
رشيد الياقوتي
الرباط 7 يناير 2026
في مدرجات ملتهبة، حيث تتصادى هتافات الجماهير الكروية وتتساكن الألوان، وحيث تتحول مباريات كأس إفريقيا للأمم إلى لحظات شغف جماعي وتنافس قاري محتدم، اختار المواطن الكونغولي ميشيل كوكا مبولادينغا تعبيرا مغايرا. آثر الصمت والثبات، وآثر الرمز على الضجيج. ففي بطولة تُقاس فيها الحماسة بعدد الأهداف والانتصارات، انتصب ميشيل كضمير إفريقي واقف، يستحضر هيئة باتريس لومومبا، أحد أعمدة الكرامة الإفريقية ورمز الانعتاق من ربقة الاستعمار. ولم يكن استدعاء لومومبا، في هذا السياق، عودة إلى ذاكرة كونغولية معزولة، بل استحضارا لرمز إفريقي وجدت قضيته صدى مبكرا في الرباط، حيث آمن الملك محمد الخامس، رحمه الله، بأن تحرر المغرب لا يكتمل إلا بتحرر إفريقيا. ومن هذا المنطلق، ظل اسم لومومبا حاضرا في الوعي المغربي بوصفه أحد وجوه الكرامة القارية التي التقت مع روح المغرب المناهضة للاستعمار.

هذا الحضور داخل مدرجات تنافست فيها المنتخبات على المجد الكروي والقاري، لم يشأ ميشيل أن يتحول إلى زينة فولكلورية، بل تمثل فعلا واعيا مُشبَعا بالدلالة. فالثبات الذي لازمه، وسط فضاء اعتاد الانفعال السريع، يعكس وفاء للتاريخ واستحضارا لذاكرة نضالية مشتركة، حيث تتقاطع مسارات الشعوب الإفريقية في لحظات الشدة كما في لحظات الرخاء.
واستدعاء اسم باتريس لومومبا في قلب تظاهرة رياضية قارية، تتابعها ملايين العيون داخل إفريقيا وخارجها، يفتح أفقا رمزيا عميقا. فالرياضة، في بعدها الأصيل، غير معزولة عن التاريخ، وهي القادرة على حمل المعنى وتحويل المدرجات إلى ذاكرة جماعية. ولومومبا، الذي غُيّب جسدا وخَلد فكرة، يعود هنا بصمت كثيف الدلالة، وهو ينافس الهتاف ويخترق الضجيج.
لقد حمل هذا المشهد رسالة واضحة. إن كرة القدم يمكن أن تصير فعلا للتذكر بقدر ما هي فعل للتباري الشريف. ففي بطولة تُختصر أحيانا في نتائج وأرقام، أعاد هذا الحضور الرمزي الاعتبار لقيم الحرية والكرامة ووحدة المصير الإفريقي المشترك. وفي هذا المعنى، تجاوز حضور ميشيل كوكا مبولادينغا حدود تشجيع منتخب بلاده، ليعبّر عن فكرة أرحب. إفريقيا حين تلعب، فإنها تلعب بتاريخها وذاكرتها. وهكذا تلتقي الرياضة بالتاريخ، و يرشح الصمت بالبلاغة. يحدث ذلك في مشهد سيظل راسخا في ذاكرة كأس إفريقيا للأمم، بوصفه هدفا رمزيا سُجّل خارج شباك المنافسة، لكنه أصاب عمق المعنى.
Views: 70






