شيخ العيطة الحسين السطاتي
الدرك الملكــــي ( الفصل الأول)
“الأشخاص الأكثر شجاعة هم بالتأكيد هؤلاء الذين يتمتعون بالرؤية الأكثر وضوحا لما سيواجهون في المستقبل، سواء كان المجد أو الخطر ومع ذلك يواجهونه”.
الفيلسوف ثيو كيديدس
خلال نهاية شهر أبريل من سنة ثلاثة وتسعون تسعمائة وألف حسب ما أتذكر كان الجو ربيعي مشمس، عام خير وبركة “العام زين”، كنت في ذلك اليوم جالسا بالمقهى بمركز قرية “أولاد عبو”، بشارع الحسن الثاني، والتي كانت تحمل اسم “كافيتريا الثقافي”، نسبة إلى الاسم العائلي لمالكها، وكان يعمل بها النادل المسمى”حميد السطاتي” من مدينة سطات، وكالعادة كنت أتفرج على التلفزيون، والتي كانت بالنسبة لنا عبارة عن قاعة للسينما، كنا نلتقي فيها بأصدقاء الدراسة بين الفينة والأخرى، فيطلب كل منا مشروبه ونتفرج على ما تعرضه من أفلام في فنون الحرب والقصص الرومانسية الهندية، وبما أنني كنت مولعا وشغوفا بفنون الحرب والسينما صارت “مقهى الثقافي” بمركز أولاد عبو مقرا لي وهي المفضلة لدي، وهناك كنت ألتقي بأصدقائي في الدراسة وكذا بعض الفنانين الشعبيين من المنطقة.

كان العام الفلاحي في تلك السنة جيدا، ولازلت أتذكر أنه في ذلك اليوم حوالي الساعة الثالثة بعد الزوال قدم عندي النادل “حميد السطاتي”، وأخبرني أن إدارة الدرك الملكي قد أعلنت عن مبارة ولوج وظيفة ضباط الصف، وأضاف أن الإعلان قد أثير عبر الإذاعة الوطنية ونشر ببعض الجرائد، لم أعر الأمر اهتماما وذلك لأني كنت أكره هذه المهنة وخاصة أن الدرك الملكي وسيارة الجيب فأل شأم بالنسبة لنا نحن البدويون الريفيون الفقراء، حيث كلما لاحت لنا سيارة الجيب بالدوار إلا وعم في بعض المنازل الغم والهم والنواح والندبة والعويل والبكاء .. وأحيانا الحزن يخيم على الدوار أياما، إما لاعتقال شخص عزيز أو انتزاع أرض في ملك الجموع، أو أداء غرامات مالية أو غير ذلك.. ومن جهة أخرى كنت أظن أن هذه المهنة تقتصر فقط على أبناء الميسورين، حيث كنت أسمع أن فلان من الدوار الفلاني قد باع الثور أو فدانا من الأرض ، وآخر دفع مبلغ خمسة ملايين سنتيم رشوة وأدخل ابنه إلى مهنة الدرك الملكي.. لهذا لم أعر الأمر اهتماما وخاصة أن الألف الأخضر”50 درهم”، كان بالنسبة إلي رأسمالا ولا ألمسه إلا خلال عملي في الحقول أو إحياء الحفلات أو بيع الكتب المستعملة.. حيث كنا نظل منعكفين على الحصاد بالحقل من الساعة الخامسة صباحا إلى الثانية بعد الظهر مقابل مبلغ ثلاثون درهما ” وتسمى الظهرية” فكيف لي أن أجمع مبلغ خمسون ألف درهم (50.000 درهم)، وخاصة أنني كنت أسلم أبي من المبالغ المالية التي أحصل عليها من العمل في الفلاحة وفي الحفلات، وأحيانا من بيع الكتب المستعملة والمجلات بالأسواق الأسبوعية..
نسيت أمر المبارة الدركية، واستأنفت حياتي العادية، وأتذكر أنه في يوم الجمعة وأنا أبيع الكتب بمدخل السوق الأسبوعي قدم عندي صديقي في الدراسة المسمى “خيري العربي”، وأثناء حديثنا أخبرني أنه يجمع الوثائق من أجل التقدم لاجتياز مبارة ضباط الصف للدرك الملكي، حسب ما كان رائجا بين التلاميذ أن الوظائف العمومية بسلك الدولة تحتاج إلى وسائط ورشوة لكنه ألح علي بأن أجمع الملف وأرافقه، لنجرب حظنا ونعيش على الأقل تجربة اجتياز المبارة، طلبت منه أن يمهلني مهلة للتفكير، حيث سلمني صورة شمسية للإعلان المنشور بالجريدة المتضمن لكل الوثائق المطلوبة للترشيح، أخذت منه الإعلان اطلعت عليه ودونت بقلم الحبر على ورقة الوثائق المطلوبة.
عدت مساء من السوق، وفكرت مليا في الأمر وقررت أن أدخل غمار هذه التجربة ولو أنها ستكلفني مبلغ مائة وخمسون درهما على الأقل، وكانت بالنسبة إلي مبلغا مهما ورأسمال تجاري. وفي يوم الاثنين شرعت في جمع الوثائق ووضعتها في ظرف كتبت عليه العنوان التالي” المحبوب الحسين شارع الحسن الثاني الرقم 108 أولاد عبو دائرة برشيد إقليم سطات” هذا العنوان هو للبقال المسمى “المحلوب نورالدين”، بمركز قرية أولاد عبو، كتبت هذا العنوان لأن الرسائل لم تكن تصلنا من طرف الشيخ والمقدم إلى الدواوير الريفية، حيث كانوا غالبا ما يعمدون إلى تمزيقها أو يتركونها عندهما إلى حين فوات أوان المبارة، رغبة منهما أن لا يوظف أبناء الفقراء في سلك الدولة حسدا وضغينة. وأرسلت الظرف عبر البريد إلى الكولونيل قائد مدرسة التكوين للدرك الملكي بمراكش.
مرت أسابيع ونسيت موضوع هذه المبارة، وخلال شهر يونيو سنة 1993 كنت بمركز “أولاد عبو” إذ ناد علي البقال المسمى “المحلوب نورالدين”، وسلمني الظرف وكان موجها إلي من الكولونيل قائد مدرسة التكوين للدرك الملكي بمراكش، وذلك باختياري ضمن المترشحين لاجتياز المبارة التي ستكون بتاريخ 13/06/1993 على الساعة الثامنة صباحا، بإعدادية مولاي اسماعيل بمدينة سطات، فرحت بهذا الجواب، وبارك لي الأصدقاء وقد أشتريت لهم في تلك الأثناء قنينة مشروب غازي “كوكاكولا”.
فرحت بهذا الجواب، وقرأته عشرات المرات، ونسخته عدة مرات، ومازلت أحتفظ بنسخة منه، فأخبرت بعض الأصدقاء وأفراد أسرتي بتوصلي بالاستدعاء، وفي ذلك اليوم 12/06/1993، وكان يوم سبت، يوم ما قبل الامتحان، كنت رفقة مجموعة “أوركسترا الأفراح الشعبية” في حفلة بمنطقة ليساسفة بسيدي معروف أولاد حدو داخل ضيعة بضواحي مدينة الدار البيضاء، ولازلت أتذكر تلك الليلة حيث اختلطت فيها العيطة بالعري والمجون، وأتذكر أن فتيات قاصرات كن يرقصن ثملات شبه عاريات مع الشيخات وأغلبهن من ساكنات دور الصفيح بيدي معروف، فتيات في مقتبل العمل يحلمن بالمستقبل المشرق لينسين بؤسهن، أدركت أن جمال الحلم في اليقظة والمنام، إن الفقراء هم الحالمون الحقيقيون. يحلمون بالاتساع والغد المشرق، والعمل المثري، والمآدب الفاخرة والحفلات الصاخبة حتى يغمى عليهم رقصا وغناء.. كانت تلك الحفلة حفلة صاخبة ماجنة، موسيقى وغناء ورقص وأكل دسم، خمر، ومخدرات، وإكراميات بسخاء، للإشارة لم يسبق لي في حياتي أن دخنت سيجارة ولا تذوقت جرعة خمر، ليس من ناحية الوازع الديني ولكن لأن أبي كان رحمه الله يدخن السجائر والكيف ويشرب الخمر وهو مريض بداء الربو “الضيقة”، ولم أرغب أن أكون مثل أبي..
وانتهت السهرة حوالي الساعة الخامسة صباحا، فطلب مني أخي “عبد القادر” عازف العود الذي يكبرني بسبعة أعوام ورئيس المجموعة الغنائية، بأن أذهب لاجتياز المبارة بمدينة “سطات”، وقد ترددت ورفضت في بادئ الأمر بدعوى أنني متعب ولن أصل في الوقت المحدد فكيف سأجتاز الامتحان وطنين صوت مكبر الصوت بأذني ونسبة نجاحي ضئيلة أمام غول الرشوة والزبونية والمحسوبية.. لكن أخي ألح علي وهددني، وأكد علي بأنني لن أعمل ضمن مجموعته إن لم أذهب لاجتياز الامتحان، وسلمني في ذلك الصباح مبلغ ثلاثمائة درهم “300درهم” كأجر عن تلك الليلة البيضاء الحمراء.

ودعت أخي وزملائي الموسيقيين “العربي الحريزي، محمد الحوزي، عبد المجيد، عبد الرحيم، المصطفى، لحسن وعبد القادر”، وصديقاتي الشيخات “فتيحة، حورية، فاطمة، ليلى”، وتوجهت رفقة أحد المدعوين للحفل على مثن سيارته إلى محطة “كَراج علال” بوسط مدينة الدار البيضاء، ومنها ركبت الحافلة وتوجهت إلى مدينة “سطات” التي وصلتها حوالي الساعة التاسعة صباحا، ثم توجهت إلى إعدادية مولاي اسماعيل مقر إجراء الامتحان، وبالباب الرئيسي طلب مني دركي برتبة ضابط “نقيب” بطاقة تعريفي الوطنية والاستدعاء، وبلغة عسكرية صارمة آمرة نهرني وطلب مني أن أعود أدراجي من حيث أتيت بدعوى أنني تأخرت، توسلت إليه وطلبته وقلت له أنني استيقظت حوالي الرابعة صباحا وأسكن بدوار بعيد بالبادية بمنطقة أولاد عبو، وقلة وسائل النقل مما حدا بي أن أتأخر عن الوصول في الوقت المحدد، عندها رق لحالي وسمح لي بالدخول وطلب من أحد الدركيين مرافقتي إلى قاعة الامتحان، آه لو عرف الضابط أنني قضيت الليل عازف كمان لمجموعة الشيخات في حفلة صاخبة فما عساه كان سيفعل بي.

وفور دخولي القاعة ناد علي صديقي “خيري العربي”، وجلست إلى جانبه في نفس الطاولة، وانتظرنا إلى حدود الساعة العاشرة والنصف حيث وزعت علينا أوراق الامتحان، كان في حراسة القاعة دركيان ضباط صف، تسامحا معنا في الغش، وكانت مادة اللغة العربية بموضوع “المخدرات”، ومادة اللغة الفرنسية كان الموضوع حسب ما أتذكر حول حوادت السير وأثرها على المجتمع، فقمت بتحرير المواضيع ببرودة دم وفي راحة بال تامة وكأنني متأكد أنني لن أنجح، وكان همي الوحيد هو أن أضع ورقة الامتحان وأخرج. انتهى الامتحان حوالي الساعة الواحدة بعد الزوال، غادرت القاعة، وجدت صديقي “خيري العربي” ينتظرني أمام باب الإعدادية، قمنا بجولة خفيفة في الشارع الرئيسي للمدينة، وتوجهنا إلى محطة سيارات الأجرة “الطاكسيات” وعدت إلى الدوار.
Views: 18
























