
عبد العزيز الخطابي

لم يُصدم المشاهدون فقط بتصرف لاعب كرة القدم الذي سخر من مشجع كونغولي، بل كان ذلك بمثابة نقطة انطلاق لكشف عورة عميقة تُعاني منها مجتمعاتنا، حيث يبرز الجهل في أبهى صوره. هذا الجهل لا يتوقف عند حدود التصرفات الفردية السطحية، بل يمثل نتيجة طبيعية لمنظومة ثقافية تُهمش التاريخ وتفرغ الوعي من معناه. إذا كان من الممكن اعتبار سخرية لاعب علامة على جهل فردي، فإن المشكلة الحقيقية تكمن في ظاهرة أكبر، حيث يسير التاريخ بجانب الهزل، وتُعتبر الذكريات إن لم تكن مادة للإهانة، فهي مجرّد نكات يتبادلها بعض الممارسون في فضاءات مهنية يُفترض بها أن تُعزز الوعي.

أما بالنسبة للصحفية الشهيرة التي انضمت إلى سيل السخرية، فتؤكد أن المسألة ليست مجرد زلة لسان، بل هي علامة على غياب الفهم والاحترام. في الوقت الذي يُفترض فيه أن يسهم الإعلامي في تشكيل الوعي الثقافي والاجتماعي، نجد أن الإساءة تأتي من شخص كان من المفترض أن يكون واعيًا ومدركًا لأبعاد التاريخ وقيمته. ينقل المشجع الكونغولي، في طياته، ذاكرة تاريخية تحمل أعباء نضالٍ طويل، بينما يُقابل ذلك بالتجاهل والهزل، وكأننا نتحدث عن شخصية من رواية خيالية.
السخرية هنا ليست مجرد قلة أدب، بل تدل على انعدام الوعي بالعقبات التي واجهها الأفارقة في سبيل حريتهم. فالمشجع الكونغولي هو أكثر من مجرد متفرج؛ إنه رمز لمقاومة الاستعمار، مثل رمز النضال باتريس لومومبا، الذي ناضل من أجل استقلال بلاده وكان له دور بارز في دعم قضايا التحرر في القارة الإفريقية، بما في ذلك قضية الجزائر خلال فترة حكم هواري بومدين. لومومبا لم يكن مجرد شخصية تاريخية عابرة، بل كان يمثل قمة النضال الإفريقي ضد الاستعمار. استهزاء بعض الأفراد بإرثه يمثل إهانة لكل ما حققه من تضحيات.
هل يُعقل أن يجهل أحد قمة إفريقيا ونضالها؟ إذا كان كذلك، فإن الوفد الرياضي الجزائري يُظهر جهلاً لا يُمكن تجاهله. لا يحق لأي لاعب أن يستهزئ بالجمهور أو بتاريخ شعوب صادقت على أوجاعها وتضحياتها، فهناك قواعد قانونية وسلوكية تستوجب الاحترام والتقدير. ضياع هذه البديهيات ينذر بخطر أكبر، وهو أن ينظر الجيل الجديد إلى التاريخ عبر نظارات مشوّهة.
لكن، ما الذي يحدث عندما يُعبر لاعب أو صحفي عن جهلهم بأسلوب ساخر؟ هل يُعتبر ذلك مجرد نتيجة لإخفاقات التعليم أم هي ثقافة تفتقر إلى الاحترام والتقدير لكل ما هو تاريخي؟ إن غياب الفهم يتحول سريعاً إلى قناعة تتجذر في عقول جماعية. يبدأ الناس في اعتبار التاريخ مادة قابلة للاستهزاء بدلاً من كونه تجربة وطنية يجب التعلم منها. هذه ليست مجرد مسألة سلوك فردي، بل هي تدني أخلاقي ينذر بالخطر.
مرّة تلو الأخرى، تظهر القضايا التي تعكس غياب الوعي والاحترام بين فئات متعددة من المجتمع، ويتراوح نطاق تأثيرها ما بين الملاعب وحتى الهواء الذي نتنفسه. تفضل المجتمعات السخرية على التعليم، وكأن الاستهزاء بشخص يحمل ذاكرة مؤلمة أفضل من الاعتراف بأهمية تلك الذاكرة. هذه الأوضاع تُفقد الأجيال القادمة القدرة على التعلم من قصص الماضي، وتتبدد القيم الإنسانية النبيلة تحت طائلة الضحك الهزيل.
المطلوب هو تغيير جذري. لا ينبغي أن تكون السخرية مجرد ردة فعل عابرة، بل يجب أن تدفع الناس للتفكير والبحث عن المعاني الحقيقية خلف الأحداث. يجب أن نعيد النظر في ما نعتبره مقبولًا وما يُعتبر مهينًا للذاكرة التاريخية. يتوجب على المجتمع أن يستعيد الوعي بقيمه، وأن يُشجع الأفراد على احترام التاريخ كخطوة لصياغة مستقبل أكثر إشراقاً وتفاؤلاً.
في النهاية، إن الجهل عندما يُترك بلا معالجة يتحول إلى قناعة، ويُعاد إنتاجه بصورة تُشعر الكثيرين بالفخر الزائف. فليكن الجميع واعيًا أن الاستهزاء بالتاريخ ليس مجرد جهل فردي، بل هو اعتداء على كل ما يمثل الإرادة التاريخية لشعوب تحملت الكثير في سبيل حقوقها وحريتها.
Views: 19







