حوارية افتراضية تمتح من مسار تجربة زجلية ممتدة لها خصوصيتها، حيث تستثمر الموروث الشعبي المغربي، والمعجم الدارج، وتعيد تشكيله شعريا بطريقة تجعل المعنى قابلا لقراءات متعددة .

نص الحوار :
كريم القيشوري س : مصطفى العبريدي : حين نقول «الزجال»، هل نتحدث عن شاعر يكتب بالدارجة، أم عن رؤية شعرية مختلفة للعالم؟
مصطفى العبريدي ج :الزجل في نظري ليس مجرد اختيار للدارجة بدل الفصحى. الدارجة هنا ذاكرة، ونبض، وتاريخ شفوي، وحياة يومية. الزجال الحقيقي لا يكتب اللغة التي يسمعها الناس فقط، وإنما يحاول أن يجعل من هذه اللغة العادية لغة قادرة على أن تقول ما هو غير عادي. لذلك فالزجل عندي رؤية قبل أن يكون شكلًا.
كريم القيشوري. س: لكن الدارجة مرتبطة باليومي والعابر. كيف تستطيع أن تحمل أسئلة الوجود والحياة والموت والحب؟
مصطفى العبريدي. ج:لأن الوجود نفسه موجود في التفاصيل الصغيرة. الإنسان لا يعيش الفلسفة في الكتب فقط؛ يعيشها وهو ينتظر، ويحب، ويخاصم، ويشيخ، ويفقد، ويحلم. كلمة شعبية بسيطة قد تختزن حكمة عمر كامل. مهمتي هي أن ألتقط تلك الكلمة قبل أن تضيع، وأمنحها فرصة أخرى للكلام.
كريم القيشوري .س: كثيرًا ما تحضر الحكمة في الزجل المغربي. هل تعتبر نفسك زجالًا حكيمًا ؟
مصطفى العبريدي. ج:الحكمة ليست أن أقدم أجوبة جاهزة. الحكمة الحقيقية أن أعرف كيف أطرح السؤال. أنا أبحث عن الإنسان خلف الكلام، وعن المعنى خلف الحكاية. وإذا وجد القارئ في النص شيئًا من الحكمة، فذلك لأن تجربته هو التقت بتجربتي.
كريم القيشوري . س: في نصوصك يبدو أن «الحال» يحتل مكانة خاصة. ما هو «الحال» بالنسبة إليك؟
مصطفى العبريدي. ج :الحال كلمة صغيرة، لكنها تحمل الإنسان كله. حاله مع نفسه، وحاله مع الآخر، وحاله مع الزمن، وحاله مع الله، وحاله مع الحياة. ولذلك يمكن للزجال أن يبدأ من «الحال» وينتهي إلى أسئلة كبيرة جدًا.
كريم القيشوري. س: وماذا عن سؤال: هل ترى أن الزجل قادر على أن ينافس القصيدة الفصيحة؟
مصطفى العبريدي. ج لا أحب كلمة «ينافس». الشعر ليس مباراة. الفصحى لها جمالها وتاريخها وطاقتها، والدارجة لها جمالها وذاكرتها وطاقتها. المهم هو ماذا يفعل الشاعر باللغة التي اختارها. النص الرديء لا تنقذه الفصحى، والنص الجميل لا تحتاج الدارجة فيه إلى شهادة من أحد.
كريم القيشوري .س : ما الذي تخشاه على الزجل المغربي اليوم؟
مصطفى العبريدي .ج :أخشى أن يتحول إلى مجرد فرجة. أن يصبح الإلقاء أهم من النص، والصوت أعلى من المعنى، والنكتة أقوى من الشعر. الزجل ابن الناس، لكنه ليس بالضرورة ابن السطحية. علينا أن نحافظ على بساطته من دون أن نقتل عمقه.
كريم القيشوري. س : وأين ترى مستقبل الزجل؟
مصطفى العبريدي . ج :في قدرته على أن يتجدد دون أن يفقد جذوره. الزجل المغربي يملك رصيدًا هائلًا: الملحون، العيطة، الأمثال، الحكاية الشعبية، الأهازيج، الكلام اليومي… لكن التراث لا يعني أن نكرر ما قيل. التراث الحقيقي هو أن نعرف كيف نواصل الكلام من حيث توقف الآخرون.
كريم القيشوري .س: أخيرًا، لو طلبت منك أن تختصر تجربتك الزجلية في جملة واحدة، ماذا تقول؟
مصطفى العبريدي. ج :أقول: أكتب بالدارجة لأنني أريد أن أسمع الإنسان المغربي وهو يتأمل نفسه، لا وهو يردد كلامًا قيل له من قبل.
























