سياسة

ما بعد كورونا؟!

محمد نجيب كومينة

ان التركيز فيما سبق على الصناعة والفلاحة في افق اعادة هيكلة الاقتصاد وتقوية قدراته على السير في مسار تنموي سليم لايعني باي حال من الاحوال التقليل من اهمية قطاع الخدمات الذي توسع بشكل كبير في العقود الاخيرة وصار مشغلا رئيسيا، غير انه ان الاوان في تصوري لاعادة نظر في ترتيب اولويات هذا القطاع بشكل يتناسب والتوقعات العالمية، التي تبقى نسبية. وفي هذا الاطار يلزم مثلا
– ان نراجع تصوراتنا بشان حجم السياحة في الناتج الداخلي الخام. ذلك ان هذا القطاع الهش َامام الصدمات الخارجية، مثل كورونا اليوم وحرب الخليج والارهاب بالامس، يجب ان لا تتعدى نسبته من الناتج الداخلي الخام 6%، كما كان يلح على ذلك الخبير الدولي واحد نزهاء الوطن ووزير السياحة الاسبق استاذي حسن الصبار،اذ ان اي حدث مفاجئ يجعل القطاع يسقط في ازمة طاحنة يترتب عليها فقر واسع وتدهور لاحتياطي العملة الصعبة، مع العلم انه بات معولا على فائض ميزان الاسفار لتمويل عجز الحساب الجاري لميزان الاداءات بشكل رئيسي مند عقود. فالتوجه الذي فرضه البعض في الاستراتيجيتين الاخيرتين لتطوير السياحة يتبين انه يطرح ما يسميه الاقتصاديون بالخطر الاخلاقي l’aléa moral بشكل حاد، وهو خطر يزداد حدة عندما نعلم ان المضاربين العقاريين ومختلف انواع المضاربين قد اقتحموا الميدان دون مراعاة لما يتطلبه من مؤهلات مهنية فاساؤوا اليه اساءات جسيمة ليس هنا مجال الخوض في تفاصيلها، وتكفي الاشارة الى دلالة Arnakech التي تكاد تصبح علامة دولية لممارسات كارثية تتغاضى عنها الادارة او تتواطؤ معها. في كل الاحوال، يجب انتظار تحول في قرارات الاسفار على المستوى العالمي، وحتى على مستوى مغاربة الداخل والخارج، على المستوى المتوسط على الاقل وانهيارات على مستوى الشركات المتخصصة في بيع الاسفار، وقد بدات فعلا باكبرها، وهذا ما يجب اخذه في الحسبان.
– على مستوى الخدمات المالية، هناك توقعات تشير الى ان العالم مقبل على هذا الصعيد على زلزال ضخم، وهو ما يسعى ترامب اليوم الى تحاشيه رغم انفه، بحيث جاءت كورونا لتسرع انفجار فقاعة ضخمة تكونت بعلاقة مع الاجراءات التي اتخذت لمواجهة ازمة الرهون العقارية سنة 2008 سواء في الولايات المتحدة او اوروبا، حيث ان الاصدار النقدي الكثيف الذي تم اللجوء اليه خلال 12 سنة لدعم النظام المالي والحفاظ على نمو معاملات الاسواق المالية ومؤشراتها وربحيتها، اكثر من اي شئ اخر، يتفاقم اليوم في مواجهة كورونا واثارها، حيث تم اصدار ترليونات الدولارات والاوروات الخشبية التي لامعادل لها contrepartie الا هي نفسها. والتوقعات المتعلقة بتراجع الثروة العالمية، او الناتج العالمي الخام، التي تصل الى حد تقديره بالثلث، تهم بنسبة مهمة القطاع المالي . والاموال التي تبخرت بسرعة من البورصات، وخصوصا اسواق الاسهم والمشتقات المالية، ليست الا بدايات لما سياتي بعد ذلك.
ورغم ان نظامنا البنكي وبورصتنا ليسا مرتبطين بالنظام العالمي الا في حدود ضيقة جدا، الا فيما يتعلق بافريقيا المقبلة على ايام صعبة قد تعصف بطبقة متوسطة قيد النشوء مالم تحدث متغيرات غير متوقعة، رغم ذلك، فان ما سينشا من براديغمات جديدة في عالم مابعد كورونا على مستوى النظام المالي، والذي قد يشمل معايير بنك التسويات العالمية وغيرها، سيسائلها، وسيفرض عليها تغيير علاقة العجرفة التي تربطها بالاقتصاد والمجتمع ومسعاها الدائم الى تحصين صافي الدخل البنكي PNB بكل الوسائل، بما في ذلك تجاوز مذكرة بنك المغرب المتعلقة بالخدات البنكية المجانية باختلاق غيرها او التحايل عليها، هذا فضلا عن ان بنية الابناك المغربية المرتبطة بشركات التامين وشركات القرضوشركات البورصة وصناديق الاستثمار وشركات الليزنغ وغيرها تمثل مشكلة كانت من اسباب ازمة 1929، وايضا فضلا عن ان السياسات النيوليبرالية التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة كانت في خدمة النظام البنكي بشكل واضح، وهذا مالم يعد قابلا للدوام، فالابناك تربح مقابل لاشئ في كثير من الاحيان، على حساب الدولة والاقتصاد والمجتمع، وتمثل الحسابات الجارية لديها مصدر اموال مهمة جدا تعوض نقص اموالها الذاتية، وهي الاموال المجانية التي لم تعد تعوض عليها مند 1975 بينما لاتفلت فرصة لفرض اقتطاعات منها مقابل خدمات قد لايطلبها منها احد. ومن غير المستبعد ان يتقلص عدد ابناكنا نتيجة تاثير كورونا، وكان البعض منها كما هو معروف قد وجد صعوبة في التكيف مع معايير بنك التسويات الدولية الجديدة Bâle 3, وراج مند وقت قصير ان باري با يرغب في تفويت اسهمه في البنك المغربي للتجارة والصناعة لكنه لم يجد مشتر.
واتصور ان اعادة هيكلة النظام البنكي في ضوء التطورات العالمية المختلفة سيجعل الدولة تعود بثقل مهم الى ما انسحبت منه بالتدريج مند خوصصة البنك المغربي للتجارة الخارجية في اواسط تسعينات القرن الماضي، وستجد نفسها مضطرة الى احداث اداة بنكية لتمويل الصناعة والمقاولات الصغيرة والمتوسطة بدلا من الاقتصار على تحفيز الابناك على اخذ المخاطر التي لاتعتبرها محمودة. وبالنظر الى مايشهده العالم، وبالاخص سياسات الاحتياطي الفيدرالي الامريكي التي يتجه لاسترجاع دوره الاصلي في دعم الاقتصاد والنمو، فان السياسة النقذية التي اتبعها بنك المغرب، والذي جعله واليه دولة مستقلة عن الدولة بالتدريج مند 2005، ستعرف تغيرا يمضي، حسب توقعاتي، الى حد العودة الى التمويل المباشر للخزينة والاقتصاد عبر اليات تعاقدية.
– ان تطوير قطاع الخدمات، المهم والشامل لعدد لايحصى منها، يستدعي اليوم تحديد اسراتيجية ناظمة وعدم الاكتفاء بما وجد وماياتي، لان الامر يتعلق بقطاع مشغل، والمفروض ان تحدد هذه الاستراتيجية بوضوح الفروع والانشطة القابلة للنمو، وغير الهشة، على اساس الوعي بان خدمات التكنولوجيا ستكون لها الغلبة في ظل التطور المتسارع للذكاء الصناعي وان اي فرع يظل متخلفا عنها سيموت لامحالة. ولعل التطور الحاصل على مستوى رقمنة المعاملات الادارية وغيرها والتعليم عن بعد والعمل عن بعد كلما كان ذلك ممكنا مؤشرات على قدرتنا على الانتقال الى اقتصاد المعرفة بسرعة، شرط ان نوجه تكوين الاجيال الصاعدة توجيها جديدا يقطع مع التخلف وضغوط المتخلفين المنشدين الى بول وبعر البعير.
يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى