الحلقة التاسعة والعشرون من السيرة الروائية “عيطة دموع الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي 

جسر التواصل21 أبريل 2023آخر تحديث :
الحلقة التاسعة والعشرون من السيرة الروائية “عيطة دموع الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي 

شيخ العيطة الحسين السطاتي

المحكمــــة:
“من لا يملك الشجاعة الكافية للإقدام على المخاطر لن ينجز أي شيء في حياته”
محمد علي كلاي


أتذكر أول يوم وطأت فيه قدمي باب المحكمة، كان ذلك خريف سنة ألف وتسعمائة وتسعة وثمانون، لما انتقلت للدراسة بمدينة برشيد وبالضبط بالسنة الأولى من التعليم الثانوي، حيث كنت أدرس بثانوية ابن رشد بشعبة العلوم التجريبية والقريبة من مقر المحكمة، وكنا نحن مجموعة من التلاميذ كلما كانت لدينا ساعة أو ساعتين فارغتين نتوجه إلى بناية المحكمة بقاعة الجلسات نحتمي من المطر في فصل الشتاء، ولتمضية الوقت والتمتع بجو المحاكمة، حيث كنت غالبا ما أذهب رفقة كل من أصدقائي التلاميذ: “حيدرة بوشعيب، ومطيع بوشعيب، ورؤوف عبد اللطيف، ومحلوب أحمد..”، وقد كنا ندخل إلى قاعة الجلسات نتتبع محاكمات مشوقة وكأننا نتفرج على حلقات مسلسل تلفزيوني.
كنا نستمتع بظهور القاضي ومستشاريه في عباءاتهم الغريبة عني آنذاك، فيسود صمت مفاجئ في القاعة ويصرخ رجل لم أكن أعرفه حينها أين يوجد بالضبط بصوت جهوري وهو ينادي:” محكمــة”، فيقف الناس جميعا، لقد استغربت وقتها وقوف الناس للقاضي، إذ أنه لما صرنا مراهقين كان بعضنا يرفض الوقوف للأساتذة احتراما بدعوى أننا كبرنا ولدينا حرية الوقوف من عدمه، رغم أن السادة الأساتذة كانوا يقومون بتعليمنا ويسهرون على تدريسنا، وها أنا أرى الناس يقفون لقاضي يوزع سنوات السجن على أشخاص متهمين قد تصل إلى أقصى عقوبة، فاستنتجت حينئذ أن الأمر ربما يتعلق بالخوف، واعتقدت أن المحاكم وجدت لأناس غيرنا، لذلك كنت أرى أن المتقاضين وأنهم كائنات غريبة وقد جاءت من كوكب آخر.

في قاعة المحكمة اكتشفت زمرة من المحامين في بذل سوداء رجال ونساء، وكم كانت تعجبني الطريقة التي كانوا يدافعون بها على موكليهم، وكنت أتتبع تفاصيل المحاكمات وأستمع إلى مشاكل غريبة وأستمتع بمواضع القضايا، كان القاضي يجلس على منصته شامخا وإلى جانبه مستشاريه، عليه لباسه التنكري الأسود، يرصد بطرف عينيه الحضور بتعال، يطرق بين الفينة والأخرى المنصة بمطرقة صغيرة خشبية للردع والإسكات، وليبرهن أنه موجود،كنت أتتبع القاضي وهو يعتصر المتهمين اعتصارا، وكنت أرى بعض المتهمين وأقاربهم يبكون وآخرون يغمى عليهم، كنت أنتظر بشوق كبير حكم القاضي، ثم أنسحب لتناول وجبة الغداء رفقة أصدقائي بمطعم القسم الداخلي، وكنت أتساءل في قرارة نفسي، يا له من عالم غريب؟ كنت ساذجا اعتقدت أن المحكمة وجدت لغيري، وكنت ألاحظ أن كثير من المتنازعين كانوا أغلبهم من شريحة واحدة؛ فقراء بؤساء بدويون، وقليل منهم تظهر عليه حالة اليسر والتمدن.
لفتت نظري تلك اللوحة المعلقة خلف ظهر هيئة الحكم والتي تحمل الآية الكريمة (وإذا حكمتم بين الناس فاحكموا بالعدل)، وقد ظلت هذه الآية راسخة في ذهني كلما كنت أبحث في قضية ما وأنا دركي ضابط للشرطة القضائية، ولم يخطر ببالي أنني سوف أكون يوما من ضمن مكونات هذا العالم الغريب، وخاصة أنني كنت موسيقيا “شيخ العيطة”، كنت أمقت ذلك القفص الخشبي الذي يقف فيه المتهمون منكسي الرؤوس وكأنهم يوقعون على صك اذانتهم قبل الأوان.

مرت سنوات، وجدت نفسي فردا ضمن مكونات المنظومة المحكمية، حيث صرت أدخلها أحيانا يوميا ليس كمتفرج لكن هذه المرة كفاعل ضمن هذه المنظومة، دركي ضابط للشرطة القضائية أبحث مع المتنازعين وأضع الأصفاد تارة في أيدي بعض المتهمين باسم شيء يسمى القانون، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل وجدت نفسي واقفا وسط ذلك القفص الخشبي متهما، لكني كنت عكس ما رأيته في المحكمة بمدينة “برشيد”، لقد كنت مرفوع الرأس كون المشتكين كانوا من طينة مجرمين ” قوادات، مومسات، تجار مخدرات، لصوص وغيرهم ..)، وكانت التهم الموجهة إلي أحيانا استعمال العنف والضرب والجرح والاعتداء عليهم، والشطط في استعمال السلطة..وكنت أجد مرارة في مواجهتي مع مجرم تاجر مخدرات وأنا من ألقيت عليه القبض، لقد أثبتت براءتي في جميع القضايا، بدعوى أنني لم يسبق لي أن ضربت أحدهم أو استعملت ضده العنف.
كان أبي “المحبوب محمد” رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته، عسكريا متقاعدا، إذ شارك إلى جانب الجيوش الفرنسية في حرب الهند الصينية، وكان قاسي المعاملة معنا إذا نحن أخطأنا أو تنازعنا، ومن ضمن طرق التعذيب التي كنت أتلقاها من أبي وأنا طفل حينما أرتكب خطأ فادحا، كان يشدني ليلا إلى شجرة أمام باب الدار، حيث يربطني إليها بالحبال والظلام دامس، ويحمل السوط الجلدي ” الشطرب” يستعمل عادة للهش به على الحصان، وينهال علي بالضرب وأنا أتألم وأبكي، ثم يتركني لتأتي الكلاب وتتشممني وأنا أصرخ أبكي وأتوسل إليه، إلى أن تأتي عمتي “عائشة” جارتنا، وتطلق سراحي في منتصف الليل، وأمي المسكينة لا حول لها ولا قوة حيث كانت تخاف من بطشه، كانت إذاك تجول في خاطري بإلحاح فكرة الهروب من المنزل إلى المجهول…إلى أي مكان في الدنيا ربما أجد فيه بعض الراحة والحب والحنان.

ومن بين الطرق التي كان يلجأ المعلم إلى تعذيبي بها في المدرسة، ما كان يسمى بالفلقة أو ما يسمى “بالطيارة”، حيث كان يعلق التلميذ من يديه ورجليه بين طاولتين ويمسك به تلميذين أو ثلاثة، وينهال عليه المعلم بالضرب بالعصا على الأرجل، إضافة إلى الضرب على الأصابع والرفس والركل.
وفيما يتعلق بالحارس العام للداخلية ( كريمي المصطفى) خلال دراستي بالمرحلة الإعدادية، فكان يضربني بسوط جلدي مصنوع من ديل ثور على الأيدي وعلى الظهر، وكان كل ما حط القضيب على جلدي بقيت أثاره بارزة لمدة أيام.
أما ما تعرضت له خلال مدة التدريب العسكري بالقاعدة العسكرية فحدث ولاحرج، و القانون العسكري يمنعني من البوح به، كون ذلك يندرج ضمن ما يسمونه بتداريب الجيش، ” هذا هو العسكر” ويأتي القاضي بالمحكمة ويسألني، لماذا تستعمل العنف مع المتهمين المجرمين ؟؟؟؟؟
كنت وأنا شاب مراهق أحضر لجلسة المحاكمة بالمحكمة الابتدائية بمدينة برشيد وكلي حماس ونشوة، كنت شابا يافعا ساذجا، إذ كنت أظن أن ما أراه وما أسمعه في الجلسة هو الواقع المعاش والحقيقة، وكنت أظن أن القضاة والمحامون يبحثون عن الحقيقة، والقضاة يحكمون بالعدل، لكن لما كبرت وصرت دركيا عرفت أن أغلب ما يروج في المحكمة هو عبارة عن مسرحيات فقط، كل يمثل فيها دوره التنكري، لتبقى الحقيقة غائبة، الفساد ينخر القضاء والوظيفة العمومية، عرفت أن أغلب القضاة فاسدين مرتشين، وكثير من المحامين والدركيين والشرطيين… فاسدين مثلهم مرتشين، موظفين من الجنسين رجالا ونساء باعوا الذمة وخانوا الأمانة وخانوا الوطن..موظفين عموميين ماتت ضمائرهم، مسؤولين خانوا العهد والمسؤولية، وقليل من الموظفين العموميين الشرفاء، المسؤولين الصالحين، يعيشون التضييق والتهميش، ويعانون التمييز والتفاضل داخل المحاكم، مكروهين ومهمشين من طرف الرؤساء ومن طرف المجتمع لا لشيء فقط لأنهم صالحين، عرفت بأن الأمور تسير بالمقلوب، وهذا من أسباب تخلفنا وكثرة الجرائم والفساد.
كل واحد منا يسكنه ذلك الشخص العدواني الذي يثور في غفلة من العقلانية، وكل واحد منا له سبله لتفجير لواعجه ومكبوتاته وعقده النفسية، ونفث أحزانه وهمومه وترسباته، فقد كبرت بقسوة كبيرة وبحنان أقل، كان علي أن أنمو بمشقة مثل نبتة صبار عذبها الجفاف مرمية في الخلاء بلا ماء ولا أسمدة.
 

Views: 20

الاخبار العاجلة