شيخ العيطة الحسين السطاتي

الموسيقى: (الفصل الثالث):
لا تأخذ الحياة بجدية كبيرة، فإنك لن تتمكن من الخروج منها على قيد الحياة.
ألبيرت هوبارد
خلال شهر أبريل من سنة ألف وتسعمائة وسبعة وتسعون كنت أعمل مدربا عسكريا للتلاميذ المتدربين ضباط الصف للدرك الملكي بالقاعدة العسكرية بابن جرير، وكانت هناك زيارة مرتقبة لوفد اسباني رفيع المستوى يترأسه أحد الجنرالات، وبصفتي كنت مدربا لمادة “النظام العسكري المنظم”، كلفت من طرف الرؤساء بإعداد فيلق متخصص لتقديم التحية العسكرية والاستعراض العسكري “الديفيلي” لاستقبال الزوار العسكريين الأجانب، وبالفعل قمت بذلك بمشاركة رفاقي الدركيين المدربين وتحت أوامر الرؤساء الضباط العسكريين، حيث بدأت في تدريبهم بساحة كبرى على الاستعراض بواسطة ألعاب السلاح وتحت أنغام الموسيقى العسكرية، وقبل موعد الزيارة بأيام حضر رئيسنا الكولونيل المسؤول لليوم التجريبي واستعرضنا أمامه وأعجب بالعمل، وتم تشجيعنا من طرف الرؤساء في انتظار اليوم الرئيسي لقدوم الوفد، في ذلك المساء وأنا بالمرقد رفقة صديقي المدرب العسكري الرقيب “العلالي بوجمعة”، أستمع إلى موسيقى “عيطة السطات بلادي” من العيطة المرساوية، أحسست أن إيقاعها وسلمها الموسيقي يليقان للسير العسكري، هكذا خيل إلي في تلك اللحظات، فأخبرت بذلك صديقي المدرب الذي يعرف جنوني لهذا الفن فأخذ يضحك، كنت مدربا عسكريا قاسيا وصارما في معاملاتي العسكرية، فناديت على العسكري الرقيب الأسبوعي وأمرته بجمع المتدربين العسكريين، وأخرجت مكبر الصوت (البافل) ووضعته بالنافذة وجعلته مقابلا للساحة، وبعد الاجتماع أخبرتهم أن الاستعراض سيتم على نغمات “عيطة السطات بلادي” وعلى ضوء الشموع حيث يحمل كل عسكري شمعة مشتعلة، وكان الوقت حوالي الحادية عشر ليلا تقريبا فظنوا أنني مخمورا، لكني أعطيت الأمر ، وبالفعل أحضروا الشموع وشرعنا في التدريب ليلا على نغمات “عيطة السطات بلادي” وعلى ضوء الشموع.

وكم كان الاستعراض رائعا على نغمات هذه العيطة ورومانسية ضوء الشموع. (الديفيلي بالشمع وعلى عيطة “السطات بلادي”)، كانت سهرة ممتعة، تخللتها أغاني ونكث والنشيد الوطني.
وفي يوم الغد صباحا بساحة الألوان العسكرية، ونحن نستعد لتحية العلم، وصل خبر الأمسية الليلية إلى زملائي المدربين وهم يضحكون ويتفكهون بها، كما وصل الخبر لرئيسنا بالسرية الذي ناد علي بالمكتب، وكان هو الآخر من عشاق فن العيطة، دخلت إلى مكتبه وحييته التحية العسكرية، صافحني وكان يعزني كثيرا والابتسامة بادية على محياه فعرفت أنه على علم بما جرى، سألني عن أحوال السرية وأحوال التلاميذ المتدربين الدركيين وقد أخبرته أن كل شيء على ما يرام، وأننا مستعدين لمهمة الاستعراض العسكري.
فرد علي :
– “أش من موسيقى غاديين يديفيليو عليها ؟ واش العيطة؟”.
شرعت أضحك، وأخبرته أن ذلك مجرد طريقة بيداغوجية للترفيه والتنفيس على نفسية الدركيين المتدربين فحسب، فرد علي :
– “شوف يا المحبوب، ما عمرك تدير ليهم العيطة، دير شي موسيقى اخرى، راهم ايلا تبلاو بالعيطة ما بقيتي غادي تلقى حتى واحد بايت في القاعدة العسكرية”..

خلال نفس السنة وبمدينة بن جرير تعرفت على مجموعة غنائية للفن الشعبي “أوركسترا أولاد حادة”، متكونة من الأخوين “عزيز ورفيق، وسي محمد الرحماني، وعبد الهادي، والمصطفى، وعبد الرحيم..”، كنت أجتمع رفقة أفراد هذه المجموعة بمحلهم لبيع الكاسيت قرب السوق الأسبوعي بوسط المدينة، أحييت معهم عدة سهرات بالمنطقة ورغم عملي كمدرب عسكري كانت “العيطة” تسكن كياني.
استمرت حياتي حافلة بالحركة والنشاط العسكري والفني كأي شاب أعزب يعشق حياة الحرية وينعم بلذاتها ويتوق إلى تحسين مستواه المادي والثقافي والمعنوي، وبالإضافة إلى الموسيقى دأبت داخل الثكنة العسكرية على عاداتي التي لازمتني منذ الصغر، إدمان القراءة في مختلف الأجناس الأدبية بما فيها القصة والرواية والشعر وكتب علم النفس والتنمية الذاتية..حيت كنت أسكن بغرفة مخصصة للمدربين بمرقد التدريب العسكري طيلة أيام الأسبوع، وخلال عطلة الأسبوع يومي السبت والأحد إن لم أكن مداوما في العمل، كنت أعود إلى مدينتي حبيبتي “سطات” زرقاء الشاوية، حيث أشارك أصدقائي الفنانين في إحياء الحفلات والأعراس وأحيانا أحيي حفلة خاصة أو عرس مع الشيخات، وكأنني لست موظفا بالدرك الملكي، وكنت دائما أفكر أنني يوما ما سوف أعود لمزاولة عملي الموسيقي الفني بكل حرية ولو بعد حصولي على التقاعد..
ومن أجل المعرفة الموسيقية، والاطلاع على نماذج أخرى من الموسيقى والغناء، اقتنيت أشرطة لكبار الموسيقيين العالميين (موزارت، بيتهوفن، باخ، شوبان وغيرهم…) فقط من أجل حب الاستطلاع الموسيقي والمعرفة..كنت أستمع إلى هذه الموسيقى واستمتع بها، لكنها حقيقة لم تكن تحرك في أية شعرة أو حس موسيقي، كما استمعت إلى فطاحل الطرب العربي (أم كلتوم، وردة الجزائرية، محمد عبد الوهاب، عبد الحليم، فريد الأطرش، ناظم غزالي، صباح فخري، كاظم الساهر، اسمهان، نجاة الصغيرة …)، واستمعت كذلك إلى مطربي الفن الخليجي ( محمد عبده، نبيل شعيل، عبد المجيد عبد الله، الرويشد وماجد المهندس…)، ونجوم الأغنية العصرية المغربية ( أحمد البيضاوي، المعطي بنقاسم، الحسين السلاوي، عبد الوهاب الدكالي، نعمان لحلو، محمد الحياني، فيتح، بلخياط، نعيمة سميح، لطيفة رأفة و آخرين …)، تذوقت فن الراي مع ( الشاب ميمون الوجدي وأخوه الشاب كمال، الشاب مامي، الشاب أعراب، شاب محمد راي، الشاب حسني، الشاب خالد وكثيرون…)، استمعت إلى الفن الكَناوي ( المعلم باقبو المصطفى وأخويه أحمد وعزيز، المعلم سي محمد الصام، المعلم احميدة بوصو، المعلم عبد القادر امليل، المعلم ميلود، المعلم حميد القصري، المعلم المحجوب وزد على ذلك ..)، استمتعت كثيرا بمالموسيقى الشعبية لليهود المغاربة والتي لازلت تطربني (ماكسي مليانو، سليم الهلالي، كراتشي، بينحاس، بوطبول، سامي المغربي وزهرة الفاسية الخ…)، إضافة إلى فن الملحون والغرناطي والأندلسي، بالفعل كنت أستمع وأستمتع، أخذت من كل فن طرب وكلهم أغنوا رصيدي الفني والمعرفي، لكن بالنسبة لي لا متعة تضاهي متعة العيطة ليلا تحت الخيمة “الكَيطون”، في الريف النائي، حيث تجتمع الكمنجة و”الشاليني” وعيوط أخرى، والشيخة تغني نائحة والبطن يتلولب، ودخان السجائر والكيف يملأ المكان، ويحدث زوبعة وكأنه حريق مشتعل داخل الخيمة، وجمهور على طبيعته يعيش لحظة انتشاء وغواية طبيعية دون مساحيق أو تصنع، ربما هي بداوتي التي تجرني إلى هذا الفن.
خلال صيف سنة ألفين واثنين، حيث كنت أعمل دركيا ضمن عناصر الضابطة القضائية بالمركز الترابي لمدينة أبي الجعد، كنت معروفا بالمدينة وبالمنطقة كلها بشراستي وعنفي في محاربة الجريمة، وكسر شوكة بعض المجرمين إلى حد اهانتهم وإذلالهم في طريقة الاعتقال، حتى الأطفال الصغار كانوا ينادونني حينما أكون وسط المدينة بلقبي “الشينوي”، وبينما كنت في ذلك اليوم في زيارة للقطاع الثالث “دورية خارجية”، رفقة أصدقائي الدركيين وحوالي الساعة الخامسة مساءا بمنطقة “الجريات” التابعة لمركز “تاشرافت”، في مهمة متابعة الأبحاث في ملفات تتعلق بشكايات قضائية واستخلاص مبالغ غرامات الاكراهات البدنية.. وخلال الاستماع إلى أحد المشتكين لمحمت عن بعد بمدخل الدوار خيمة منصوبة والأطفال والشباب حولها، استفسرته عنها فصرح لي أنها مجموعة فنية للشيخات المتنقلين تسهر بالليل تنشط فنيا الدواوير والمداشر المجاورة.
هزني الحنين إلى تلك اللحظات الجميلة التي كنت أعيشها بدوارنا، فطلبت من زميلاي الدركيين التوجه صوب الخيمة، للإشارة فكل الدركيين الذين كانوا يعملون معي يعرفون أنني أعزف الكمنجة وأغني العيطة، وكل مرة كنت أصحب معي واحدا أو اثنين منهم إلى حفلة..وبينما نحن متوجهين على متن سيارة المصلحة (الجيب) صوب الخيمة بدا لي أن جل الأطفال والشباب فروا ولم يبق إلا ثلاثة أشخاص بالغين وبعض الأطفال والصبية الصغار والمجموعة المنشطة.
نزلت من السيارة “الجيب” وترجلت صوب الخيمة ببذلتي العسكرية الدركية، فوجدت الفنانات الأربعة “الشيخات” منزويات في ركن الخيمة مطأطآت رؤوسهن وكأنهن متلبسات بجريمة، أعرفهن أنهن هاربات من الجمر إلى النار، كما وجدت الرجال المغنيين وجوههم واجمة، حييتهم تحية الإسلام: ( السلام عليكم ).
فردوها علي ثم استفسرتهم عن رئيس المجموعة “الشيخ” :
– “تبارك الله عليكم يا الرباعة فينا هو الشيخ؟”
وقف وتقدم أمامي شاحب الوجه :
– أنا هو الشيخ، حاضر يا الشاف .
كان الفنان الشعبي “الشيخ” رجلا في سن الأربعين قمحي البشرة متوسط القامة، ضعيف البنية الجسدية، يبدو من وجهه أنه مدمن سجائر وخمر ويعاني العوز والحاجة.
صافحته فاطمأن لي شيئا ما، أخذته أمام مدخل الخيمة واستفسرته عن الأعمال التي تقوم بها مجموعته، فرد علي أنها مجموعة منشطة لفن العيطة والأغنية الشعبية بدون ممارسات لا أخلاقية.
أخرجت من جيبي ورقة بنكية من فئة مائة درهم وسلمتها له.
-“خوذ هاذي عشا للرباعة وتهلا فيهم، وايلا مسكم شي واحد ولا تعدى عليكم، طلع عندي لابريكَاد وسول على الشاف المحبوب”.
لاحظت أن عيناه قد اغرورقتا بالدموع، عاد إلى داخل الخيمة وهو يلوح بيده التي تحمل الورقة البنكية، وشرع يدعو لي ولزملائي الدركيين وأذكر من بين دعائه قال متلفظا :
– “سير يا الشاف الله يبعد منك أولاد لحرام” والله يخرج سربيسكم على خير .
أوقفته عن دعائه وقلت له مازحا:
– “سمع يا الشيخ الله يقرب مني ولاد لحرام والله يلاقيني بيهم، رانا كنظل ونبات نقلب عليهم ليل ونهار”.
فعم الضحك وغادرناهم واستأنفنا أبحاثنا.
كان فن العيطة دائما حاضرا معي في أية مدينة أو قرية عملت بها، كنت أشتري الآلات الموسيقية ومكبرات الصوت والآلات الالكترونية لتصفية الصوت.. حيث كنت على اتصال بمجموعات غنائية وشيخات، وكنت كلما استعصى علي بحث في جريمة قتل أو محاربة الفساد الأخلاقي في أوكار الدعارة أو غيرها أستعين بأصدقائي الأشياخ والشيخات في تقصي الأخبار، وغالبا ما كنت أنجح في مهمة البحث الجنائي..
ولعشقي لهذا الفن كنت أحيانا أدعى لحفلات زفاف كضيف شرف من طرف وجهاء وأعيان المدينة وبعض الأصدقاء وأحضر مع أصدقائي الدركيين، وكنت خلال حضوري أعزف الكمان وأغني مع الشيخات، وأحيانا ألقي القبض على المجرم والأشخاص المبحوث عنهم أثناء حضورهم لفرجة العرس، طبعا أهل العرس هم الذين يلقون القبض على الأشخاص المشاغبين وأنا فقط أتكفل بالتدخل وحمايتهم وسوقهم إلى المركز والبحث معهم..وقد أحييت أعراس بعض تلاميذي الدركيين الذين عملت بمسقط رأسهم حيث أحييت حفل زفاف بالأركسترا وأنا أنشط ضمن عناصر الضابطة القضائية بالمدينة، وطبعا كان يتم هذا دون علم رؤسائي الضباط السامون، وإلا كنت تعرضت لعقوبات إدارية قد تصل إلى السجن والتشطيب علي من المهنة، لكن جميع العقوبات تهون في سبيل فن العيطة، ومن بين الحفلات التي أحييتها رفقة أوركسترا الفنان “امحمد ولد الهراس” بمدينة أبي الجعد، ومن بين هذه الحفلات أذكر: (حفلة عرس الدركي الرقيب الرحموني، وعرس الدركي الرقيب السفياني عبد المجيد، وحفلة الدركي الرقيب دليل، حفلة الدركي الرقيب دحمان وحفلة الدركي الرقيب العبدلاوي، وحفلة الدركي الرقيب الحمزاوي..)، إضافة إلى حفلات بعض الأصدقاء المدنيين، كما شاركت في إحياء عدة حفلات وأنا دركي بكل من مدن: وادي زم، وقصبة تادلة، والفقيه بن صالح، وبني ملال، وسطات، والدار البيضاء، وقصيبة موحى أوسعيد، ودمنات وزاكورة..فرغم اشتغالي بالوظيفة العمومية كنت أزاول هوايتي الموسيقية وأعيش حياتي الفنية كما أريد.
Views: 14
























