الحلقة الثانية والعشرون من السيرة الروائية “عيطة دموع الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي 

جسر التواصل14 أبريل 2023آخر تحديث :
 الحلقة الثانية والعشرون من السيرة الروائية “عيطة دموع الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي 

شيخ العيطة الحسين السطاتي 

رحلة الأدب: (الفصل الأول):
“دائما يوجه الناس اللوم على الظروف على أحوالهم، وأنا لا أؤمن بالظروف. الأشخاص الذين ينجحون في هذا العالم هم الذين يتقدمون ويبحثون عن الظروف التي يريدونها، وإذا لم يستطيعوا العثور عليها صنعوها”
جورج بينارد شو


الجو جميل شاعري، ها أنا طفلا صغيرا بين إخوتي وأخواتي في الغرفة ليلا تحت الغطاء في الفراش الموحد، الفصل شتاء، والأمطار تهطل بغزارة محدثة سيمفونية رائعة فوق سقف الغرفة القصديري “القبة القديمة”، وعلى ضوء الشمعة التي أوشكت على الذوبان، أستمع إلى أمي “المرشود السعدية”، رحمها الله وأسكنها فسيح جناته، وهي تروي لنا بصوت حزين قصة “هينة”، تلك القصة التراجيدية، للفتاة الجميلة الحسناء التي يتعدى شعرها قدميها حيث اختطفها الغول ثم فرَّ بها إلى الجبال الموحشة رغبة في الزواج منها إلى أن تدخل ابن عمها البطل المغوار وأنقذها منه، طبعا هذا حسب رواية أمي المشوقة التي كانت أول من حبَّب إلي القصة والقصيدة، كانت رحمها الله امرأة أمية لا تعرف القراءة لكنها كانت سيدة بيت واعية صبورة وقنوعة، كان لها صوتا شجيا تغني لنا أغاني شعبية خفيفة الإيقاع من المرددات النسائية حينما يكون مزاجها رائقا، أو لما تكون رفقة صديقاتها من الدوار ينسجن داخل المنسج أو عندما تدير رحى الطحين التقليدية بيديها الناعمتين، كما أنها كانت تحكي لنا خلال الليل الحكايات المثيرة والقصص العجيبة؛ (هينة والغول، حديدان لحرامي، بوفسيو والسبع، النعجة والذئب، وقصص الأنبياء والصحابة، وغيرها من القصص والحكايات المثيرة…) حكايات أدخلتني إلى عالم الأدب المتخيل.

وثاني من أحبب إلي القراءة كانت أستاذتي بالمستوى الرابع ابتدائي “المتوسط الثاني”، معلمتي المحترمة الأستاذة “لغمادي رشيدة”، كانت شابة جميلة ومثقفة في العشرينات من العمر، قصيرة القامة، عصرية اللباس، ذات صوت رخيم طروب، كانت تلحن لنا الأناشيد وقصائد المحفوظات، وهي أول من أسس لنا مكتبة القسم بالمدرسة، كانت تطلب منا جلب الكتب بما فيها من قصص، وروايات، ومجلات…وكانت ترتبها داخل مكتبة بالقسم حيث كانت تشتري لنا القسط الأكثر من الكتب، وكانت كتبا تناسب سننا ومستوانا الدراسي، كسلسة الاغتناء لمحمد عطية الأبرشي الراشدي، وكتب “اقرأ” للكاتب أحمد بوكماخ، وقصص الأطفال للكاتب عبد السلام البقالي، وقصص الأطفال الكارتونية المصورة باللغتين العربية والفرنسية.. وكانت تدرسنا مادة اللغة العربية وتشجعنا على القراءة، كما كانت أحيانا تعمد على إهداء مجلة أو قصة للتلميذ الذي يتفوق في الدروس ويجتهد أكثر، كانت تفرض علينا قراءة القصص وتلخيصها وأحيانا تطلب من التلميذ أن يقوم إلى السبورة ويحكي لنا مضمون القصة.

رست في المدرسة العمومية بدوار “المداحة” بريف نائي، ولم نكن حينها نعرف أن هناك مدارس للتعليم الخاص، تعودنا على مكتبة القسم وعلى تبادل القصص والمجلات مع زملائنا، كتب في متناولنا وتناسب مستوانا الدراسي والمعرفي،ككتب: “ماجد، العندليب، العربي الصغير، والمزمار التي كانت تأتي من العراق وقصص بالصور الملونة”.
زاد شوقنا أكثر للقراءة بالمستوى الإعدادي، كنا نتنافس على من يستظهر الشعر أكثر ويحفظ أسماء الشعراء والأدباء، فكنا نتباهى بمعرفتنا لأسماء الكتُّاب والشعراء والفلاسفة، ونستظهر خلال حديثنا بأبيات شعرية أو حكم فلسفية، تعلمنا الحب من قصص سلسلة “عبير”، وكسبنا ثقافة متنوعة من مجلة الموعد، ومجلة العربي ومجلة الهلال ومجلة الرسالة..والمجلات الرياضية والفنية..وتعلمنا الإيمان والصبر من قصص الأنبياء، حيث كانت الكتب هي مراجعنا العلمية والأدبية.
أتذكر أن عدد من الأستاذات والأساتذة؛ منهم: (الفلسطيني موسى محمد، العمري محمد، لغشيم رشيدة، بلعمرية محمد، الثقافي محمد…)، كانوا يمنحوننا كتبا قيمة لقراءتها، وأتذكر أننا كنا نهذي لبعضنا كتبا وقصصا، كان الجو في المدارس والقسم الداخلي مغري بالقراءة والمعرفة، كنا خلال المراجعة الليلية نبقى في القسم حتى الساعة التاسعة والنصف ليلا، وكان معنا تلاميذ من السنة الثالثة والرابعة إعدادي، كانوا كبارا في السن بالغين، حيث يكون بيننا من يبلغ سن العشرين وما فوق..كانوا يشترون الكتب والمجلات والجرائد، وكنت أطلبهم ليسمحوا لي بقراءتها، ولم يكونوا يبخلون علينا بشيء، يساعدوننا في حل التمارين والواجبات الدراسية، ويشرحون لنا القصص..وكم كنت أنظر بإعجاب وإكبار إلى وصولهم إلى هذه المرحلة من العمر والعلم، وكان فعل القراءة وحمل الكتاب أو الجريدة يبعث على الاحترام والتفضيل وسلوكا يعطي لصاحبه هبة ووسامة فكرية ونبلا أخلاقيا.

كان الأساتذة داخل الفصل غالبا ما يفتحون أقواسا جانبية خلال الحصة الدراسية ليحدثوننا عن الشعراء والكتاب والفنانين..ويروون لنا حكايات تشجعنا على حب القصص والمطالعة، وقد علمونا أن القراءة هي فعل يومي مستمر وضروري، لا تختلف عن الأكل والشرب والنوم وباقي حاجيات المرء الأخرى، أتذكر قولة الكاتب وأستاذي لمادة اللغة العربية، الفلسطيني محمد موسى “ثقف نفسك وإلا ستكون شخصا بلا قيمة”، كان يكتبها لنا على السبورة ويتركها طيلة الحصة الدراسية، وكانت تقام أنشطة ثقافية ومسابقات يختار لها التلاميذ النجباء المتفوقين، إذ تكون المنافسة على أشدها بين الأقسام ومن مختلف المستويات.. على عكس اليوم تغير مفهوم الشاب أو الشابة الناجحة، فالصورة التي ألصقت بالقارئ جعلت الشباب ينفرون من القراءة ويهتمون أكثر بالفنانين واللاعبين والماركات العالمية وآخر الصيحات في الهواتف والحواسيب والبذلات وتسريحات وقصات الشعر.. طبعا أنا لست ضد التمدن والتطور والتحضر ومسايرة العصر، فأنا فنان شعبي ولي جمهوري أحترمه ومعجبين أحترمهم وأعمل من أجلهم، كما لي أشخاص معجب بهم أود السير على خطاهم المظهرية والثقافية والعلمية، إنني لا أغار من شخص يركب سيارة من ذهب، ولا من فنان يملك آلة فنية من ألماس، لكني أغبط شخصا مثقفا أكثر مني علما ومعرفة. وفي بلدان متقدمة نجد الشباب نسخة في المظهر لفنانهم المفضل لكن الكتاب لا يفارق أيديهم أينما حلوا وارتحلوا رغم حملهم لهواتفهم المحمولة، دائما مدمنين على فعل القراءة وطلب المعرفة.


إن الآباء اليوم أصبحوا في حيرة من أمرهم لا يفهمون أبنائهم وبناتهم، الأساتذة أصبحوا عاجزين عن مجاراة السرعة التي يسير بها إيقاع حياتهم، كنا نحترم أساتذتنا رغم استعمال البعض منهم العنف ضدنا، وصرنا اليوم نسمع ونشاهد تسجيلات فيديوهات اعتداءات تلاميذ متهورين على أساتذتهم داخل القسم، وبسبب الثورة التكنولوجية المعلوماتية والرقمية، وهيمنة مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل الفوري.. صار مراهقو اليوم يعيشون داخل دهاليز هواتفهم الذكية أكثر مما يعيشون داخل بيوتهم.
خلال أواخر التسعينات كنت أحيانا خلال مناقشتي ودردشتي مع فتاة تسألني عن مهنتي فأقول لها بأنني دركي ضابط شرطة قضائية، وتسألني عن مسقط رأسي، فأجيبها أنني من مدينة سطات. لترد علي :
“آه من جيهة ادريس البصري”، وتعني بذلك السيد وزير الداخلية والاعلام في الحكومة المغربية، وخلال سنة ألفين واثني عشر وأنا أتحدث مع فتاة فاجأتني تقريبا بنفس الأسئلة، فأجبتها أنني من مدينة سطات لترد علي بعفوية: “آه من جيهة الداودي”.
للإشارة فقصدها بالداودي ليس السيد لحسن الداودي السياسي الوزير السابق في الدولة، وزير التعليم العالي وتكوين الأطر، وإنما السيد “الداودي عبد الله” الفنان الشعبي المشهور، لقد انقلبت الموازين واختلطت المفاهيم.
خلال فترة الدراسة الابتدائية والإعدادية، كنت أفرح لأيام الأنشطة الثقافية المدرسية من مسرح وأغاني وأناشيد.. حيث كنت أشارك خلال مناسبات الأعياد الوطنية “عيد العرش، عيد المسيرة الخضراء، عيد الاستقلال”، في المسرحيات والسكيتشات، كما كنت أشارك كفنان موسيقي عازف كما مع مجموعة غنائية.
لقد حدث يوما عندما كنت أدرس بمستوى السنة الثالثة إعدادي وكانت تدرسنا الأستاذة القديرة فاطمة الزهراء مادة اللغة العربية وكنا نسميها القطة (لمشيشة)، لأنها كانت قصيرة القامة وتترك شعرها ينسدل خلف ظهرها، كانت متمكنة من عملها وتعشق الكتابة الأدبية وما يعيبها هو عصبيتها الزائدة وعنفها معنا، وكانت تكرر دائما جملة “من طبيعة الحال ” أكثر من عشرين مرة في الحصة، فكنا نسميها أحيانا “المشيشة” أو “من طبيعة الحال”، وكتبت قصيدة زجلية اهجيها فيها، وكانت القصيدة الزجلية على نمط قصائد أغاني الفنانين الشعبين “ثنائيات الوتار”، أمثال (فاكس والمير، العيدي والعمري، والبهلول والعوني.. )، وأذكر أن مطلعها كان البيت التالي:
أجيو تسمعو يا لخــوان ما جاري في هاذ الزمـــان
المشيشة تقري في الفيـران اللغة العربيــــــــة

وفي تلك الحصة المشؤومة كان كل من قرأ القصيدة يضحك، فعرفت الأستاذة أن شيئا ما يحصل، تتبعت الأمر خلسة إلى أن وجدت الورقة عند التلميذة شريف نعيمة، توجهت إليها مسرعة حملت القصيدة وقرأتها عرفت أنها هي المقصودة بالهجاء فصفعتها، غضبت التلميذة واحمر وجهها، وأخبرتها أنها ليست كاتبتها، احمر وجه الأستاذة وثار غضبها، أرغدت وسبت وشتمت، كنت أشارك في الدروس ومجتهد في اللغة العربية، لذلك توجهت نحوي قارنت الخط، استفسرتني غاضبة، فتلعثمت في الكلام وأجبتها:
– “سمحي لي يا أستادة لم أقصد الاساءة إليك”.
صفعتني وركلتني برجلها، وانهالت علي بالسب والشتم:
– “تعايرني لعروبي تاع بوك، يا ولد لحلايقي، أنا كنعلم فيك اللغة العربية وأنت كتهجي في”.
أكلت ما أكل الطبل من صفع وركل ورفس وكمش من الشعر، ثم دفعتني إلى الباب :
– “خرج علي حتى تجيب باك ايلا عند بوك شي بو”.
أحسست بخطر ما قمت به، اعتذرت لها وطلبت منها المسامحة، لكنها رفضت أن تسامحني، وخرجت من القسم مطأطأ الرأس مهموما خائفا من عاقبة ما فعلت، لكن هيهات كيف أحل المشكل، حيث من المستحيل أن يأتي معي أبي إلى الإعدادية، فبالأحرى أخبره أنني أسأت إلى الأستاذة، ثم المشكل الأكبر هو إذا وصل الخبر إلى السيد الحارس العام للداخلية، كانت العقوبة ستكون قاسية.
قضيت ثلاثة أيام لم أدخل إلى حصة اللغة العربية، وفي اليوم الرابع توجهت عندها مساء بعد نهاية الحصة، ودخلت عندها إلى القسم، طلبتها وتوسلت إليها بأن تسامحني، فقالت لي أنها ستسامحني لكن بشرط أن أكتب قصائد عن جميع الأساتذة الذين يدرسوني، فرحت أنها سامحتني وأن شرطها في متناولي، فكنت خلال كل فترة للمراجعة الليلية بالقسم الداخلي، أكتب قصيدة زجلية أهجو فيها أحد أساتذتي بمساعدة أصدقائي الداخليين، وسلمتهم لها.
فكانت تقرأ خلف مكتبها وتضحك، وخلال نهاية الحصة بعد خروج التلاميذ نادت علي وعانقتني واعتذرت لي عن تعنيفها لي وقالت لي ستكون مستقبلا كاتبا وشاعرا، وكانت تلك هي بدايتي مع القصائد الزجلية. فكانت انطلاقة محاولات كتابتي الشعرية الأولى محاولات زجلية بلغتنا المغربية العربية المسماة ” الدارجة العامية العروبية”.

كان يوم الجمعة هو أجمل يوم عندي، وهو يوم السوق الأسبوعي بالمنطقة، كان يوما استثنائيا بالنسبة إلي، يوم أكل ومتعة وفرجة، كنا نستيقظ باكرا في القسم الداخلي حوالي الساعة الخامسة صباحا، وكانت البناية على الطريق المعبدة، فكنا نسمع اصطكاك “طكطكات” حدوات حوافر البهائم “صفايح” من الخيل والبغال على الطريق وهي تحدث ما يشبه إيقاعا موسيقيا متناغما، وكنت أفتح النافذة وأطل منها فأرى المتسوقين على العربات المجرورة بالدواب والراكبين على الخيل والحمير والبغال، والقليل من السيارات والناقلات الفلاحية.. وكنت أفرح وأسعد لهذا اليوم، حيث كنت فور خروجي من القسم الداخلي بعد تناولي وجبة الغداء، أتوجه إلى خيمة أبي برحبة الفخارين، حيث كان أبي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته صانعا وبائعا للفخار، وبعد ذلك أتوجه إلى بائع أشرطة الكاسيت أستمع إلى الأغاني الشعبية، وأتوجه إلى مكان المسرح الحي “الحلايقية”، أتفرج على الفنانين:حكواتيين وموسيقيين ومهرجين.. ثم أتوجه إلى وسط السوق عند الكتبي “محمد الحطاب الحريزي”، كان صديقا لأبي رحمه الله، له مكتبة متنقلة داخل خيمة كبيرة، كان رجلا حاملا لكتاب الله، فاضلا يتمتع بدماثة الخلق والسماحة، قنوع وصبور ومحب للكتاب، عارفا لقيمته، يوجه ويترك حرية الاختيار لرواد مكتبته المتنقلة، لهذا لم يكن ينزعج من كثرة ترددي عليه وهو يعرف مسبقا أني خاوي الوفاض ولن يجني مني شيئا سوى صداع الرأس وكثرة الأسئلة، لكنه كان يتحملني جازاه الله خيرا، كنت أشتري منه قصصا أدفع له تمنها بالتقسيط، ويبدل لي المجلات والقصص والروايات بمبلغ درهمين، كنت ألتهم الكتب التهاما، وكانت هي التي تسليني، فكنت أقرأ كل شيء يقع بيدي؛ حتى الأوراق التي أجمعها من السوق، وحتى الأوراق التي تحملها الرياح في الشارع، وحتى أوراق الصر التي يلملم ويصر بها الباعة بضاعتهم من فاكهة جافة ونعناع، وقزبر ومعدنوس..وخلال العطلة الدراسية كنت أعود للرعي ومشاركة أسرتي في الأعمال الفلاحية وصناعة الفخار، وأروع ما أعود إليه هو ممارسة هوايتي في العزف على آلة الكمنجة خلف البقرات والغنم.
 

Views: 19

الاخبار العاجلة