جسر التواصل الرباط
شيخ العيطة الحسين السطاتي ل”جسر التواصل” كانت العيطة هي نشيدي الأول، حيث بدأت بتعلم آلة الكمنجة بالحقل خلف قطيع الغنم.
جريدة جسر التواصل: أولا مرحبا بك بيننا مرة أخرى، يريد الجمهور القارئ ل “جسر التواصل” أن يعرف من هو الحسين السطاتي ؟
الحسين السطاتي: بسم الله الرحمن الرحيم، تحية عطرة ملؤها المحبة والمودة للجمهور الكريم، وجزيل الشكر لمنبركم الإعلامي جريدة “جسر التواصل” على هذا التواصل الدائم، وعلى هذا الجسر الفني الثقافي الموسيقي والأدبي الذي يربط الفنان بالجمهور، و”عواشر مباركة” بمناسبة عيد الأضحى المبارك، عيدكم مبارك سعيد وكل عام وأنتم بخير ..أعرف بنفسي اسمي الكامل المحبوب الحسين بن محمد، واسمي الفني والأدبي “الحسين السطاتي”، فنان شعبي موسيقي ومغني لفن العيطة “شيخ للعيطة”، وكاتب قاص وروائي وشاعر، ودركي متقاعد برتبة “أجودان”.. متزوج ولي ثلاثة أبناء.

جريدة جسر التواصل: حدثنا عن فترة الطفولة الفنية لشيخ العيطة الحسين السطاتي، وما قبل الاحتراف للفن، وعن هذا الولع بفن العيطة؟
الحسين السطاتي: أنا أصلا بدوي من ريف “أولاد عبو” التي كانت تسمى قديما “جمعة فوكو”، بمنطقة “أولاد سعيد” جهة سطات الدار البيضاء الكبرى، نشأت وترعرعت بالبادية، وكانت طفولتي في السهول الممتدة المنبسطة والتلال المنخفضة بسهل الشاوية، تتعاقب عليها الفصول الأربعة ولكل فصل جاذبيته ورومانسيته، الطبيعية والجوية، ومنذ صغري أعجبت بفن العيطة، لأنه هو الفن الذي فتحت عليه عيني وسمعته أذني، كان فن العيطة يؤثث أمسيات السهر والحفلات والأعراس، كما كنت أسمعه من أفواه الفلاحين، خلال الرعي أو موسم الحرث أو موسم تنقية الحقول من الأعشاب الضارة الطفيلية، وموسم الحصاد والدرس..كانت المجموعات الغنائية التقليدية “الثنائيات” أو “الثلاثيات”، أو “ربايع الشيخات” أو الفرق الغنائية النسائية “اللعابات”، هي المجموعات الغنائية التي تنشط جميع المناسبات والأفراح بما في ذلك حفلات الزفاف والعقيقة والختان، وحفلات النجاح بما فيها الدراسي والعملي والسياسي.. وحفلات العودة من الخارج، وحفلات الخروج من السجن، وحتى حفلات العودة من الحج، ومواسيم التبوريدة.. لهذا عشقت هذه الموسيقى منذ طفولتي، إذ لم تكن هناك أنواع موسيقية أخرى كالراي أو الفن الأندلسي أو الملحون أو الراب..وكانت العيطة هي نشيدي الأول، حيث بدأت بتعلم آلة الكمنجة بالحقل خلف قطيع الغنم، من الرعاة المولعين بهذه الموسيقى، في البداية كنت أتسلم آلة الكمنجة التقليدية الصنع من أحد الرعاة وأعزف عليها بتوجيه وتعليم منه، كما كنت أحضر لطريقة صناعة هذه الآلة العجيبة، وتعلمت كيف أصنعها بمعدات تقليدية بسيطة، بل بالتكرار صرت أتقن وأتفنن في صناعتها، وعن طريق العزف بالتكرار والاجترار تعلمت عزف وغناء بعض الأغاني الشعبية والعيوط السهلة، فكونت رفقة بعض أبناء الدوار مجموعة غنائية على شاكلة مجموعة “نجوم بوركَون”، وصرنا نحيي سهرات ليلية قرب “نوادر التبن” أو بجانب البئر، أو أمام الحانوت الوحيد بالدوار، وكانت هذه البداية التقليدية هي الشرارة الأولى التي ولدت لدي عشق فن العيطة، كان هذا بالموازاة مع الدراسة ومساعدة أسرتي الريفية في أعمال الفلاحة، كما كنت أشارك في الأنشطة الثقافية المدرسية خلال مناسبات الأعياد الوطنية، وبدأت في التعلم الموسيقي بالتدرج ودائما بطريقة عشوائية إذ ليست هناك مدارس ولا معاهد تهتم بالموسيقى ولا بالشأن الثقافي، بل أن تعلم الموسيقى واحتراف الغناء بالبادية يعد شيئا نشازا ومهينا للشخص ولأسرته، بدعوى أنه سيكون شخصا منحرفا وغير صالح، بعد ذلك انضممت إلى مجموعة غنائية “رباعة للشيخات”، بمدينة سطات، وخلال صيف 1988 أسست رفقة أخي “المحبوب عبد القادر”، الذي يكبرني بسبع سنوات، مجموعة غنائية لإحياء السهرات والحفلات بمدينة الدار البيضاء سماها أخي “أوركسترا الأفراح الشعبية”، وكانت هذه المجموعة هي الانطلاقة الفعلية لي في عالم الموسيقى وعالم العيطة، وخلال سنة 1991 أسست مجموعتي تحت الاسم الفني “الحسين السطاتي”، بمدينة سطات، وأخذت أحيي الحفلات والأعراس بمدينة سطات والنواحي بما في ذلك برشيد والدار البيضاء وأزمور وبن جرير وخريبكَة.. إلى غاية ربيع سنة 1994، حيث التحقت بالوظيفة العمومية صفوف الدرك الملكي سلك ضباط الصف، فتوقفت مسيرتي الفنية كحرفة، لكنني بقيت متتبعا كأحد من الجمهور وهاو لموسيقى العيطة، وكنت بين الفينة والأخرى خلال فترة الإجازة أشارك أصدقائي في إحياء حفلة أو عرس بعيدا عن أعين الرؤساء والمخبرين لأن القانون الإداري يمنع ازدواجية العمل، حيث قضيت مدة اثنان وعشرون سنة في الوظيفة العمومية وخلال ربيع 2016، حصلت على التقاعد، واستأنفت مسيرتي الفنية، وعدت من جديد لمعشوقتي الكمنجة والعيطة. وأريد أن أشير أن هذا قد أشرت إليه في فصل من كتابي سيرة روائية كتبته تحت عنوان ” عيطة دموع الخيل”، ونشر خلال شهر رمضان على شكل حلقات يومية على صفحات “جريدة جسر التواصل”، وبالبحث في محرك البحث “كَوكَل” بعنوان الكتاب، أو على موقع الجريدة، سيجد الجمهور القارئ جزء من قصة حياتي.

جريدة جسر التواصل: يقولون أن لكل شيخ في فن العيطة شيخه، فمن هم الأشياخ الذين تعلم عليهم الفنان الحسين السطاتي الفن الشعبي وموسيقى العيطة.
الحسين السطاتي: دروسي الأولى في فن العيطة كانت على يد فنانين موسيقيين تقليدين، رعاة بريف “أولاد سعيد”، منهم الأشياخ ” حسن بزيويطة، وحسن المسكيني، ورحال ولد برحال والموحيد عبد الرحيم..”، ثم بعد ذلك بدأت أتعلم بالتدرج عن طريق السماع عبر أشرطة الكاسيت من عدد كثير من أشياخ العيطة، واللائحة طويلة أذكر منهم : “بوشعيب البيضاوي، الماريشال قيبو، ولد الحلاوي، حمو البوفي، الستاتي عبد العزيز، خالد ولد البوعزاوي، أولاد بن اعكَيدة، عبد الله البيضاوي، بوشعيب لبصيرالسطاتي، عبد الرزاق لبيشي، لكبير الصنهاجي، الحسين الخريبكَي، صالح السمعلي، امحمد ولد الهراس البجعدي، علال الكرامش الشرقاوي وآخرين …” أما في العنصر النسوي فتأثرت بعدد من الشيخات منهن ” فاطنة بنت الحسين، وخديجة البيضاوية والحاجة الحمداوية، والحاجة الحامونية، والخودة وخديجة مركَوم…”، ومن الفنانين الأمازيغ الذين غنوا فن العيطة والأغنية الشعبية تعلمت سماعيا من الفنانين: “المغاري ميلود، عاشور حمي، حمو أوليزيد، بناصر بلغازي ومصطفى نعينيعة..” وحاليا أدرس وأتعلم الكمان على يد الأستاذ الشيخ “يوسف بوفلجة”، وهو أستاذ مدرس بالمعهد الموسيقي بالرباط وشيخ للعيطة، وكل واحد تعلمت منه ما يُفيدني بما في ذلك الحضور على الخشبة، والزي التقليدي المغربي، وطريقة الأداء، واحترام الجمهور..

جريدة جسر التواصل: يقول بعض الباحثين أن فن العيطة مهدد بالضياع، فما ردك عن هذا ؟
الحسين السطاتي: أبدا، بل على العكس، فتلك نظرة بعض الباحثين والموسيقيين والاعلاميين..أما بالنسبة إلي كشيخ للعيطة مغني وعازف كمان “رباعة الشيخات”، لي رأي آخر، العيطة قد تقتل لكن لا تموت، فإذا بحثنا في المحفوظات “الأرشيف” بمختلف وسائل الإعلام المغربي سنجد هذا السؤال مطروحا منذ ستينيات القرن الماضي، لكن العيطة كانت ومازالت وستظل حاضرة وبقوة، رغم الحرب الشرسة التي شنت عليها من طرف المستعمر ومن طرف بعض المتشددين والمتطرفين.. وحتى من طرف الموسيقى الدخيلة القادمة من الخارج..هؤلاء الذين حاولوا تشويه سمعة العيطة وتغيير معناها الحقيقي، فهي فن الحب والحرب، فن التمرد والاحتجاج الذي قهر المستبد والظالم، وثارت في وجه السلطات الغاشمة..فالعيطة متواجدة منذ قرون تفرض نفسها في الساحة الفنية الغنائية المغربية..وبصفتي شيخ للعيطة فإن سبب تألق هذا الفن التراثي الأصيل واستمراره، يرجع إلى بنيته الأدبية والفكرية، وعمقه الموسيقي والشعري ومجده التاريخي، وما تحمله العيطة من ألغاز وأسرار..فالعيطة إضافة لما تعالجه من مواضيع اجتماعية واقتصادية وسياسية فهي أغنية أيروتيكية، أغنية أيروسية عاطفية تخاطب الوجدان بالدرجة الأولى، فهي ترقى بالعلاقة الحميمية بين الرجل والمرأة في بعدها الجمالي، ذلك البعد الإنساني، بعيدا كل البعد عن الإباحية أو”البرنوغرافية”، التي أرادوا أن يلحقوها بها، وهذه الأيروسية هي التي تجعل الفن بصفة عامة وبكل ألوانه مقبولا وخالدا بل حيا تتوارثه الأجيال أبا عن جد..وأعتقد أن فن العيطة هو الفن المغربي الوحيد الذي يستهلك في السر أكثر مما يستهلك في العلن، وهو الفن الذي يساوي بين الرجل والمرأة بل نجد أحيانا المرأة “الشيخة” تأخذ حصة اللبوءة سواء كعازفة أو مغنية أو راقصة، وقد تترأس المجموعة وتقود فرقتها، كما أن فن العيطة قد ساير عصر المكننة والرقمنة كما سيساير عصر الذكاء الاصطناعي، بالتجديد والخلق والإبداع والنقص من المدة الزمنية للقصيدة العيطية لتلاءم العصر، مع الاحتفاظ بهوية العيطة الأصل “الأم”، وبالفعل نجح هذا الفن عبر قرون في فرض وجوده، فإذا تفحصنا مواقع التواصل الاجتماعي بما في ذلك “الفايسبوك، واليوتوب، والتيك توك.. ” أو عبر تطبيقات التراسل الفوري وعلى القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية المغربية..سنجد أن العيطة تفرض وجودها ولها إشعاعا قويا، وحضورا طاغيا تحسد عليه، حيث يتم بث أجزاء من الأغاني العيطية، وفيديوهات تحصد ملايين المشاهدات، إضافة إلى هذا ففن العيطة كما سبق أن قلت، هو فن الحب والحرب، فن الحب بمعنى أنه فن الأغنية العاطفية التي تتغنى بالعشق والهيام والرقص الشعبي المثير المستوحى من الطبيعة بما في ذلك رقصة الوردة “شطحة الوردة”، ورقصة الفرس “شطحة العود”، ورقصة النحلة “شطحة النحلة”، ورقصة الأفعى “شطحة اللفعة”، أما معنى أن العيطة أغنية حرب فهي تتغنى بأمجاد الأسلاف المقاومين والفدائيين وتمرر خطابات حماسية توقد الهمة في النفوس، وترثي في متنها الشهداء الذين سقطوا في المعارك ضد العدو المستعمر، وحتى في الرقصات، نجد رقصات الموت والحزن والرثاء؛ كرقصة التمساح التي تتضمن غزلة الموت” شطحة التمساح”، ورقصة الديك المذبوح “شطحة الفروج”، ورقصة الندبة “شطحة المندبة” وغيرها من الرقصات الفنية المثيرة، فالعيطة تحتفي بالجسد الأنثوي، والجمهور متعطش لرؤية فواكه هذا الجسد الأدمي في رقصات ايحائية مثيرة..وكما سبق ذكره ففن العيطة هو فن الحب، فن الأيروسية، وهذا يتطلب شرحا مفصلا، وسأكتفي بأن أقول لك أن العيطة في شقها العاطفي هي فن الحب، وإذ صح القول أسميها ” فن الجنس”، وأنت تعرف حضور الجنس في حياة الانسان، وبما أن الانسان متعطش للجنس سيظل المغربي متعطشا لفن العيطة، متعطشا لسماع كلمات الغزل والرومانسية في القصيدة العيطية، ولسماع ألحان الموسيقى التقليدية المركبة الجميلة، ولمشاهدة فواكه الجسد الأنثوي الآدمي ولو في استهاماته، لذلك فهذا الفن حاضرا بقوة في الإذاعات العمومية، والقنوات التلفزيونية وعلى صفحات جل الوسائل الاعلامية سواء الورقية أو النسخ الالكترونية.. وفن العيطة هو من يفرض نفسه على المتلقي وعلى المنابر الاعلامية المغربية، ليس لأنهم يولون اهتماما له بل لأنهم في حاجة ماسة إليه، بضاعتهم ستروج بفضله وسيربحون، أما فن العيطة فهو رائج وحاضر في المدشر والبحر والقصر، وهو الفن الموسيقي الوحيد المغربي الذي تجده يمارس بالفرد وبالأوركسترا من طرف الجنسين، قد تجد فنان لوحده في ممر حافلة يحمل آلته ويغني العيطة، وبساحة وسط المدينة في “حلقة”، وتجد ثنائيا بآلة “وتار” وبندير أو كمنجة وبندير تحت خيمة “مطعم شعبي” بسوق أسبوعي، وقد تجدهم على رمال الشاطىء بين المصطافين، أو على مثن قارب صيد يؤنسون الصيادين، وفي الميناء يعزفون ويغنون العيطة ويتلقون الإكراميات من الجمهور، وتجدينهم في الغابة بين المتنزهين، كما تجدينهم في المهرجان والمواسم وفي الحفلات، زواج، وعقيقة، وختان، ونجاح، وطلاق، وخروج من السجن، وعودة من بلاد الغربة، وعودة من الحج، تجد فن العيطة، في النوالة، والخيمة، والحضيرة، والضيعة، وفي حفلة منصوبة بزقاق ووسط الشارع، وفي الفيلا وعلى خشبات كبريات المسارح العالمية وفي القصر، وأستحضر تلك الصورة الرائعة التي بثتها جميع القنوات المغربية ومنها بعض القنوات العالمية لزفاف ملكنا محمد السادس وهو محمول على الأكتاف في الهودج “العمارية”، رفقة عروسه بالقصر الملكي وأمامه مجموعة لمخاليف لفن العيطة بجلاليبهم باللون القرمزي وطرابيشهم الحمراء يؤدون وصلات من فن العيطة الحوزية.
وكل هذه الأسباب تجعل فن العيطة فنا أبديا خالدا يتحدى الفناء والضياع، فالعيطة كما قلت لك قد تقتل لكن لا تموت.
جريدة جسر التواصل: بحكم أنك شيخ للعيطة وتعشق الكتابة، فهل من كتابات عن العيطة ؟
الحسين السطاتي: الحمد لله فمن بين هواياتي، إضافة إلى فن العيطة هناك القراءة والكتابة.. فالكتابة في حد ذاتها هي عيطة صامتة، هي وجع وألم ومعاناة واحتجاج وتمرد يخرج من الأعماق حروفا وكلمات على الورق..وبالنسبة إلي أعتبرها جلسات علاج نفسي، ففن العيطة دائما كان ومزال وسيظل حاضرا في كتاباتي الأدبية من مقالة وقصة ورواية ومسرح وزجل..فحاليا أكتب في رواية جديدة بعنوان “هيت الشيخات”، وأقوم بسلسلة ندوات، وأكتب مقالات أدبية تحت عنوان “فن العيطة بين نظرة الاحتقار ورد الاعتبار”، وأكتب في كتابي الثاني من سيرتي الذاتية واخترت له مؤقتا عنوان “عيطة عريس الخيل”، ونشرت عبر صفحتي على الفايسبوك بعض الفصول من روايتي الأولى “عيطة بيضاوية”، كما أكتب كلمات أغاني شعبية وألحنها وأقدمها لبعض أصدقائي من الفنانات والفنانين الشعبيين بطلب منهم.
جريدة جسر التواصل: كيف كانت المرحلة الانتقالية من “الأجودان الحسين” الدركي ضابط الشرطة القضائية والعسكرية، إلى الفنان “الشيخ الحسين” ضابط الإيقاع، المغني والكومنجي للعيطة المرساوية؟
الحسين السطاتي: المرحلة الانتقالية كانت عن دراسة وتخطيط، فالحسين السطاتي قبل أن يكون دركيا “أجودان” ضابطا للشرطة القضائية والعسكرية وضابط الشرطة التقنية العلمية، وضابط مكلف بالأحداث، وأستاذا مدرسا للشرطة القضائية والشرطة التفنية والعلمية ومدربا عسكريا لضباط الصف..كان في نهاية ثمانينيات القرن الماضي مغنيا شعبيا ” شيخ للعيطة”، مغني وكومنجي ل”رباعة الشيخات”، يحمل اسم “الشيخ الحسين السطاتي”، ولا أنكر جميل وخير مهنة الدرك الملكي علي، فأنا مدين لهذه الإدارة بالكثير، وجميلها علي لا يحصى، فقد كونتني وأعادت تربيتي وقوت شخصيتي، أعطتني الكثير ماديا وثقافيا ومعنويا.. وبعد قضائي لمدة اثنان وعشرون سنة في سلك الدرك الملكي بما في ذلك حقل الضابطة القضائية بميدان الجريمة والتدريس والتكوين العسكري، ولما تعديت سن الخامسة والأربعين قررت التفرغ لأعمالي الخاصة الحرة، ولممارسة هواياتي بما فيها القراءة والكتابة والموسيقى والقنص..لم أعد قادرا على مواصلة العمل في عالم الجريمة، بما في ذلك القتل والاغتصاب والخيانة الزوجية والانتحار..وفضلت أن أعيش مع الناس في الحفلات والأعراس، قررت أن أعيش الحياة التي أريدها، حياة السلم والسلام، حياة الأفراح والحب والغناء والرقص، فأنا الآن لا أعد نفسي أعمل فحسب بقدر ما استمتع بهواياتي التي أعشقها وأتقاضى عن ذلك أجرا..وبالفعل كان اختيارا موفقا والحمد لله، أتمنى أن تخرج “العيطة” بخير كما خرج “السربيس” على خير..

جريدة جسر التواصل: هل من جديد فني موسيقي لهذا الصيف؟
الحسين السطاتي: بحلول فصل الصيف وبمناسبة عيد الأضحى المبارك، طرحت حديثا على قناتي باليوتوب والتي تحمل اسمي الأدبي والفني “الحسين السطاتي”، عيطة مرساوية بعنوان “جنان سطات”، وهي عيطة مرساوية من التراث العيطي المغربي، أغنية عيطية عاطفية وجدانية تتغنى بالحب والجمال، وفواكه الجسد الأنثوي الآدمي، كما تتغنى بالخيل والليل وحب الفروسية.. وطرحت عيطة أخرى تحت عنوان “الشاليني”، وهي أيضا من العيط المرساوي، أغنية تتغنى بالحب والهيام ولوعة الفراق، ومعاناة الحبيب في العثور على المحبوب المعشوق، ومن التراث العيطي البلدي طرحت عيطة تحت عنوان “البيضة”، وتعني البيضاء، أو ما تسمى أيضا بعيطة “الحريمية”، وهي عيطة بلدية جرفية فيلالية، تحكي قصة شاب عاشق ولهان ذو بشرة سمراء يسائل ويعاتب حبيبته تلك الحسناء البيضاء، ويلومها عن غدرها وعدم وفائها له بالوعد خلال فترة غيابه عن مسقط رأسه بمنطقة سجلماسة بالجنوب الشرقي المغربي، كما طرحت أغنية شعبية مستحدثة بعنوان “اللي دواو ما يهمونا” من كلماتي وألحان الأستاذ الملحن يوسف بوفلجة.
جريدة جسر التواصل: أنت تعيش في جيل غير جيلك، وتحافظ على فن العيطة، فكيف تتعامل مع وسائل تواصله، خصوصا المواقع الاجتماعية؟
– الحسين السطاتي: فعلا لقد تعديت سن الخمسين، ومازلت أطمح أن أحقق الكثير في المجال الفني الموسيقي، والمجال الأدبي السردي وفي السينما.. مادمت قادرا على العطاء وفي صحة جسدية ونفسية جيدة، وأعتقد أنني من الجيل المحظوظ، عشنا مع جيل الأمس أعني جيل الستينات والسبعينات وها نحن نعيش اليوم مع جيل الألفيات، وهذه في حد ذاتها نقطة قوة، تعاملت سابقا مع الرسالة الورقية والتلغراف، والتيليكس، وأسطوانة اللفة، وشريط الكاسيت، وشريط الفيديو، والقرص المدمج، وها أنا اليوم أتعامل مع التقنية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، ولذي عناوين على أغلب مواقع التواصل الاجتماعي، بما في ذلك قناة على اليويتوب، وحساب على الفايسبوك، والانستغرام وتويتر..وأنا أدون وأكتب وأغرد على هذه المواقع، أنشر أعمالي الفنية بما فيها الغنائية الموسيقية والأدبية السردية من شعر وخاطرة وقصة ومقالة ومسرح ورواية.. كما أتفاعل مع الجمهور الكريم حول توجهي الموسيقي وهو موسيقى العيطة. وهذا التواصل صار جد مهم بالنسبة للإنسان العادي فبالأحرى للفنان الذي يتحتم عليه الدخول إلى هذا البحر والإبحار افتراضيا، كما أني أسعد بعدد التعليقات الايجابية على منشوراتي وصوري، أسعد بها سواء كانت سلبية أو ايجابية، لأن السلبية منها تعطيني وقفة تأمل لأستفيد من النقد وأصحح أخطائي، أما الايجابية فهي تغدي غروري الفني إذ صح التعبير وتحسسني أنني في المسار الفني الصحيح وموجود في الساحة الفنية الغنائية.

جريدة جسر التواصل: لكل فنان مبدع ومنه الموسيقي والمغني ..طقوس معينة لدى ولوجه عالم الإبداع، فكيف تحدد طقوسك؟
الحسين السطاتي: بالنسبة لفن العيطة فهي قصائد خالدة مغناة منذ عشرات السنين، وأنا أعيد تنقيحها، قد أضيف وأزيد في القصيدة الأم، وحسب تطور العصر فصرنا نقزم ونقسم العيطة الواحدة إلى أجزاء، للحفاظ على العيطة من الاندثار، وحتى تصير محببة لدى الشباب، أما عن الأغنية الشعبية، فأنا أختار مواضيعي الاجتماعية أو العاطفية، حسب الحالة المزاجية التي أكون فيها، فمثلا قد أكون في حصة رياضية أتمشى على شاطئ البحر أو وسط الغابة، وأبدع لازمة أغنية، وقد ألحنها هناك فأستخرج جهاز هاتفي النقال وأسجل اللحن والكلمات وعندما أعود إلى المنزل، أحمل آلة الكمنجة وأعيد عزفها وغنائها، واكمال القصيدة، وأسجلها فورا بعد ذلك، أجربها خلسة في حفلة أو عرس وأرى مدى تفاعل الجمهور معها، أما في مجال الكتابة فأنا أجلس في المكتب بالمنزل وأبدأ في الكتابة، وخاصة في الساعات الأخيرة من الليل، لكن المادة الخام للكتابة تكون قد تخمرت في الواقع وأنا أغني في عرس أو مهرجان أو حانة… فأرصد ما يدور حولي وأسجله في عقلي لأنقله في الكتابة.
جريدة جسر التواصل: بمناسبة ذكرى عيد الأضحى المبارك، هل من طقوس عند الحسين السطاتي؟ وما الفرق بين “العيد الكبير” بالأمس و”العيد الكبير” اليوم؟
الحسين السطاتي: هناك فرق كبير بين الأمس واليوم، في شأن الاحتفال بالمناسبة الدينية عيد الأضحى “العيد الكبير”، أنا أصلا بدوي من ريف بادية “أولاد عبو” وبالضبط من دوار “أولاد سيدي رحال الشرقية”، منطقة “أولاد سعيد”، جهة سطات الدار البيضاء الكبرى، أتذكر بشوق وحنين أجواء هذا العيد بالبادية، حيث كنت أرافق أبي وإخوتي الكبار إلى الأسواق الأسبوعية بالمنطقة للاتجار في الخراف والخروفات والأكباش.. تلك التي كنا نربيها مع القطيع أو التي كان يشتريها أبي ويعيد فيها البيع في نفس اليوم.. كان ذلك يتزامن مع عودة المهاجرين أفراد الجالية المغربية بالخارج، والمهاجرين الداخليين العائدين من المدن إلى الدوار، كانت تنتعش الحركة الاقتصادية بالمنطقة، ويعم الفرح والبهجة والتضامن والتكافل والتآزر، وصلة الرحم والتصالح والتسامح خلال هذه الأيام المباركة.. تلك الأيام أتذكرها بحنين ونوستالجيا إلى زمن صار يبدو لي جميلا بالمقارنة مع هذا الزمان، وكانت هذه الاحتفالية تشكل في نفسي فرحا عارما لا يعادله أي فرح. كان يوم العيد في البادية يوما استثنائيا، نلبس أجمل الثياب لدينا، يصلي الرجال الكبار صلاة العيد في المسجد بالدوار، ونحضر نحن الأطفال لحظة ذبح الأضاحي، نتحلق حول الأب وبأمر منه نساعد في ذلك بما استطعنا، ونتسلم نقود إكرامية العيد “العيدية” من الأهل والأقارب والجيران، وكان ذلك بمثابة تأهيلا ذاتيا ونقل الخبرة بطريقة فنية عفوية عبر التواتر من جيل لجيل، وفرحا جماعيا ننتظر من خلاله هذه المناسبة بشوق وتلهف، كان الآباء حريصين أن نشاركهم في الجزارة بما فيها الذبح والسلخ وأعمال السخرة، كمزيد من الارتباط بهذه السنة المؤكدة، وبعد صلاة العصر يجتمع الذكور “صبيان، شباب وشيوخ”، ونركب على البهائم “خيول، بغال، حمير، جحوش”، استعدادا لعادة الفروسية التقليدية، لسباق وتنافس مع الدوار المجاور “أولاد سيدي رحال الشرقية”، حيث يلتقي الجميع في بقعة أرضية فلاحية منبسطة صالحة للسباق، ويتم التنافس والتسابق في جو يسوده الفرح والبهجة والسرور، وفي المساء تبدأ سهرة احتفالية طقس “السبع بو لبطاين”، حيث يتم اختيار شابا في ريعان شبابه يكون قوية البنية الجسدية ويتمتع بحس فكاهي، فيرتدي زيا تنكريا مخاطا من هيضورة خروف، ويضع على وجهه قناعا، فيتبعه الصغار والمراهقين في جو مرح وفرجة ويطوفون على الخيام والمنازل، إذ تقتحم هذه الجماعة أشد البيوت حصانة ومحافظة، وكان الناس يكرمونهم بالأموال واللحم والفواكه الجافة والمكسرات..وفي الليل وبعد وجبة العشاء الدسمة،كانت تبدأ سهرة فنية تنشطها مجموعة لفرقة موسيقية غنائية “رباعة الشيخات”، داخل خيمة كبيرة تنصب بوسط الدوار “المرح”، حيث تضم الخيمة رجال الدوار من مختلف الأعمار وضيوفا آخرين قادمين من دواوير الجوار، أما النساء فكن يكتفين بالتفرج من بعيد، وغالبا ما كنت أتسلم الكمنجة من عند “الشيخ” عازف الكمان، وأشاركهم في العزف والغناء، حيث يبقى جو السمر والسهر والمرح والفرجة حتى تباشير صباح يوم الغد. ويتبع ذلك طقوسا أخرى قد تصل إلى مدة أسبوع كامل، حيث يتبادل الناس الزيارات، وتنشط صلة الرحم، والتصالح والتسامح بين الناس، ويجزأ لحم أضحية العيد، ليجفف على أشعة الشمس ويصنع منه اللحم المجفف “الكَديد”، و”الكرداس”، ويتصدق بجزء منه على الفقراء والمحتاجين.. أما اليوم فقد دخلت المدينة وتزوجت وصار لي مسكن في الحضارة المزيفة وثلاثة أبناء بالغين بنتين وولد، في سن الزواج، لم تعد لهذه المناسبة الدينية تلك الطقوس الاجتماعية الجميلة، الحمد لله كل شيء صار موجودا من الناحية المادية، لكن غابت الحميمية والدفء العائلي والحنان الأسري، والفرح الجماعي، صار التواصل عبر الهاتف النقال ينوب عن التزاور وصلة الرحم المباشرة، أصلي يوم العيد صلاة العيد في الصباح بمصلى المسجد بالمدينة، وأذبح الخروف صحبة أبنائي، وأتواصل مع الأهل والأحباب والأقارب والجمهور وأفراد مجموعتي الموسيقية عبر الوسائل التكنولوجية بما في ذلك الهاتف النقال ومواقع التواصل الاجتماعي وعبر تطبيقات التراسل الفوري، لذلك لم تبق للعيد لذته الحلوى ونكهته التقليدية البدوية الريفية.

جريدة جسر التواصل: كلمة أخيرة لجمهورك ؟
الحسين السطاتي: شكرا للجمهور الكريم على التشجيع المادي والمعنوي، فبفضل الله وبفضله تكون لي دافعية أقوى للاجتهاد وللعطاء، وأعده أنني سأعطي كل ما في وسعي لفن العيطة من موقعي كفنان ممارس، وشيخ للعيطة، وككاتب قاص وروائي وشاعر..وسأظل وفيا لهذا التوجه الموسيقي، للحفاظ على هذا الفن الأصيل..هذا الكنز اللامادي، ونقله للأجيال القادمة كما أخذناه عن الأجداد الأسلاف، وشكرا لجميع المنابر الإعلامية التي تساهم بجد في إعطاء إشعاع للفن والفنانين المغاربة وتنوير الحقل الفني المغربي، وشكرا جزيلا لمنبركم الإعلامي جريدة “جسر التواصل” الذي سمح لي بأن أقف على هذا الجسر وأطل منه على الجمهور الكريم، أهنئكم بعيد الأضحى المبارك، وأقول لكم كل عام وأنتم بخير، وأتمنى لكم مزيدا من النجاح والتوفيق.
Views: 13
























