شيخ العيطة الحسين السطاتي
الدرك الملكــــي ( الفصل الثالث)
“يمدحون الذئب وهو خطر عليهم، ويحتقرون الكلب وهو حارس لهم، كثير من الناس يحتقر من يخدمه، ويحترم من يهينه”.
جبران خليل جبران

خلال صيف سنة ألف وتسعمائة وخمسة وتسعون، كان الجو حارا بالقاعدة العسكرية بابن جرير، وكنا قد قضينا ما يقارب مدة سنتين في التدريب العسكري والمهني، حصلت على نقط ممتازة، وكنت من ضمن الأوائل في امتحان التخرج النهائي، نجحت بميزة ممتاز وبسيرة حسنة، وخلال نهاية التدريب أدينا اليمين وحلفنا القسم بالمحكمة الابتدائية بمدينة ابن جرير، وعلقنا على أكتافنا رتبة “رقيب”، وتم فرز كل صنف من الدركيين المتخرجين إلى الوحدات الدركية التي تليق به، وذلك حسب اختيار من لجنات مشكلة من هذه الوحدات؛ منها: وحدة الدركيين الدراجيين، ووحدة الدركيين المظليين، ووحدة الدركيين الحراس بفيلق الشرف، ووحدة الدركيين البحريين، ووحدة الدركيين من فيلق الكلاب البوليسية..وبعد عملية الانتقاء تم اختياري لأكون أستاذا مكونا ومدربا عسكريا للتلاميذ المتدربين ضباط الصف، وقد استقبلني الضابط الملازم أول “ياسر يعلى بمكتبه هنأني وأثنى علي، حيث أكد لي أن تفوقي في الدراسة وحسن سيرتي وجديتي في العمل هما السبب الذي من أجله تم اختياري مدربا للتلاميذ ضباط الصف بالدرك الملكي، ففرحت بالتعيين وشرف تهنئتي من طرف رئيس العسكري، أولا لأنني سأبقى على تواصل مع الدراسة والكتب والصبورة والطباشير وأكمل تعليمي الدراسي، ثانيا سأبقى قريبا من مسقط رأسي مدينة “سطات”، قريبا من أسرتي وأصدقائي الموسيقيين..

قضيت مدة في التدريب البيداغوجي بمركز تكوين الأساتذة المدربين بالثكنة العسكرية للدرك الملكي بمراكش، تكونت على يد خيرة من الضباط وضباط الصف الدركيين، وبعد ذلك التحقت بعملي بمركز التدريب بالقاعدة العسكرية بابن جرير، اشتغلت مدرسا وقد درست مادة النظام العام المنظم، كما درست مادة الاستعراض العسكري.
وخلال شهر أكتوبر سنة ألف وتسعمائة وثمانية وتسعون، وبأمر من رؤسائي العسكريين ذهبت رفقة زميلاي الأستاذين المدربين؛ الرقيب أول عبد السلام بومهدي والرقيب بنموحى عبد اللطيف إلى مدينة الرباط، وبالضبط إلى مصلحة الشرطة القضائية والإدارية بثكنة “شوخمان”، إذ أجرينا هناك تدريبا خاصا في الشرطة القضائية في ميدان الشرطة التقنية العلمية، حيث قضينا مدة ثلاثة أشهر، درسنا وتدربنا على يد دركيين خبراء محنكين مغاربة، وقد حصلت على نمعدل 17.50 على عشرين، تسلمت على إثرها شهادة تقني التشخيص الجنائي الإجرامي.
عينت بعد ذلك مدرسا لمادة الشرطة التقنية والعلمية للدركيين ضباط الصف، ضباط الشرطة القضائية، حيث كان يأتي عدد من الدركيين برتب مختلفة من مختلف المراكز الترابية والقضائية إلى مركز التدريب بابن جرير لإجراء تكوين خاص بالشرطة التقنية العلمية، فكان وعد لي من طرف الرؤساء بأنني سوف أذهب للدراسة وإكمال تكويني المهني بألمانيا لمدة سنتين من أجل الحصول على شواهد ودبلومات برتبة خبير وأتخصص في التدريس وإجراء الخبرة الخطية بالمختبر المركزي بالرباط، أربكني الخبر في بادئ الأمر وذلك لتكاليف العيش لمدة سنتين بألمانيا، لكن دافعية وتشويقية الشواهد الألمانية التي شاهدتها عند أصدقائي ورؤسائي الخبراء المدربين بمختبر الشرطة التقنية العلمية بالرباط، والموقعة من طرف وزير الداخلية الألماني، وتدريس مادة حية “الشرطة التقنية العلمية”، كل هذا جعلني أحلم بغد أفضل وبتشوق لهذا التدريب والتكوين الاستثنائي.
عينت بعد ذلك مدرسا للشرطة التقنية والعلمية تخصص مادة علم الغرافولوجيا، حيث صرت أدرس رفقة الخبراء من القيادة العليا للدرك الملكي بالرباط أفواج الدركيين ضباط الشرطة القضائية، في انتظار التدريب الذي وعدت به بدولة ألمانيا.
لكن خلال خريف سنة ألف وتسعمائة وتسعة وتسعون، كانت المفاجأة وتغير كل شيء في مسار حياتي المهنية، إذ تم تعييني خلال فترة التنقيلات للعمل ضمن صفوف الضابطة القضائية بالمركز الترابي للدرك الملكي بأبي الجعد، انتقلت من تدريب وتدريس التلاميذ الدركيين وضباط الشرطة القضائية إلى ميدان الحرب والتطاحن مع العصابات ومع الجريمة بشتى أنواعها ” السرقة، الضرب والجرح، القتل، المخدرات، المشروبات الكحولية، الاغتصاب، الرشوة وغيرها”.. عالم إجرامي متعفن، رغم أن مدينة أبي الجعد كانت مدينة هادئة هانئة، مدينة حضارية عريقة وأغلب ناسها محافظين، طيبين.. لكن قلة عددنا كدركيين وكثرة الكتافة السكانية، ضاعف من متاعبنا العملية، وقد ضاع حلم إتمام الدراسة وتبخر حلم التدريب بألمانيا والحصول على الديبلومات والشواهد العليا. إذ تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، وهذا حال الوظيفة العمومية، إذ لا حق للدركي أن يختار المكان أو الشعبة التي يعمل بها.
قضيت بمدينة أبي الجعد مدة خمسة سنوات، والحمد لله وبشهادة المواطنين كنت دركيا نموذجيا في محاربة الجريمة وهذا بفضل الله. استفدت كثيرا من هذه التجربة، كونت علاقات وصداقات مع ناس طيبين، وبهذه المدينة الشريفة كانت ولادة بنتاي “بذرة وريحانة”، وتعرفت على فنانين موسيقيين، وأساتذة تعليم، فلاحين، ورجال قانون وسياسيين..
وخلال فترة الانتقال بشهر أكتوبر سنة ألفين وأربعة، تم تنقيلي للعمل ضمن أفراد الضابطة القضائية بالمركز القضائي للدرك الملكي بمدينة “زاكورة” (ضابط للشرطة القضائية والعسكرية)، حيث شرعت من جديد في محاربة الجريمة، وهنا بهذه المدينة “الغزالة زاكَورة” المتواجدة بالجنوب الشرقي المغربي، حاربت إجراما من نوع آخر: ” التهريب الدولي للمخدرات والسجائر عبر الحدود الجزائرية المغربية، زنى المحارم، السياحة الجنسية، والقتل، والسرقة والبحث في جرائم الجنود بالثكنان العسكرية وعلى الحدود بالصحراء وغير ذلك..”، وكانت دائرة نفوذنا كبيرة تضم كل من: مدينة “تزارين”، وامحاميد الغزلان، وتاكونيت، وأكدز، والنقوب، وتمكروت، وضواحي مدينة زاكَورة”، بهذه المدينة تعرفت على ناس طيبين، محافظين؛ أساتذة تعليم، تجار، سياسيين، أطباء، مستثمرين في السياحة، كسابين، رعاة..
كان لي الشرف خلال سنة ألفين وثمانية، أن أشغل منصب نائب رئيس المركز القضائي للدرك الملكي بالمدينة، وكانت المسؤولية كبيرة وتقيلة بالنسبة إلي، خصوصا أنني في داخلي يسكن الفنان الانسان مرهف الإحساس، الذي يكره الظلم ويتأثر بالأحداث من حوله ويريد تغيير الواقع ومحاربة الفساد.. كنت أتكلف أحيانا بمأمورية قيادة الوحدة في غياب رئيسنا وقائدنا المساعد “عبد الرحيم كرومي”، لم يكن الأمر سهلا بالنسبة إلي، رغم أن ذلك كان لفترة مؤقتة، لكن بفضل الله وبعونه توفقت في مهمتي رغم إخفاقي في كثير من الأمور التي كانت أكبر من جهدي، ليس لعدم كفاءتي، بل للفساد الإداري والأخلاقي؛ قلة العدد البشري للدركيين “عشرة دركيين”، وقلة الوسائل اللوجيستيكية؛ “سيارة جيب واحدة أغلب الأحيان معطلة، كمية البنزين المحصل عليها من الإدارة قليلة جدا لتغطية شساعة المنطقة الصحراوية، قلة وانعدام لوازم العمل، كل شيء كان من مال الدركي الخاص، بما في ذلك جهاز الحاسوب والآلة الكاتبة، والآلة المصورة، وأوراق الرقانة وأوراق النسخ وحتى تحميض صور القضايا كنت تدفع من جيب الدركيين، مما أدى إلى استفحال الرشوة بين الرؤساء وبعض الدركيين..”، هذه من بين العوامل التي كانت تعيقني في العمل وتكبل قدراتي وتحد من طموحاتي.

كنت أنهج بيداغوجية جيدة وديبلوماسية في التعامل مع أفراد المركز الذين كان يصل عددهم إلى عشرة دركيين؛ منهم ضباط للشرطة القضائية وأعوان الشرطة القضائية، وما كان يعذبني ويتقل على قلبي هو الفساد المستشري في الإدارات المغربية، فساد إداري وأخلاقي وقضائي..تغول الرشوة والمحسوبية والزبونية في صفوف أغلب الدركيين والقضاة..وبصفتي ضابطا للشرطة القضائية والعسكرية، وضابطا للشرطة التقنية العلمية وضابط للشرطة القضائية المكلف بالأحداث، وضابط مركزي للأبحاث الجنائية وتقني التشخيص الجنائي الإجرامي، كل هذه الدبلومات والشواهد كانت مجرد حبر على ورق، في حقيقة الأمر ما هي إلا شواهد ودبلومات مؤطرة للزينة والتفاخر، إذ كنت أحيانا أقف عاجزا أمام هذا الغول “غول الفساد”، كنت أعرف جرائم وقضايا تصلني من المخبرين ويجب أن يبحث فيها ويتحتم علينا توقيف المجرمين (جرائم سياسية، وجرائم سياحة جنسية، وجرائم أباطرة مخدرات..”، لكني كنت عاجزا لا أقدر أن أحرك ساكنا ضدها، أكتفي بإخبار الرؤساء بها فيرفضون تحريك المساطر وكنت أعرف جيدا أن بعضهم مشارك في الإجرام وعنصر نشيط ضمن العصابات الإجرامية، والله يشهد كم كنت أتعذب وأتألم بداخلي، أصبت مرة بمرض الاكتئاب وعرضت نفسي على الطبيب النفساني العسكري “الكولونيل ماجور” بالمستشفى العسكري بمراكش، وحكيت له معاناتي مع الجريمة والمجرمين، وسبب أزمتي النفسية بكل صدق وأمانة، لكنه هو الآخر عاجز أن يفعل شيئا، حيث وصف لي الدواء ولم يحرك ساكنا ولم يبلغ، عدت إلى وحدتي كتبت طلب بإعفائي من مهامي للشرطة القضائية فقوبل طلبي بالرفض وتعرضت للتهديد من بعض الرؤساء، وبقيت أتخبط نفسيا بين الفنان والضابط الضعيف، ليس ضعيف التكوين أو البنية الجسدية، بل ضعيف الايمانأمام ظروف الحياة وضغط الوالدين وظروفهما، وواجباتي الأسرية، كنت أشعر بأنني مقصر في واجبي المهني، أشعر بالضعف، حيث كنا نكتفي بمحاربة صغار المجرمين المغاربة، أما كبار المجرمين أصحاب الجرائم العابرة للقارات بما فيهم من سياسيين وأباطرة مخدرات ومهربين.. فذلك شيء آخر، إنها الحقيقة المرة المؤلمة.
اتبعت أسلوبا خاصا في التعامل مع الناس، أرحت نفسي “رخفت على راسي”، الفساد مستشري بين الجميع رؤساء ومرؤوسين ومواطنين..كنت أعمل ما في جهدي والله شاهد على ما أكتب، وفي الفترات التي كنت أتكلف فيها بالبحث في قضية ما، كنت أنكب عليها بصدق وأمانة وحيادية في البحث، أجتهد وأعمل كل ما في وسعي لإظهار الحقيقة، وتقديم المعنيين بالأمر أمام النيابة العامة.
حينما كانت توكل إلي مهام قيادة المركز بالنيابة ولو لفترة قصيرة، كنت أعتمد دائما احترام الناس واحترام مقدرات كل شخص من زملائي الدركيين، ومحاولة الاستفادة من إمكانياته المهنية إلى أقصى حد، وانتهاج خطة العمل الجماعي، وهذا العمل هو الذي يتم دون قهر أو توجيهات ملزمة سواء كانت صحيحة أو خاطئة، لأنه في هذه الحالة سيعمل المرؤوس العمل الذي يرغب فيه رئيسه لكن دون اقتناع، لكنك في أغلب الأحيان تكون قد جرحت كرامته، وحين يحس أن الشخص الذي يراقب عمله غير موجود فانه لن يعمل، وفوق ذلك فإن السعي لتوليد طاقة ذاتية لدى الناس قابلة للاستمرار أمر في غاية الأهمية، لكن حينما يكون الفساد، والرشوة مستشرية بين الموظفين تنقلب الموازين، إذ تصبح النقطة تمنح بالمال، والتعيين يشترى بالمال، ويصير الدركي الضابط الفاسد المرتشي هو المجتهد والذكي في عين الرؤساء الفاسدين سواء منهم الدركيين أو القضائيين القضاة بالمحكمة..
خلال أبحاثي القضائية، تعرضت لكثير من الضغوطات والمضايقات، والوشايات الكاذبة، ووجهت ضدي شكايات كيدية من طرف مجرمين ومنهم دركيين مجرمين؛ “تجار مخدرات، مهربين، قوادات، مومسات..”، تعرضت لمضايقات ولتهديدات كثيرة بالتصفية الجسدية وباختطاف زوجتي وأبنائي، كما تعرضت لتقريعات وتوبيخات ومضايقات من طرف بعض رؤسائي الفاسدين المفسدين، لكن الحمد لله وبفضله كنت أخرج منها سالما، وتم الحكم علي بالبراءة في القضايا التي كنت متهما فيها، رغم ما تتركه هذه القضايا والمحاكمات في نفسي من ألم نفسي وضرر مادي، حيث كانت تضيع أموالي القليلة في أطوار المحاكمة؛ “أتناء الاستماع إلي من طرف الدركيين الرؤساء في محاضر، والحضور لجلسات الحكم، والاستنطاق من طرف القضاة..ومواجهة الخصوم المشتكين المجرمين..”، للإشارة لقد تطرقت لموضوع الفساد الإداري والأخلاقي في الوظيفة العمومية المغربية بدقة في روايتي بعنوان “عيطة بيضاوية”، كتبتها في أربعة أجزاء طويلة، أفرغت فيها كثيرا مما عشته وعايشته في مستنقع الضابطة القضائية، وكل ما كان يخنقني ويجثم على صدري، وعرضتها على بعض المخرجين السينمائيين المغاربة، لتحول إلى مسلسل أو فيلم سينمائي، كانوا في بادئ الأمر يرحبون بالفكرة، لكن بعد اطلاعهم على ملخص الرواية، يعتذرون لي ويقولون أنهم يعجزون على تمثيل وتجسيد هذا الواقع الإجرامي المر.
أمضيت بمدينة “زاكورة” مدة أربع سنوات، وشكلت تلك الفترة محطة مهمة جدا في حياتي فقد تكيفت مع الوضع وتأقلمت مع حياة الصحراء، وتعاشرت مع عدد الكثير من أهل هذه المدينة الشريفة وانسجمت معهم، تعرفت على أشخاص زاكَوريين صحراويين طيبين، وعرفت عاداتهم وتقاليدهم، حتى أن بعضهم كانوا أحيانا يطلبون مني أن أرافقهم لخطبة فتاة إلى زوجها، بحثت في جرائم سياحية، تعرفت على أشخاص أجانب من جنسيات وديانات مختلفة، وحضرت عددا من حفلات الزفاف الصحراوي.. الزاكَوريون أناس أغلبهم طيبون منفتحون على الآخرين، ويحتفون بالمواهب، ولديهم قدرة خارقة على التفاعل مع الأجنبي. لقد تعلمت أشياء كثيرة في هذه البقعة الشريفة من الأرض، وأكتسبت تجربة غنية وأصدقاء كثر، تعرفت على مجموعات شعبية غنائية: “أوركسترا ميلود التسركَاتي الصحراوي، أوركسترا توفيق، مجموعة الركبة…”، كنت أقضي رفقتهم أوقاتا فنية موسيقية كلما سمحت لي الفرصة بذلك، والحمد لله لازلت إلى حد كتابة هذا الكتاب ألتقي بالناس من المدن التي عملت بها وكذا بالدركيين الذين عملت معهم، وغالبا ما يشيدون ويستحسنون طريقة عملي. وللأسف هناك من بين الدركيين الذين عملت معهم من انتحر ومنهم من يقبع في السجن، ومنهم من طلقته زوجته وتخلى عنه أبناءه، سبحان الله يمهل ولا يهمل.
وخلال خريف سنة ألفين وتسعة، وبصفتي ضابط للشرطة القضائية والعسكرية وضابط للشرطة التقنية العلمية، خلال الفترة الانتقالية، تم تعيني للعمل بمصلحة المستندات والاستخبار والاستعلامات بالقيادة العليا للدرك الملكي بالرباط، وهناك كانت تجربة استثنائية خاصة، وإجرام من نوع خاص، سأتطرق إليه في فصل قادم حينما يحين الحين.
وبتاريخ عشرون أبريل من سنة ألفين وستة عشر، أحلت بطلب مني على التقاعد النسبي من الدرك الملكي، وبعد رحلة مارطونية مع رؤسائي العسكريين عن سبب طلبي للتقاعد النسبي في سن مبكرة ، كان لي في الأخير ما أردت، وتوكلت على الله وحصلت على حريتي، وانتهت بذلك مسيرتي المهنية بهذه المهنة التي قضيت بها مدة اثنان وعشرون سنة، قضيتها بحلوها ومرها، بعذابها وفرحها، وعدت لأعمل ما أحب وما أريد وما يريح ضميري، وليس ما يحبون وما يريدون هم لي، عدت لأجرب مهن أخرى حرة والرزق على الله، عدت لممارسة هواياتي في الرياضة والموسيقى والغناء والقنص، والقراءة والكتابة، لهذا أنت تقرأ هذا الكتاب في هذه اللحظة، فشكرا لك على أنك خصصت جزءا من وقتك لقراءة ما أكتب.

عملت مدة اثنان وعشرون سنة دركيا، أستاذا مدرسا ومكونا، وضابط للشرطة القضائية والعسكرية، وضابطا للشرطة القضائية المكلف بالأحداث، وضابطا للشرطة التقنية العلمية، وضابط مركزي للأبحاث، وتقني التشخيص الجنائي، حصلت خلال مسيرتي المهنية على أربع شهادات تشجيع، لم تنفعني في الترقية ولا ماديا، قضيت خلالها مدة أثنى عشرة سنة بين رتبة رقيب ورقيب أول، وخرجت برتبة “أجودان”، ولم أحصل على تنويه أو تكريم، وبعد حصولي على التقاعد لم يتم استدعائي وتهنئتي على مساري المهني ولو بقنينة مشروب غازي، في المقابل عدت إلى هوايتي في فن العيطة وعملت فنان موسيقي “كومنجي” ومغني لفن العيطة ضمن مجموعة للشيخات، صرت كل مرة وخلال كل سهرة أو حفلة أو عرس.. أحضى بالتشجيع والتصفيق والإكراميات..حصلت على عدة جوائز فخرية وتشجيعات، وتم تكريمي عدة مرات في أكبر المسارح المغربية، وحصلت على أموال، وأحييت سهرات عمومية وخاصة، ولم يشتكيني أحد أمام القضاء، لهذا وحسب تجربتي الحياتية أقول لجمهوري الكريم: ما أروع الحياة الفنية في المجتمعات العربية الإسلامية.























