الحلقة السادسة من السلسلة الحوارية من السيرة الذاتية “عيطة ركوب الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي.

جريدة جسر التواصل: بتجربتك الفنية كفنان شعبي “شيخ للعيطة”، موسيقي “كومنجي”، ومغني ضمن مجموعة غنائية “رباعة الشيخات”، هل ترى إقبالا من المرأة المغربية على فن العيطة “حرفة تشياخيت”؟
الحسين السطاتي: طبعا.. هناك إقبال كبير، لقد سبق وكتبت عدة مقالات نشرت في بعض الجرائد الوطنية حول مفهوم “الشيخة” المغربية، فهي فنانة بالفطرة، موهوبة تعشق فن الغناء الشعبي والرقص، ولا يمكن تكوين “الشيخة” في المدارس أو المعاهد الموسيقية أو في مدرجات الجامعات… الفنانة الشعبية “الشيخة” هي في غالب الأحيان فتاة بدوية، عانت الويلات، عانت من دكتاتورية الرجل المغربي بل الذكر، قد يكون الأب أو الأخ أو الزوج..عاشت القهر والفقر والذل والاستعباد، فتمردت واحتجت على حياتها، ولجأت إلى العيطة، تحتج عن طريق صوتها وجسدها، في غياب تعليم الفتاة وإعطائها حريتها في التعلم واستقلاليتها المادية، وحرمانها من الدراسة وإجبارها على الزواج من شخص لا ترتضيه أو تزويجها وهي طفلة قاصر أو حتى وهي حدث صغيرة، فسنظل ننتج “الشيخة”، وهذا هو المختبر الحقيقي لصناعة الشيخة، إضافة إلى المغريات المادية وما تجده المرأة من حرية مطلقة في فضاء هذا الفن، وحسب تجربتي في عالم “تشياخيت”، فالإقبال في تزايد من الجنسين على حرفة “تشياخيت”..
جريدة جسر التواصل: رسالة توجهها إلى الفتيات الراغبات في دخول عالم “تشياخيت”؟
الحسين السطاتي: أقول لهن ليس كل ما يلمع ذهبا، فكما ترون أن لفن العيطة متعة ولذة وأموال وحرية، وكما فيها وجبات معسولة وحلوة ولذيذة، هناك وجبات مريرة ومسمومة تطبخ في الكواليس، هناك مشاحنات وخصومات ودسائس وأحقاد.. على الفنانة الشعبية “الشيخة” أن تكون امرأة حديدية بمعنى “مرة كَادة”، عليها أن تتحمل مسؤولية اختيارها الفني، قد تعمل في أماكن مشبوهة، وقد تتعرض للمضايقات والتحرش الجنسي و قد يصل الأمر إلى الاعتداء الإجرامي بما في ذلك الاختطاف والاغتصاب والعنف..عليها أن تكون مستعدة لتحمل تبعيات فنها، ستدخل إلى مستنقع موبوء وستعيش وسط جمهور متقلب المزاج منه السكارى والمرضى النفسانين.. فالعيطة هي حديقة فيها النحل والورود والأزهار والفواكه، في المقابل نجد تحت هذه الحياة الوردية تختبئ الأفاعي والثعالب والثعابين والذئاب، والحشرات المسمومة، فالعيطة هي الغابة التي قد تصير فيها المفترسة فريسة، وهذا تطرق إليه جدنا الشاعر العيطي الغرباوي في رائعته “عيطة الغابة”، وتطرقت إليه في روايتي تحت عنوان “العين الزرقاء”، التي استلهمتها من هذه العيطة.


جريدة جسر التواصل: أين يصنف الحسين السطاتي نفسه في بورصة النجومية في مجال الفن الشعبي والعيطة؟
الحسين السطاتي: أنا عائد جديد إلى الساحة الفنية الغنائية المغربية، بعد انقطاع دام لمدة اثنان وعشرون سنة قضيتها في الوظيفة العمومية بسلك ضباط الصف للدرك الملكي، والتصنيف يكون من طرف لجنة تحكيم لها دراية بالفن العيطي وقواعد علمية ترتكز عليها في حكمها، ومن طرف الجمهور، لا يمكن للتلميذ أو الطالب أو المتدرب أن ينقط لنفسه ويكتب الملاحظات حول أدائه ويصنف نفسه، فأنا مازلت تلميذا في مدرسة العيطة، والساحة الفنية الشعبية تعج بالفنانين والأصوات الجميلة، لهذا لا يمكنني أن أصنف نفسي. كل ما يمكنني أن أقول هو أنني أستحق لقب “شيخ العيطة” وقد اعترف لي بذلك أساتذة باحثين أكاديميين كبار أمثال الدكتور حسن نجمي، والدكتور حسن بحراوي والدكتور سعيد يقطين وغيرهم..وأؤكد لك بأنني تركت بصمتي في الساحة الفنية العيطية بالصورة والصوت وبالقلم والنغم.
جريدة جسر التواصل: من هو الفنان الشعبي “شيخ العيطة الذي يلفتك وتتخذه قدوة في مسارك الفني؟
الحسين السطاتي: كثيرون هم الفنانون الذين يعجبونني “أشياخ وشيخات”، لكني معجب وأركز على الفنان الشعبي الذي أسميه “شيخ لشياخ” مايسترو العيطة المرساوية “الشيخ سي خالد ولد البوعزاوي”، وهو شيخي وقدوتي في الفن العيطي…أما عن صنف “رباعة الشيخات” في الأغنية الشعبية، فأركز على الفنان الأمازيغي الكبير الراحل “لمغاري ميلود”، الله يرحمه ويسكنه فسيح جناته. هذا الفنان الذي تعلمت منه سماعيا عبر الكاسيت وأشرطة الفيديو، كان مبدعا كبيرا وفنانا شامخا.
جريدة جسر التواصل: هل سبق لك وأن التقيت بالفنان الشيخ خالد ولد البوعزاوي، وخاصة أنكما وجهان لعيطة واحدة وهي العيطة المرساوية؟
الحسين السطاتي: الفنان الكبير “الشيخ سي خاليد ولد البوعزاوي” أسميه “شيخ لشياخ”، فنان كبير، متخلق وجد متواضع، ومجموعة “أولاد البوعزاوي” هي مدرسة لفن العيطة بصفة عامة والعيطة المرساوية بصفة خاصة، تعلمت منه سماعيا عن طريق أشرطة الكاسيت والفيديو وبالمباشر في حفلات رسمية، وقد قدر لي أن التقيت به مباشرة في إحدى السهرات الخاصة سنة ألفين وواحد، وهناك تبادلنا المعرفة، وغنينا وفرحنا، حيث أثنى على صوتي، وشهد أنني فنان للعيطة المرساوية، ومنذ ذلك الحين صرت أهاتفه خلال مناسبات الدينية أبارك له المناسبة ونتبادل أطراف الحديث، بعد ذلك كان تواصلنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي الفايسبوك والإنستغرام، إلى أن اجتمعنا خلال مهرجان العيطة المرساوية بمدينة الدار البيضاء في دورته الأولى، وأكن كل الاحترام والتقدير للإخوة “أولاد البوعزاوي” وسأبقى دائما التلميذ الوفي المخلص أمام أساتذته.
جريدة جسر التواصل: ماذا تقول للذين يقارنون بينك وبين الفنان الشعبي شيخ العيطة “خالد ولد البوعزاوي”؟
الحسين السطاتي: لا مجال للمقارنة بين الفنان ” الحسين السطاتي و “وشيخ لشياخ سي خالد ولد البوعزاوي”، فرق كبير وشاسع بين المدرسة والتلميذ، مجموعة الإخوة “أولاد البوعزاوي” هي كما قلت لك مدرسة لفن “العيطة المرساوية”، تعلمت فيها دروس العيطة وخباياها من متن عيطي وطريقة الأداء ونخوته وتميزه، والعزف الرائع والماهر المتقن على آلة الكمان “الكمنجة”، من طرف الشيخ خالد ولد البوعزاوي، وأخويه الفنان الشيخ “سي صلاح ولد البوعزاوي” العازف الماهر على آلة العود، وباقي أفراد المجموعة الغنائية المتميزة، وفي اختيار الأزياء التقليدية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالشيخ “سي خالد ولد البوعزاوي” له مسيرة فنية غنية وثرية بالعطاء الفني، له تألق في الساحة الفنية العيطية لأزيد من ثلاثين سنة، الإخوة “أولاد البوعزاوي” كان لهم الفضل الكبير في تميز فن “العيطة المرساوية” واستمراريته بتلك الطريقة الجميلة المبهرة، وشرفونا نحن كفناني العيطة “أشياخ وشيخات” في المحافل الوطنية والدولية، وتركوا لنا إرثا ثقافيا وموسيقيا غنيا، أعطوا الكثير ومازالوا يعطون، أبدعوا وأمتعوا وأقنعوا، ومازالوا يبدعون ويطربون..شكرا لهذه المجموعة الراقية، وأرفع لهم التحية، لذلك لا يمكن بتاتا أن أقارن نفسي بهذه المجموعة الموسيقية العيطية الراقية، وبشيخها المتميز السيد “سي خالد ولد البوعزاوي”..وهو قدوتي وشيخي وأستاذي وصديقي، وقد تعلمت منه الكثير، ولا يمكن للعين أن تعلو فوق الحاجب، هذا ما دأبنا عليه نحن أشياخ العيطة. وأنا أحرص على تخليدهم وذكرهم في جميع حواراتي الصحفية وكذلك في كتبي تجدهم في روايتي تحت عنوان “عيطة بيضاوية”، وروايتي بعنوان “العين الزرقاء”، وفي مجموعتي القصصية تحت عنوان “العيطة والغيطة”.
جريدة جسر التواصل: اجتمعت مع الفنان شيخ العيطة خالد ولد البوعزاوي في المهرجان الأول لفن العيطة المرساوية بمدينة الدار البيضاء ما الذي استفدت من هذا الاجتماع. ؟
الحسين السطاتي: طبعا كان إجماعا مثمرا ومفيدا بالنسبة لي، وكان لي عظيم الشرف أن أجلس مع أستاذي وشيخي سي خالد ولد البوعزاو، وكذا الفنان الكبير سي صلاح ولد البوعزاوي، والدكتور الكبير سي حسن نجمي، والدكتور سي بوشعيب حليفي، أكن للجميع كل التقدير والاحترام، رحبا بي أروع ترحيب ، وتبادلنا نقاشا حول هذا الفن الذي يجمعنا.
جريدة جسر التواصل: لو عرض عليك أن تؤدي دور الفنان الشيخ خالد ولد البوعزاوي في فيلم سينمائي أو مسلسل يحكي سيرته، ماذا تكون ردة فعلك؟
الحسين السطاتي: هذا شرف لي أن أمثل دور الفنان الذي أحبه ويعجبني، أعتبره شيخي وأستاذي، وجميل أن يمثل دور الفنان فنان يسير على خطاه، فهذا بالنسبة لي تشريف أن أمثل جزء من حياة فنان كبير، أعطى للعيطة الشيء الكثير. أكيد سأفرح بهذه الفرصة وسآخذ تدريبا ودروسا لأنه لابد أن يكون لي تكوينا في التمثيل هذا الفن الذي أحبه وأتمنى أن أمثل يوما في عمل مغربي.
جريدة جسر التواصل: تتكلم جميلا عن شيخ العيطة خالد ولد البوعزاوي، رغم أننا نسمع كثيرا عن فقدان القيم والصداقة في المجتمع الفني الغنائي، فهل هناك صداقة في هذا الوسط؟
الحسين السطاتي: الفنان الشيخ خالد ولد البوعزاوي، هو فنان راقي أعطى ومازال يعطي لفن العيطة وخصوصا العيطة المرساوية، فمجموعة ” أولاد البوعزاوي” أعتبرها مدرسة في فن العيطة، أخذنا منها الكثير، وأتواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع الشيخ خالد ولد البوعزاوي، وخلال مناسبات الأعياد الدينية، أما عن الصداقة في الوسط الفني فهي متواجدة، لي أصدقاء فنانين يساعدونني ويدفعونني إلى الأمام ولولاهم ما وصلت لما أنا عليه اليوم في الميدان الفني.
جريدة جسر التواصل: رسالة تريد أن توجهها للفنان ” الشيخ خالد ولد البوعزاوي”؟
الحسين السطاتي: أقول له شكرا لك أخي وصديقي وشيخي ومعلمي الشيخ “سي خالد ولد البوعزاوي”، ولكل الإخوة “أولاد البوعزاوي” أحبكم في الله أخوتي الأعزاء، شكرا لكم على النصائح والتوجيهات والترحيب .. شكرا على ما قدمتموه لي وللمغاربة ولفن العيطة عموما وفن “العيطة المرساوية” خصوصا، شكرا على استماتتكم وكفاحكم الفني في الحفاظ على هذا الموروث الثقافي الفني، لكم كل التقدير والاحترام.
جريدة جسر التواصل: ماذا تقول عن الراحل شيخ العيطة بوشعيب البيضاوي؟
الحسين السطاتي: رحم الله الشيخ الفنان بوشعيب البيضاوي، كان فنانا شعبيا متميزا وكان مسرحيا وفنانا كوميديا رائعا، أعطى للساحة الفنية المغربية الكثير وخاصة في فن العيطة المرساوية وفن المسرح، لكنه في الأخير مات يعاني المرض والعوز والحاجة. الله يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته.
جريدة جسر التواصل: ماذا تقول عن المجموعة الشهيرة للعيطة المرساوية التي كانت تظم الثلاثي الشهير ” بوشعيب البيضاوي والماريسال قيبو وبوشعيب زليكَة”؟
الحسين السطاتي: كانت مجموعة فنية رائعة، أعتبرها مدرسة لفن العيطة المرساوية والفن الشعبي، وهي التي تخرج منها الإخوة أولاد البوعزاوي، ومجموعة أولاد العوني، ومجموعة أولاد العطار، حيث أعطت فرقة بوشعيب البيضاوي الكثير للفن الشعبي وللمسرح المغربي لكن للأسف كل أفرادها رحمهم الله لم يتم إنصافهم فنيا، ومنهم من مات يشكو المرض والعوز والحاجة. وأشكر الأستاذة “نعيمة زليكَة” بنت الراحل “بوشعيب زليكَة” التي أنشأت جمعية، وردت الاعتبار افرقة والدها وللكثير من الفنانين “أشياخ وشيخات”، ونظمت حفلات تكريم ومهرجانات،
جريدة جسر التواصل: في حديث صحفي سابق لك قلت أن العيطة تسير من حسن إلى أحسن، كيف توضح ذلك؟
الحسين السطاتي: بصفتي فنان شعبي “شيخ للعيطة” ممارس لهذا الفن التراثي الأصيل، وعاصرت أجيال من جيل السبعينيات والثمانينيات إلى اليوم، فإني أرى أن العيطة تسير من حسن إلى أحسن، لقد استفادت من التطور التكنولوجي، استفادة من الآلة و الرقمنة، استفادت من الهواتف النقالة والبرمجيات والتطبيقات الرقمية ومن الدكاء الإصطناعي.. كما أن المجتمع صار أكثر تفتحا وانفتاحا وتقبلا لهذا الفن التراثي المغربي الأصيل أكثر من السابق، وصار الآباء والأمهات يسمحون لأبنائهم بولوج عالم العيطة، بل صاروا يشجعونهم ويدعمونهم ماديا ومعنويا، ويدفعونهم إلى ولوج المعاهد الموسيقية لتساهم في تربيتهم على الحس الفني والذوق الرفيع، كما أن العيطة لاقت انتشارا واسعا داخل المغرب وخارجه، فصرنا نسمع مجموعات غنائية أجنبية؛ عربية وافريقية وغربية والأسيوية، تغني من إيقاعات وألحان ورقصات فن العيطة، مثال على ذلك الفنانة السورية أصالة نصري، والفرقة الإيرانية التي أعادت العيطة الجبلية وكذا فرقة أمريكية أعادت مقطوعة من العيطة الجبلية، والأركسترا السمفونية الهولندية التي أدت أغاني من العيطة المرساوية “عيطة ركوب الخيل، وعيطة ألباس، وعيطة عريس الخيل، وعيطة الساكن “مولاي عبد الله”، أدتها موسيقى صامتة جد رائعة ومثيرة، وعدد كثير من الفنانين الخليجيين الذين صاروا يغنون في سهراتهم من فن العيطة منها عيطة الساكن “العلوة” وعيطة الشاليني وعيطة ركوب الخيل المرساوية..”..
جريدة جسر التواصل: قلت في إحدى تغريداتك على الفيسبوك “العيطة قد تقتل ولكن لا تموت، فحذاري من لعنة العيطة”، ماذا تقصد بهذا؟
الحسين السطاتي: طبعا ..كان ذلك ردي على الصحفي الذي قال لي أن العيطة تحتضر، فقلت له أن العيطة تمرض وتتعافى وقد تقتل لكن لا تموت، يمكن أن اقول لك بأن العيطة فن أزلي وأبدي، لم يعرف بالتحديد تاريخ بدايتها ويعلم الله نهايتها، فالعيطة ترافق الانسان المغربي من المهد إلى اللحد، ولأوضح لك فحينما حنت جنينا في بطن أمي فتلك الفرحة بالحمل وذلك الوجع وقت الولادة وتلك الصرخة التي أطلقتها بعد الولادة هي عيطة، وحتى تلك الطقوس ومراسيم الوفاة بما في ذلك من تفجع وبكاء ونواح، وندبة وتعداد كل هذا نجده في أنغام وألحان ونصوص العيطة، وهذا سر تألقها واستمراريتها فهي فن يتدى الفناء، العيطة دائما حاضرة منذ عشرات السنين بل منذ مئات السنين أي منذ قرون، حسب بعض الأبحاث العلمية التي قام بها باحثين أكادميين منهم الدكتور “سي حسن نجمي” والدكتور “سي حسن بحراوي” والدكتور س “سعيد يقطين” والدكتورة خديجة بن عبد الجليل، وغيرهم.. ومازالت وستظل العيطة حاضرة وبقوة، لأنها فن تراثي أصيل، فن الحب والحرب، فن الجمال والاحتجاج والتمرد، وهذه المواضيع دائما يتعطش لها المتلقي، ودائما في تجدد باستمرار، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالكثير من ممارسي فن العيطة ومن عشاقها، تخلوا عن مهنهم مصدر رزقهم، وتبعوا طريق فن العيطة دون وضع خطة واستراتيجية للعمل الفني فخسروا كل شيء، منهم من مات متشردا ومنهم من انتحر، وهناك من عشاق هذا الفن من باع عقارات وأراضي ورثها عن والديه، وأنفقها في السهرات والليالي الملاح التي تؤثثها موسيقى العيطة، وهناك من المولعين بهذا الفن من عشق شيخة وهو متزوج وتبعها ونسي زوجته وأولاده إلى أن تشتت عشه للزوجية، ودمر نفسه وعائلته، هذا كله موت ودمار وخراب، لكن العيطة تظل مستمرة من جيل لجيل، ومن حسن إلى أحسن، أتكلم معك بحكم تجربتي كفنان شعبي “شيخ للعيطة”، مغني وموسيقي عازف كمنجة “كومنجي” لفرقة موسيقية “رباعة الشيخات”، لفن العيطة، وفي نظري العيطة هي سلطانة لها سلطان ولها أمراء كما لها عبيد، لها رضاء وحبا لرعاياها الأوفياء ولها لعنة على المتهورين الفاسدين الفاسقين، فحذاري من لعنة العيطة..
جريدة جسر التواصل: ما رأيك في الجيل الحالي من فناني العيطة؟
الحسين السطاتي: أعتقد أنه سيكون أحسن جيل من سابقيه، بصفتي كفنان ممارس “شيخ للعيطة”، ولكل جيل ميزاته الحسنة، لكن العالم يتطور ويتحرك، وأقول في فن العيطة بأن هناك تكامل للأجيال وليس صراع أجيال، فهذا الجيل محظوظ، وذكي، يعرف كيف يستغل ما أتيح إليه من تكنولوجيا، واستفاد من أخطاء الأجيال السابقة، لذلك صرنا نجد فنانين وفنانات موهوبين، دارسين للموسيقى أكاديميا، حافظين للمتن العيطي، ويعرفون جيدا ما يقومون به، ودائما هناك أصوات جيدة ورائعة، لكننا سنسمع “عيوط” حديثة..لكل جيل عيطاته.
جريدة جسر التواصل: ماذا عن مشاركتك في المهرجانات الفنية؟
الحسين السطاتي: لقد شاركت في العديد من المهرجانات التي تهتم بشؤون الأغنية الشعبية والأغنية التراثية الثقافية، في كل من مدن: “الدار البيضاء، وسطات، والرباط، وسلا ، والقنيطرة، وتمارة، وسلا الجديدة وتامسنا..”، وكانت سهرات رائعة، وأطمح للمشاركة مستقبلا في المهرجانات الكبرى المهتمة بالتراث الغنائي اللامادي سواء بالمغرب أو خارجه، وأنا على تواصل مع جمعيات مهتمة بالشأن الثقافي.
جريدة جسر التواصل: بعد غيابك عن الساحة الفنية الموسيقية العيطية بسبب عملك الوظيفي كدركي لمدة تزيد على عقدين من الزمن، كيف تصف لنا الفرق بين الأمس واليوم؟
الحسين السطاتي: سأجيبك بصفتي فنان شعبي “شيخ للعيطة” ممارس ومهتم بهذا الفن، أقول لك أن فن العيطة دائما يسير من الحسن إلى الأحسن، قد يلاحظ بعض الباحثين الأكاديميين عكس ما أقول، لكن إنها الحقيقية، فن العيطة يتطور في كل الاتجاهات ومن كل النواحي، في الموسيقى والمتن العيطي والرقصات والأزياء والآلات الموسيقية، والآلات الرقمية والبرمجيات..وحتى في العنصر البشري، بمعنى الموسيقيين “أشياخ وشيخات”، صرنا نسمع موسيقى عيطية مدروسة نتيجة عمل فني أكاديمي، سواء من طرف عازفين مهرة دارسين للموسيقى أو تقنيين دارسين لعلوم الصوت والصورة، إضافة إلى الدور الكبير الذي لعبته الرقمنة والمكننة، ووسائل التواصل الاجتماعي وأجهزة الهواتف النقالة والمحملات الإلكترونية، حيث يمكن لفنان العيطة أن يجد كل ما يرغب فيه قريبا منه وبأقل تكلفة، وما عليه سوى البحث والاجتهاد، على العكس نحن جيل الثمانينيات والتسعينيات لم يكن متاح لنا كل هذه الإمكانيات المادية والوسائل اللوجيستيكية، لذلك أقول لك أنه لكل عصر أشياخة وشيخاته وعيطاته، وجمهوره، والعيطة تسير من حسن إلى الأحسن، وأشكر الأجداد الأسلاف الفنانين “أشياخ وشيخات” الذين تركوا لنا هذه الإرث الثقافي اللامادي.
جريدة جسر التواصل: ألم ينتابك الخوف من التخلي عن الوظيفة العمومية المضمونة الدخل والسمعة الاجتماعية ومغامرتك بالعودة للفن وصعوبته؟
الحسين السطاتي: كانت مرحلة انتقالية مدروسة، وخططت لها جيدا، والحياة الفنية أروع وأجمل وأمتع وأسهل من حياتي الوظيفية كدركي، لما كنت دركيا وخاصة أنني كنت أنشط في مجال الشرطة القضائية داخل مستنقع الضابطة القضائية في عالم الجريمة.. كانت أيامي متوترة يسودها خوف ودعر، وتوتر وقلق ومستقبل مجهول، كما نقول “رجل في السربيس ورجل في الحبس”، كنت في صراع دائم مع الجريمة، إضافة إلى كثرة التنقلات وعدم الاستقرار بالعائلة في مكان واحد، أما اليوم فأنا أعيش حياة يسودها الفن الغناء والرقص واللذة والمتعة، والهناء والاستقرار، فلا مجال للمقارنة. لقد أعطيت زهرة شبابي للوظيفة العمومية وهي أيضا أعطتني الكثير ولا أنكر خير إدارة الدرك الملكي، لكنني اليوم أقوم بعمل أحبه وأعشقه، أحس بنفسي ألعب واستمتع بما أقوم به، وحصلت على جوائز وتكريمات عبر مدن مختلفة عبر المملكة، وإكراميات وهدايا..وكسبت أموالا من العيطة، لم أفرها وأنا في الموظيفة العمومية، وكل ما يمكنني أن أقوله في هذا الصدد، هو أن المغاربة يشجعون ويحبون فن “الشيخات”، يشجعون ويحبون ويقدرون شيخ العيطة المرساوية أكثر ما يشجعوا ويحبوا ويقدروا متاعب ضابط الشرطة القضائية.. شكرا لهم على التشجيع والحب والتقدير.
جريدة جسر التواصل: كيف تخطيت مرحلة بداية التقاعد أي مرحلة ما بعد الوظيفة العمومية؟
الحسين السطاتي: كنت مهيأ لها مسبقا، ومستعد أن أتجاوزها، شبعت وقنعت من عالم الوظيفة العمومية ومستنقع الضابطة القضائية، قرأت على فترة ما بعد التقاعد وما يصاحبها من اكتئاب وقنوط، وعن الأعراض الصحية الجسدية والنفسية التي تلازمها، وبالفعل نجحت في تخطيها حيث ملأت وقتي بالحياة الفنية الموسيقية والأدبية والرياضة والغطس في العمل الفني والكتابة الأدبية، وصرت أعيش وكأنني لم أمر يوما من سلك الوظيفة العمومية، صرت أعيش حياة فنان شعبي “شيخ للعيطة”، لذلك تجاوزت خطورة مرحلة ما بعد التقاعد بكل أمان. طبعا كل هذا بمساعدة زوجتي وأبنائي وإخوتي وأصدقائي.
جريدة جسر التواصل: احترافك لفن العيطة، ألم يكن له تأثير على أسرتك وواجباتك كأب؟
الحسين السطاتي: أقول امتهاني لفن العيطة، أما عن كلمة الاحتراف فهي كلكة كبيرة، يعني أن تكون لي إدارة فنية ومدير أعمال، لكن ردا على جوابك فإني لم أشعر يوما بظلم أو إجحاف ضد أسرتي كأب أو زوج، كنت أشعر بذلك وأنا دركي ضابط للشرطة القضائية والعسكرية وتقني التشخيص الجنائي الإجرامي..لما كنت ناشطا في حقل الضابطة القضائية في ميدان محاربة الجريمة، أما الآن فأنا متقاعد، ومستقر بمنزلي واعتاد أفراد أسرتي على رؤيتي شبه الدائمة إلى جانبهم، أقوم بحفلات في نهاية الأسبوع أو بين الفينة والأخرى، وقد لا أشتغل لمدة شهرين أو ثلاثة، يعني صرت أعمل في راحة وأبرمج وقتي حسب ما أريد، وأفراد أسرتي يشجعوني على ذلك، واحتراف الغناء في المغرب لا يمكن أن يؤثر بأي شكل من الأشكال على توفيق الفنان بين عمله الفني وواجباته الزوجية والأسرية والأبوية، والسبب البسيط وهو هذا الجفاف والخريف الذي تعرفه الساحة الفنية المغربية من أنشطة، هناك فراغ كبير ومتسع من الوقت عكس حياة الفنان في البلدان الأخرى المتقدمة فنيا..فالفنان المغني في شبه عطالة إذا لم يخلق لنفسه فرص العمل.
جريدة جسر التواصل: من سلبيات الفن أنه يسرق الفنان من عالمه ويأسره، فهل سرقك من أسرتك ؟ وكيف يمكن للفنان أن يتحكم في وقته وليس العكس؟
الحسين السطاتي: لا أعتقد أن الفن يسرق ويأسر الإنسان بل العكس هو الصحيح، الفن منبع للجمال و دواء وعلاج نفسي، ولا أعلم لماذا يعتقد البعض أن الفنان فقط منعزل عن العالم، ومأسور ومكتئب وغريب إلا من فنه، الفنان لو لم يكن منغمسا في كل تفاصيل الحياة فيه ومن حوله لما أخرج وأنتج لنا إبداعا، الفن نعمة وإلهام ومخرج إبداعي للتعبير والتأثير والتعاون والتواصل والتحسن والاحسان، هو يساعدنا على فهم أنفسنا وتأمل ما حولنا، ولم يسرقني الفن بل على العكس ولم يأسرني، بل صرت أكثر حرية وانفتاحا عن الآخر ولو كنت متضايقا من الفن لتركته، بل الفن حررني وساعدني كثيرا في حياتي وجعلني في امان أرقب وأدرك وألاحظ وأبدع، لقد نظم وقتي ودلني على الشهور بدهشة الطفل الصغير حين يعجبه شيء، إنني أهرب إلى الفن لأعيش في عالم جميل لم أجده في الواقع. الفن يجعل الإنسان أكثر تواضعا ورغبة في التواصل والنصح والانتفاع، يجعلك فنانا ومعلما وكريما. بالموسيقى والكتابة أهرب من الواقع المر لأعيش واقعا خلقته من مخيلتي. بل بالفن استطعت أن أراقب صحتي الجسدية والنفسية، صرت مواظبا على الرياضة، وأتناول تغذية صحية لأحافظ على رشاقتي وجمال بشرتي وصفائها، لأظهر بمظهر لائق وجميل أمام الجمهور، وهذا لصالح أسرتي أن تراني زوجتي وأبنائي في أحسن حلة وصحة.
جريدة جسر التواصل: في أحد تصريحاتك الصحفية، اعتبرت أن والدك كان مرشدا لك وورثت عنه كثير من الميزات، كيف ذلك؟
الحسين السطاتي: طبعا، لقد كان والدي “المحبوب محمد بن الجيلالي” رحمه الله وأسكنه فسيح جناته مرشدا ومدربا ومكونا لي، كان قاسيا معي بحكم أنه كان عسكريا متقاعدا وشارك في حرب “الهند الصينية” إلى جانب الجيش الفرنسي،، وربانا نحن أبناءه وبناته تربية شبه عسكرية، لكن لم أعرف سر تلك القسوة حتى كبرت ودخلت عالم الجيش وصرت بدوري مدربا عسكريا لضباط الصف الدركيين بالقاعدة العسكرية بابن جرير، فعرفت أن ما كان يقوم به أبي ما هو سوى تكوينا عسكريا جعلني مكونا ومهيئا لمواجهة قساوة الحياة ومجابهة الأعداء، وخير دليل أنني مررت من ظروف جد صعبة في حياتي المهنية، وعشتها بتفاؤل وصبر وكفاح، تعرضت خلالها لمحاكمات قضائية وبفضل الله ورضاء الوالدين خرجت منها سالما غانما، بدون سوابق عدلية رغم التهم التقيلة التي كنت متابعا من أجلها، وضمنت أجرا شهريا لا بأس به من التقاعد، والتغطية الصحية والخدمات الاجتماعية والتأمين على الحياة، وعدت لمزاولة هوايتي بنفس جديد وبدافعية قوية وتجارب في الحياة. ومن ناحية أخرى فوالدي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته كان بدوره فنانا شعبيا عازف على آلة الإيقاع “بنادري” وقائد فرقة موسيقية “مقدم الرباعة” وكان اسم مجموعته “الشرفاء لبهالة ” وذلك سنوات السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات “من القرن الماضي، لهذا فقد ورثت عنه الجينات الفنية العيطية، رغم رفضه أن أكون فنانا شعبيا “شيخ للعيطة”.
جريدة جسر التواصل: كيف كانت علاقتك بوالديك؟
الحسين السطاتي: كانت علاقتي جد طيبة مع والداي، رغم شقاوتي في صغري، كنت الابن العنيد الطائش.. وأحيانا كانا يناديان علي بالعاق “المسخوط”، وليس بمعنى العاق لوالديه، بل المتمرد صاحب المشاكل، كنت عنيدا في مواقفي وفي اتخاذ قراراتي، والحمد لله نجحت في مساري المهني والفني، كانا في الأول يرفضان بتاتا أن أكون فنانا شعبيا “شيخ للعيطة “موسيقي ومغني لمجموعة موسيقية بمعنى “شيخ للشيخات”، لكن أمام إصراري وحبي وهوسي بفن العيطة وآلة الكمان رضخا لمطالبي، ودرست بالعيطة وتوظفت بالعيطة وعملت ونجحت في أكبر أبحاثي بفضل العيطة، وقد بنيت لهما بيتا عصريا في البادية، وكم كانت فرحتي لما أتممت بناءه وأثثته بالأثاث العصري وصار أبي وأمي ينامان في غرفة نوم مريحة، ويستحمان في حمام عصري بالبادية، وبقيت على عهدهما في مهنتي كدركي حتى حصلت على التقاعد ، كان حينها قد توفى أبي ثم تبعته أمي، الله يرحمهما ويسكنهما فسيح جناته، ولم يحضرا لعودتي الفنية.
جريدة جسر التواصل: هل التربية التي تلقيتها حرصت على تلقينها لأبنائك؟
الحسين السطاتي: سأكون صريحا معك، لقد أخذت من طريقة تربيتي الشيء الكثير، بما في ذلك العنف الذي كنت أتلقاه من والداي، لكن بطريقة حضارية وعصرية، يمكن أن أقول عنفا مدروسا، لأن تربيتي كانت تربية ريفية بدوية، وكانت العقوبات التي أعاقب عليها توافق تمردي وأخطائي، كأن يربطني أبي إلى شجرة بالليل والسماء تمطر والكلاب تطوف حولي وتتشممني، لا يمكن أن أستعمل مع ابني هذا العقاب لكن هناك طرق أخرى كنت ألجأ إليها، وأحيانا كنت أتصرف بتلقائية، وأحيانا بدكتاتورية القائد العسكري الذي يصدر أوامره لمرؤوسيه وعليهم طاعته، ركزت كثيرا على تعليمهم وتكوينهم جميعا، والحمد لله حصلوا على شواهد دراسية و دبلومات بمعاهد عليا، ودرسوا الموسيقى جميعا، وتركت لهم حرية اتخاذ قراراتهم.
جريدة جسر التواصل: يقولون أن هذا الجيل سبق زمنه، فكيف يمكن التعامل مع أسئلة الأبناء الملحة؟
الحسين السطاتي: لابد من الرد على أسئلتهم بصراحة وبحزم، لأنه إذا لم نجبهم سيبحثون عن أجوبة قد تبعدهم عن الصواب، ولا ينبغي أن نربيهم على الخوف، بل نجيبهم بوضوح وبطريقة مبسطة، وإذا ما لحظنا تمردهم آنذاك نستعمل القوة لردعهم إلى الصواب ولو تطلب الأمر إلى استعمال العنف معهم، لابد أن يكون هناك شيء من الصرامة والطيبة، حتى يبلغوا أشدهم. والحمد لله أصغر أبنائي تعدى سن العشرين وتربيتهم حسنة، أتمنى لهم التوفيق والنجاح في اختياراتهم المهنية ومسيرتهم الحياتية.
جريدة جسر التواصل: في نظرك ما هي معايير النجومية في الفن الشعبي المغربي؟
الحسين السطاتي: النجومية عندي ليست لها مقاييس، فهي تعتمد على شهرة الفنان وحضوره في المهرجانات والحفلات، لكني أعرف أن هناك هناك طرق ملتوية تؤدي إلى الشهرة المزيفة..هناك تجارة ووساطة وتدخلات فيما يتعلق بالمهرجانات الوطنية وخارجه، لذلك ليس هناك معيار لحضور الفنان في هذه السهرات العمومية والمهرجانات، ولا تقاس نجومية الفنان المغربي بجودة ما يقدمه ولا بثقافته، ما عدا فئة قليلة من الفنانين الشعبيين الكبار المشهورين والمتألقين لمدة سنين، لكن النجومية اليوم تصنع بالفريق الذي يسخره الفنان في عمله الفني وكيفية الدفع به والترويج له على منصات المواقع الإلكترونية واستقطاب أكبر عدد من المشاهدين والمتابعين على القنوات التواصلية بأية طريقة كانت، أن يستعمل كل الإمكانيات وكل الطرق واستغلال الفرص المتاحة له، وكل هذا من أجل صناعة نجم، والفنان المغني المغربي إذا كانت لديه إمكانيات مادية مهمة واتصالات واسعة، فهو فنان شعبي نجم ورائد من الرواد الكبار، أما إذا لم تكن له الإمكانيات المادية فهو يسير سيرا سلحفاتيا مع عامة الفنانين الشعبيين..
جريدة جسر التواصل: ألا ترى أن الانطلاق إلى عالم النجومية يتطلب منك تكريس المزيد من وقتك وجهدك له، وإلى جرعة أكبر من العطاء والمتابعة الدقيقة للاختيار الفني؟
الحسين السطاتي::طبعا، وهذا ما أقوم به، أنا مشغول بفن العيطة في أغلب أوقاتي، هدفي أن أعطي شيئا أذكر به ويخلدني بعد رحيلي، وأن أضيف لهذا الفن، لهذا إذا لم أكن أعزف الكمان وأغني العيطة، فأنا أفكر في هذا الفن، سواء من الناحية الموسيقية كشيخ للعيطة أو من الناحية الأدبية ككاتب قاص وروائي وشاعر زجال، إذا دائما تفكيري يصب في واد العيطة.، فإذا حققت النجاح والشهرة فذلك ما أريده وما أصبو إليه، وإذا لم أحقق ذلك فأنا استمتع بهوايتي وأجني منها دخلا ماديا وأملأ وقت تقاعدي، وأسير في طريق هدفي، وأعيش شرف المحاولة، إذا بما أنني أحاول فأنا دائما ناجح.
جريدة جسر التواصل: بصفتك فنان شعبي “شيخ للعيطة” ألا ترى أن الأغنية العيطية طويلة جدا وصارت مملة للجمهور ولا تلائم العصر؟
الحسين السطاتي: بل العكس هو الصحيح، الأغنية العيطية كما قلت جد طويلة وصالحة لكل عصر، وغير ما يؤكد كلامي أنها “عيوط” خالدة مهمرة عاشت لقرون ومازالت حاضرة وبقوة إلى يومنا هذا، فالعيطة الواحدة تتطلب من أربعين دقيقة إلى خمسة وأربعين دقيقة من الوقت، لكن الجميل أنها أغنية طربية، متنوعة الألحان والإيقاعات والرقصات، وهناك بعض “العيوط” التي تتعدى مدتها ساعة من الزمن مثل : “عيطة الغابة” في العيطة الغرباوية، وعيطة الحساب الزعري” في صنف العيطة الزعرية، ويتم تجزيئها على طول السهرة، إضافة إلى عنصر التشويق في الأغنية الواحدة، لهذا يمكننا أن نقسم الأغنية العيطية إلى أجزاء قصيرة، وكما تلاحظ على مواقع التواصل الاجتماعي هناك تسجيلات مقاطع فيديو لفن العيطة ولرقص الشيخات لا تتعدى مدة بثها دقيقة إلى ثلاثة دقائق وتحضى بعدد كبير من التعليقات ونقرات “لايكات” الإعجاب، هذا ما يدل على مسايرة فن العيطة للعصر بل اكتساحه للساحة الفنية، أنا شخصيا جددت في عيطة “العين” وكتبت القصيدة في مائة وأربعين بيتا زجليا ويمكن أن تدوم مدة غنائها ساعة من الزمن ما بين التقاسيم الموسيقية والاستهلال والأجزاء الأربعة المركبة لها، والفواصل الموسيقية والتعريضة “الخيلاز” إلى أن أصل بالفرقة الموسيقية ثم ما بعد الخاتمة “السرابة” وبعدها الختم “القفل”. وكتبت هذه العيطة عملا روائيا طويلا في أربعة أجزاء تحت عنوان “العين الزرقاء _ عيطة العين”.
جريدة جسر التواصل: لماذا الفن الشعبي فن مبخوس من طرف الكثير من المغاربة؟
الحسين السطاتي: لا أعتقد أن مناسبة فرح أو حفلة زفاف لا يغنى فيها الفن الشعبي، وبالنسبة لسؤلك هناك مجموعة من العوامل التي رسخت هذه النظرة الدونية للفن الشعبي ولممارسيه، من بينها أنه فن شعبي للطبقة المسحوقة يعني فن الطبقة الفقيرة الكادحة إلى المتوسطة الدخل، وهناك أن ممارسي هذا الفن أغلبهم لهم مستوى ثقافي ودراسي بسيط، كما أن أكثرهم ليس له تكوينا أكاديميا في الموسيقى، ومن جهة أخرى أنه يمارس أحيانا في بعض الأماكن تجعل منه فنا مبتذلا مثل الملاهي الليلية والأسواق الشعبية و مواسيم فن التبوريدة وحتى وسط حافلة وفي ليالي لقصارة، الشيء الذي يجعله فنا للجميع أما عن فن العيطة الأصيل فهو تراث مغربي أصيل خلد لمدة قرون، وشعره شعر ارائعا وموسيقاه مركبة و جد صعبة العزف، وهو موسوعة أدبية نجد فيها القصيدة القصة والقصة القصيرة والقصة القصيرة جدا والأقصوصة والحكاية والرواية وحتى الأسطورة، والكوميديا، لكنه فن رعوي، يعني موطنه البادية.، وقد تطرقت إلى هذا بالتفصيل في كتابي تحت عنوان “عيوط زمان، فن العيطة بين نظرة الاحتقار ورد الاعتبار”.
جريدة جسر التواصل: بصفتك شيخ للعيطة، كيف تجد حاليا حال الشيخة في المغرب؟
الحسين السطاتي: الشيخة في أحسن حال بالمغرب، وقد استفادت من أخطاء الشيخات الجدات، استفادت من هفوات السابقات، فهناك الشيخة المستثمرة في مجال الحلاقة والتجميل وهناك المستثمرة في ميدان تموين الحفلات وهناك الشيخة المستثمرة في مجال المقاهي، وغيرها من المهن المدرة للدخل والتي تعطي للمرأة ثقة في النفس وحضوة لدى أفراد المجتمع المنافق، لأننا نعيش في مجتمع مادي صرف، يقدر صاحب المال “شحال عندك شحال كتسوى”، وشيخة اليوم أحسن من شيخة الأمس، نعم هناك أصوات جميلة لرائدات فن العيطة لكنهن كن يكرسن وقتهن للفن فحسب، وأغلبهن متن ميتة حقيرة أما في التسول أو العوز والحاجة والوحدانية. عكس شيخات اليوم يعرفن ما ينتظرهن في النهاية والأيام لا ترحم والمجتمع ينبذهن، لذلك هن حريصات على استثمار شبابهن واستغلال مؤهلاتهن الجسدية والفنية.
جريدة جسر التواصل: هوجمت من طرف بعض النقاد بسبب فن العيطة والتصريحات الجريئة التي تعطيها للصحافة، فبماذا ترد عليهم؟
الحسين السطاتي: أقول لهم شكرا لكم على اهتمامكم وعلى متابعتكم لتصريحاتي على وسائل الإعلام، هذا شيء جميل ورائع، وما أروع النقد الفني الذي يقدمونه في حقي، أتمعن فيه وأستمتع به ويشعرني أنني فعلا فنان حقيقي ومتواجد في الساحة الفنية، أقول لهم ابحثوا جيدا في الأرشيف وفي سنوات حربي على عصابات المخدرات والفساد والدعارة، ستجدون شكايات كيدية ضدي، شكايات من أجل تعذيب البشر، وتكوين عصابة إجرامية، والاتجار الدولي في المخدرات كل هذه كانت إشاعات ووشايات كاذبة من أعدائي الذين كنت في حرب معهم، لكن اليوم أنا في العرس وهم أغلبهم في الحبس، ويعجبني النقد البناء، النقد المبني عن عتاب الأحباب ، النقد الذي يصحح لي أخطائي ويعلمني، ليس النقد الهدام، النقد المبني على الحقد والضغينة والكراهية، وشكرا لكل قلم حر ينتقد من أجل أن يصحح ويبني.
جريدة جسر التواصل: ألا تخاف أن تفشل في الجانب الفني؟
الحسين السطاتي: أنا ناجح يعني رابح من الأصل، لقد نجحت وانتهى الأمر، كل ما أريده أن أبقى في نجاحي وأخلد نفسي عبر القرون القادة بأعمالي الفنية والموسيقية والأدبية، بما أنني متقاعد وكونت أسرة وكبر الأبناء ودرسوا وتكونوا واشتغلوا، وعدت إلى فن العيطة الذي أعشقه وفي صحة جيدة وأنا في الخمسينات من العمر، فهذا بفضل الله نجاح كبير، فأنا ولله الحمد متقاعد من سلك الدرك الملكي وأستفيد من التغطية الصحية والتأمين عن الحياة وأستفيد من جميع الخدمات الاجتماعية للدرك الملكي والخدمات الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية فهذا في حد ذاته نجاح كبير وكنز ثمين، لهذا دائما في تصريحاتي أنصح الشباب المهتمين بالمجال الغنائي أن يتعلموا حرفة أو صنعة أو يشتغلوا شغلا رسميا يدر عليهم دخلا ماديا، ولا يعولوا على الفن، وبالنسبة لي فالعمل الفني في حد ذاته يشغلني ويملأ وقتي بالعديد من المزايا الرائعة، وهذا أكبر ربح، ولذي حلم وأهداف، إذن أنا رابح، والتجربة في حد ذاتها ، ربح وانتصار، انتصار على الركوض، وانتصار على الكآبة واليأس.
جريدة جسر التواصل: لماذا الحسين السطاتي غائب عن وسائل الإعلام؟
الحسين السطاتي: أظهر بين الفينة والأخرى، وأنا حاضر في بعض المنابر الإعلامية، كما أني شخصيا كاتب مقالات وعندما أصدر إصدارا أدبيا أو أعمل عملا فنيا موسيقيا أتكلم عنه في الإعلام.
جريدة جسر التواصل: ماذا يفعل الحسين السطاتي في أوقات الفراغ؟
الحسين السطاتي: ليس لي وقت فراغ، أصلا أنا متقاعد دركي، يعني توقفت عن العمل في الوظيفة، وبدأت أعمالي الخاصة، لهذا فأنا فنان شعبي وكاتب قاص وروائي وشاعر زجال، ومستثمر في ميدان الحلاقة، فالكاتب إذا لم يكن يكتب فهو يفكر في الكتابة، يعني تفكيره دائما مشغول.
جريدة جسر التواصل: نريد منك تغريدة فايسبوكية من تغريداتك على هذا الموقع؟
الحسين السطاتي: العمر مجرد رقم وليس بالسن، وأنا لا أخاف تجاعيد الوجه، وإنما أخاف تجاعيد القلب، قلب الفنان دائما شاب وشيخ العيطة لا يشيخ..
Views: 32
























