
نــجيب طــلال

لنفهم باستمرار أن تاريخ المناضلين والمبدعين والسياسيين الشرفاء، تلك الزمرة من الصادقين مع ذواتهم والذوات الأخرى، وحبا لتربتهم بعـشق شبقي.لا يمكن أن يموت سجلهم أو يمحى ولو اجتمعت جل شركات الصباغة والطلاء، لإنتاج صباغة المحو، لن يستطيعـوا تحقيق ذلك. أو تحالف “عملاء” و”جلادو” بقاع العالم من الإنس والجـن وتضافروا بلوبيات الفـساد والدمار لن يفلحوا لتحقيق ذلك . لأن المعـدن الأصيل دائما وراءه جنود لايعْـلمها إلا الله عز شأنـه. وطبيعي أن تظهر في لحظة معـينة، وفي ظروف غير متوقعة [ بمعـنى] هانحن أمام لحظة احتفال “كروية” إفريقية ببلادنا،وبدون سابق إعلام ظهـر من مدرجاته وبفضاء طنجة : مناضل خبر سجون المستعمر وكافح من أجل الحرية والكرامة لبلاده ووطنه وأبناء جلدته بكل طاقته وقوته الشبابية وقتئذ، رافضا الهيمنة الاستعمارية . حيث استطاع بمقاومته تحويل ” ” زايير” التي تغيير اسمها” الكونغـو الديمقراطية ” سنة(1997) من مستعمرة “بلجيكية” إلى جمهورية مستقلة.
إنه “باتريس لومومبا” رمز التحـرر والسيادة المغتال (سنة1961) تلك القامة السياسية والتاريخية التي آمنت بالوحدة الإفريقية استحضره المشجع الكونغـولي “ميشيل كوكا” في الملعب، إنه استحضار غيَّــر تماما الرسائل التشجيعية المنبعثة من الملاعب المغـربية ومدرجاتها، التي تحتضن المقابلات الكروية – الآن- وبالتالي إنه استحضار مدهـش جذب انتباه وغـطى على أغلب المشجعين لفرقهم بما فيهم المشجع الكونغولي المنوجد في هيئة” الوحـش” والذي يقرع الطبل بدون توقـف. لأنهم ببساطة هُـم في الأصل أيقونات استعـراضية، من أجل الإبهار اللحظوي، وغالبا ما يكون سطحيا غير مؤثر، بخلاف وقفة ” كوكا “الثابتة ” هي أداء أيقوني بامتياز، مستحضرا بصمت وهدوء شخصية تاريخية خالدة في ذاكرة المناضلين ومكافحي الاستعمار. والتي تشبث بها الشعـب الكونغولي. باعتباره شخصية قومية إفريقيـة؛ مؤمنة بالوحدة الإفريقية وبالكفاح .
وبناء عليه؛ الأداء الأيقوني الذي قام به عبر وقفته تعبير ثقافي وتاريخي ، للمناضل ” باتريس لومبومبا” كأيقونة مجسدة في المدرجات بشخصية “ميشيل كوكا” الذي تحـول إلى رمز يحمل معنى جد عميق، فالكثير من متتبعي مباريات كأس الأمم الأفريقية، لم يفكوا لغـز وقفته جامدا / ثابتا مدة أطوار المقابلات، التي خاضها الفريق. فلولا الحدث / الحـركة غير المحسوبة والتي قام به ذاك اللاعب” الجزائري” في الملعب، ساهمت في نبش عمق الأيقونة، وحولت” كوكا” لرمز بارز مكتسحا المشهد الإعلامي الإفريقي والعربي والدولي، كـقوة كأننا أمام أيقونة سياسية و تاريخية حقيقية ؟
ولاسيما أن “ميشيل كوكا” الذي لقب حاليا “حفيد باتريس لومومبا”، ليس سياسيا أو له منصب سياسي، دفعه لخلق تلك الأيقونة،لأهداف مستقبلية، محض شخصية. بقدر ما هو مشجع لفريقه، بأسلوب مبتكر،وبرؤية بديلة في التشجيع. وبتمعـن دقيق لسحنته وملامحه، دونما لباسه كإحالة لرمزية العـلم” الكونغولي” يستنتج الملاحظ اللبيب ذلك.
طبعا الأداء الأيقوني هو جوهر النقاش ، هـل استحضار تلك الشخصية باعتبارها دلالة رمزية ، لرمز الأمة ” الكونغولية” هل لخلق الحس النضالي ” كرويا” في الملعب؟ أم تنبيه اللاعبين لهمتهم استعادة مجد تاريخ الكونغو عبر رمزية الرمز؟ أم تلك الأيقونة شحنة نفـسية خارج إطار التاريخ و حاضرة حِـسيا وعمليا في ذاكرة اللاعبين؟
فقراءة مشاهد صعود” لكوكا” كأيقونة صامتة ، أكيد أنها تثير الفضول وسط المتتبعين، وخاصة إبان انطلاق المباراة، ليصبح في وضعية الثبات التام كمومياء أو تمثال، ولكن قبل ذلك ، يتم صعـوده على ذاك الصندوق أو المنبر، بمساعـدة زملائه إحالة لفعل جماعي، قبل أن يصبح فعلا فـرديا . لم يقصد به لفـت انتباه فقط بل تعبيرا عَـن معْـنى.
لهذا فلا مندوحة أن نشير بأن ذاك الفعل من زاويتي إبداع غير مسبوق ومـائز و متفرد بكل المقاييس، فحبذا لو أغلبية المشجعين لكرة [ القدم] يبتكرون طرقا ورسائل متفردة في التشجيع بدل التخريب الذي تعـرفه بعْـض (الملاعب) التي يذهب ضحيتها[ الأسـر] التي تعيش المحن وتبعات تلك المنزلقات الطائشة لبعـض [[ المشجعين]]
عودا ،أكيد أن أداء” ميشيل كوكا” أداؤه أيقوني، يحمل عمق الرسالة في استحضار بصري لتمثال الزعيم التاريخي “باتريس لومومبا” المنوجد في أغلب ساحات كينشاسا، وفي نفس اللحظة رسالة ذكية بأن لعْـبة “كرة القدم” في إفريقيا هي أكثر من مجرد لعبة، بل هي في واقع الأمر امتداد جذري لذاكرة الشعـوب ونضالاتها( ؟) من هنا احتماليا بأن [ذاك] الأداء بمثابة رسالة تاريخية وثقافية للجميع وخاصة للفريق .
في خضم هاته الرؤية المساهمة من خارج المدرجات، ولكن فرضتها بشكل عـرضي ما اطلعت عليه من تدوينات وتجادبات بين متتبعي أطوار كأس الأمم الإفريقية: ألا يحق لنا أن نطرح السؤال من وراء تلك الأيقونة التي جسدها حفيظ المناضل والزعيم التاريخي” باتريس لومومبا”
Views: 20







