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا”، ألجأ إلى الله سبحانه وتعالي أفوض أمري لله، وأعرف أن كل مر سيمر، لأني أعرف لا حزن يدوم ولا فرح يستمر، ورزقي وشفائي على الله، وأستحضر البيت الشعري العيطي من عيطة ساكن “مولاي الطاهر”:
والله ما نخمم وأنا رزقي ضامنو ربي…..نعيط أنا على الخالقني
نعيط أنا على الرازقني، ياك أنت، أنت اللي خلقتيني، أنت وأنت اللي بليتيني…عالي وقادر ما تحافيني
وأصبر على ما أصابني، فإذا زاد الغم والهم وشعرت بعدم التحسن ، ألجأ إلى الطبيب النفساني العسكري، وغالبا ما ألجأ في الأول إلى صديقي الدكتور في علم النفس الأستاذ الفلسطيني المصطفى الحرازين، وهو صاحبي وصديقي تقريبا نلتقي يوميا وهو يرشدني ويخفف علي.
جريدة جسر التواصل: من هو شيخ العيطة بالنسبة للفنان “الحسين السطاتي” ؟
الحسين السطاتي: الفنان الشعبي “شيخ العيطة”، هو فنان موسيقي ومغني تمرس وقضى سنين وهو يزاول فن “العيطة” أو حرفة “تشياخيت”، وإذ صح القول فهو مفرد بصيغة الجمع، هو شاعر وملحن وعازف، ومدير..يسهر على اختيار معاونيه الموسيقيين الفنانين “أشياخ وشيخات” ، لأن بدونهم فهو لا تساوي شيئا، كما يتولى رئاسة الفرقة بمصداقية وعدل، بمعنى أن يكون هو المدير الفني والتقني لفرقته، لذلك أعطوه لقب شيخ ، أو ما نسميه في لغة الحرفة ب”نغت”، وأعطوا للمرأة لقب شيخة “نغتة”، وهو لقب فخري وليس لقب قدحي، والفرقة تتكون من العازفين والمغنيين والراقصات والراقصين، ولا تكتمل الفرقة بدون حضور العنصر النسوي أي “الشيخات” منهن المتخصصة في الغناء، والمتخصصة في الرقص.. ومنهن من تجمع بين الغناء والرقص وحتى العزف على الآلات الموسيقية.
جريدة جسر التواصل: بعدما حققت حلمك وولجت المجال الفني الموسيقي، هل يمكن اعتبار هذا الفن مهنة تعتمد عليها؟
الحسين السطاتي: لا يمكن أن يعول الشخص على هوايته في العيش، وخاصة الرياضية والفنية، بحكم أننا في المغرب العمل الفني غير مهيكل، لا نؤدي ضرائب ولا مستحقات للدولة، كما أننا لا نتوفر على حقوق كالتغطية الصحية والتأمين على الحياة، والضمان الاجتماعي، أما بالنسبة إلي فأنا شيء آخر، بحكم أنني دركي متقاعد وتزوجت ولي سكن وكونت مستقبلي، يمكنني أن أعتمد على المجال الفني، بل هو المجال الذي أجد فيه راحتي وكل ما أرغب فيه، وأجني منه أموالا، كما أجد نفسي محاط بالناس، أشعر بوجودي وبنشاطي وكأنني مازلت شابا، لهذا أنصح الشباب أن يتعلموا حرفة أو صنعة يعولون عليها بالموازاة مع عملهم الفني، وأختمها ببيت من عيطة “اللي بغا حبيبيو”:
” ياويل من تاق في خوتو…وياويح من كان قوتو في صوتو..”.
Views: 51
























