الحلقة الثانية من السلسلة الحوارية من السيرة الذاتية “عيطة عريس الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي.

جسر التواصل3 مارس 2025آخر تحديث :
الحلقة الثانية من السلسلة الحوارية من السيرة الذاتية “عيطة عريس الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي.

الحلقة الثانية

  جسر التواصل: كيف كان الحسين السطاتي يوافق بين الدراسة والعمل الفني؟ ألم يكن يشكل لك العمل مع الشيخات حرجا أمام الأساتذة وزملائك التلاميذ ؟
الحسين السطاتي: بل العكس هو الصحيح، كان ذلك يشكل لي فخرا واعتزازا أمامهم، ويعطيني ثقة في النفس، بكوني فنان موسيقي ومغني وأنا في سن المراهقة، يعني تقريبا منذ أن كان عمري أربعة عشر سنة وأنا أمارس الفن الشعبي وفن العيطة، أصلا أنا بدوي وأنحدر أنذاك من أسرة فقيرة، حيث كنت خلال العطل المدرسية أمتهن مهنا موسمية بالأسواق الأسبوعية بالمنطقة، كبيع السجائر بالتقسيط، أو بيع الماء “سقاء”، وبيع التين الشوكي أو ما تسمى”الهندية”، أو أشتغل في الأعمال الفلاحية عند كبار الفلاحين كالحصاد والدرس وجمع التبن، وأعمل أحيانا كصانع متعلم بالخياطة أو في الحلاقة، المهم أن أحصل على المال، وخلال فترة الدراسة كنت أعيش بالقسم الداخلي، لذلك نشأت متعود على العمل بدون حرج ولا خجل، وهذا ساعدني كثيرا خلال مرحلة التدريب العسكري الدركي بالقاعدة العسكرية، وحتى أتناء عملي المهني كدركي ضابط للشرطة القضائية والعسكرية نشيط في حقل الضابطة القضائية ومحاربة الجريمة، أما خلال مرحة دراستي بالمستوى الثانوي، فكان بعض أساتذتي وزملائي يحضرون لبعض حفلاتي ومنها الأعراس والمواسيم الفلاحية، وخلال مشاركتي بالمجموعة الغنائية في الأنشطة الثقافية للمؤسسة التعليمية خلال مناسبات الأعياد الوطنية، كما أن العمل ضمن مجموعة موسيقية غنائية “رباعة الشيخات” كان يضمن لي مبلغا من المال، أقضي به حاجياتي وأساعد به والداي.

  جسر التواصل: دخلت سلك الدرك الملكي ومع ذلك لوحظ اهتمامك الكبير بهذا النمط الفني، فكيف كانت علاقتك مع الفنانين؟ وكيف عملت على التوفيق بين الأمرين ؟

الحسين السطاتي: قبل أن أكون دركيا ابتداء من شهر أبريل لسنة 1994، كنت من قبل فنانا شعبيا، موسيقيا عازف كمان “كومنجي” ومغني لمجموعة غنائية موسيقية “رباعة للشيخات”، يعني كنت قد ألفت أجواء الحفلات والأعراس، وذقت متعة الموسيقى العيطية ولقاء الجمهور وسماع عبارات الإطراء والمجاملة، والحصول على المال والمتعة واللذة وأنا أزاول هوايتي في الموسيقى والغناء، وكنت قد حضرت لبعض سهرات الفنانين الشعبيين وشاهدت ما يحصلون عليه من أموال في الليلة الواحدة بل في ساعات قليلة بفضل الإكراميات من الجمهور، دون تعب ولا توتر ولا تعليمات ولا أوامر، فعرفت أن “العيطة” كريمة وسخية، لهذا قررت منذ دخولي الوظيفة العمومية أنني لا محالة عائد إلى هذا الفن الجميل الأصيل الكريم، إضافة إلى هوسي وشغفي بفن العيطة، لذلك بقيت على تواصل مع الفنانين الشعبيين “أشياخ وشيخات”، في جميع القرى والمدن التي عملت بها كدركي ضابط للشرطة القضائية والعسكرية، وكنت أربط معهم صداقة متينة، وهي صداقة أشياخ العيطة بمعنى أنني كنت شيخا للعيطة ببذلة الدركي، كنت أساعدهم قدر المستطاع، حيث اشتريت مجموعة من الآلات الموسيقية الوترية والإيقاعية ولوازمها ومعداتها من مكبرات الصوت والآلات الالكترونية والرقمية، وكنت أقوم بكرائها لهم وقتما احتاجوا إليها، وكانوا يساعدونني “أشياخ وشيخات” في مهامي الدركية وخاصة في بعض أبحاثي القضائية الإجرامية، كانوا مثل إخوتي وأخواتي، تجمعنا أخوة الفن العيطي، وكنت أحيانا خلال أوقات إجازاتي المهنية أمارس هوايتي في العزف على الكمان والغناء مع مجموعة غنائية، لكن كشخص هاو وعاشق للموسيقى لا كفنان محترف، لأنني أعرف أن القانون الإداري للوظيفة العمومية يمنع ازدواجية العمل وذلك بالجمع بين العمل الفني الموسيقي والعمل الدركي، لأن الدركي بصفته باحثا في ميدان الجريمة ضابطا للشرطة القضائية والعسكرية وضابطا للشرطة الإدارية، لا يمكنه أن يعمل عملا ثانيا داخل دائرة نفوذه، وعليه أن يلتزم الحياد في أبحاثه، فإذا صار فنانا معروفا وصار له جمهورا فمن الصعب عليه أن يوفق بين المهنتين، لذلك كنت جد حريص في مزاولة هوايتي الموسيقية بالمناطق التي عملت بها، ومن حسن حضي أنه لم يكن حينها قد انتشرت الهواتف الذكية والكاميرات الرقمية، الحمد لله خرج السربيس على خير، والله يخرج العيطة على خير”.

  جسر التواصل: أولم يخلق لك اهتمامك بالفن الغنائي الشعبي مشاكل مهنية؟

الحسين السطاتي: ممارستي لفن العيطة كانت في نفس الوقت نقطة قوتي ونقطة ضعفي، وبصفتي كنت دركيا ضابطا للشرطة القضائية والعسكرية وضابطا للشرطة مكلف بالأحداث وضابطا للشرطة الإدارية وضابطا للشرطة التقنية العلمية وضابط مركزي مكلف بالأبحاث، وتقني التشخيص الجنائي الإجرامي والمسح بمسرح الجريمة، كل هذه الشواهد والدبلومات جعلتني عنصرا نشيطا في حقل الضابطة القضائية بالمراكز الترابية والقضائية للدرك الملكي بالقرى والمدن التي عملت بها عبر ربوع المملكة، إذ كنت عنصرا فعالا ونشيطا في عالم محاربة الجريمة، طبعا كنت دائما مزود بسلاحي الناري الوظيفي المتمثل في المسدس الأوتوماتيكي، لكن سلاحي الحقيقي كان هو الكمنجة وفن العيطة، لعدة اعتبارات، أولها أن العيطة كانت تمنحني ثقة كبيرة في النفس، كنت لا أخاف من فقدان وظيفتي بل أحيانا ونظرا لظروف العمل القاسية في عالم الإجرام صرت أتمنى أن أفقد هذه الوظيفة وأعود إلى حياة الفن، كنت أعرف جيدا أنني إذا تم توقفي في الصباح سأشتغل بالليل عازف كمان “كومنجي” ومغني لمجموعة غنائية “رباعة الشيخات” سواء في حانة أو في عرس، وإذا اقتضى الأمر أصعد بآلتي الموسيقية “الكمنجة” داخل حافلة وأعزف وأغني وأحصل على قوت يومي وقوت أبنائي ..وقد أجني من المال أحيانا في الليلة الواحدة ما أحصل عليه في الشهر وأنا دركي ضابط للشرطة القضائية والعسكرية، على هذا الأساس كنت أشتغل في أبحاثي القضائية بحالة نفسية مرتاحة وثقة عالية، أعمل بجد وضمير مهني وبأريحية، كما كنت أستعين ببعض أصدقائي الفنانين “أشياخ وشيخات”، وخاصة منهم “الشيخات” في أبحاثي القضائية، وغالبا ما كانت القضايا الصعبة العويصة تنجح، أريد أن أوصل للقارئ أن الشيخة عنصرا فعالا في المجتمع، امرأة صالحة، إضافة لكونها فنانة شعبية تصنع الفرجة فهي مواطنة تضحي بنفسها من أجل الوطن، هذا في الشق الايجابي للعيطة مع مهنتي السابقة كدركي، أما في الشق السلبي الذي يمثل نقطة ضعفي، فقد كنت أحيانا أغامر وأحضر مع مجموعة غنائية “رباعة الشيخات”، أو مجموعة فنية رجالية “أوركسترا”، وأشارك في إحياء العرس كفنان ضيف شرف، ولا أبالي بالقانون الإداري ولا بالعقوبات التي يمكن أن أتعرض لها من رؤسائي إذا افتضح أمري، وبما أنني كنت أكسب شهرة في القرية أو المدينة التي أعمل بها كدركي متميز وكشيخ للعيطة “كومنجي”،كان الناس يصورونني بالآلات المصورة ويسجلونني بطريقة الفيديو، لكن لم يكن هناك هواتف ذكية في تلك الفترة، ولا نشاط لمواقع التواصل الاجتماعي، أتكلم عن نهاية التسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الأولى، كما كنت أحتاط أن أتعرض للاعتداء من طرف أعدائي المجرمين الذين كنت في حرب معهم من تجار مخدرات وعصابات السرقة والقتلة.. الذين كنت أطاردهم رفقة زملائي الدركيين، وكان بعض رؤسائي المباشرين سواء في الدرك أو في القضاء، كانوا يعرفون تصرفاتي هذه، وكانت تصلهم المعلومات على أفعالي، وكانوا يوبخونني ويهددونني بالعقاب، لكنهم لم يسبق لهم أن دبجوا ضدي تقارير تأديبية، كانوا يريدون مصلحتي ويخافون علي أن أتعرض للاعتداء وأفقد وظيفتي، كان بعض زملائي الدركيين يلقبونني بالمجنون، وأعترف أنني كنت عنصرا مشاغبا، نشيطا وناشطا، والله خير حافظ يمكنك أن تقول أنني كنت شيخ للعيطة في بذلة الدركي.

  جسر التواصل: هل أنت نادم على السنين التي قضيتها في العمل كدركي ضابطا للشرطة القضائية والعسكرية؟ أم نادم أنك عدت إلى حقل العيطة المرساوية؟

الحسين السطاتي: لا أبدا على العكس، لا هذا ولا ذاك، بل أنا ممتن لتلك السنين “اثنان وعشرون سنة”،التي قضيتها في مهنة الدرك الملكي، تلك السنين التي صقلتني وشحذتني وقوت شخصيتي، حيث عملت أستاذا ومدربا لضباط الصف الدركيين بالقاعدة العسكرية بابن جرير، وعملت ضابطا للشرطة القضائية والعسكرية، وضابطا للشرطة القضائية مكلفا بالأحداث، وضابطا للشرطة التقنية والعلمية، وضابطا للشرطة الإدارية، وضابطا مركزيا للأبحاث، وتقني التشخيص الجنائي الإجرامي، وحصلت على الشهادة العليا للدرك الملكي.. بهذه الشواهد والدبلومات كنت عنصرا نشيطا في حقل الضابطة القضائية، ضابطا فاعلا في عالم الجريمة بمدن وقرى مختلفة عبر ربوع المملكة، فبفضل مهنتي دركي، زرت العديد من المناطق المغربية، خلال أبحاثي القضائية ومهامي الدركية، وتعرفت على الكثير من الناس مغاربة وأجانب، وتعرفت على شخصيات وازنة قضائية وسياسية وعسكرية وفنية..وأقمت في أفخم الفنادق وأكلت أشهى الأطباق في أرقى المطاعم، ولولا مهنتي السابقة دركي ما دخلت هذه الأماكن، وما تعرفت على هذه الشخصيات، إن مهنتي السابقة كونتني ماديا ومعنويا، وكونتني عسكريا وقانونيا وثقافيا، سنين كانت حافلة بالتجارب المثمرة بحلوها ومرها، قربتني من الناس، ومن قضايا المجتمع المثيرة، تعرفت خلالها على فنانين كما تعرفت على مجرمين، وعلى ناس من مختلف الطبقات الاجتماعية بالمغرب، تعرفت على الأخيار والأشرار، تعاملت مع ناس طيبين وناس مجرمين.. وأنعم الآن بتقاعد لا بأس به يقيني شر السؤال والحاجة، بنيت سكنا لوالداي وإخوتي بدوارنا، واشتريت سكنا يجمعني بزوجتي وأبنائي بالمدينة، ولي تأمين عن الحياة وتغطية صحية، كما أستفيد أنا وزوجتي وأبنائي من جميع الخدمات الاجتماعية للدرك الملكي، فلولا هذه المهنة ما كان شيخ العيطة الحسين السطاتي بهذه الثقة في النفس وبهذا المستوى الثقافي والفني. كما لم أندم على عودتي إلى فن العيطة، وبالنسبة إلي “العيطة” هي تلك الفتاة الحسناء الكريمة التي أحببتها منذ طفولتي صدتني وقمعتني في الأول لكن إصراري وإلحاحي جعلها تطاوعني، فأحببتها وأعطيتها من وقتي ومن ، في المقابل أعطتني هي الكثير؛ ساعدتني في دراستي وحتى في مهنتي السابقة، ساعدتني في أبحاثي القضائية، لهذا كنت ومازلت وسأظل وفيا وعاشقا لهذه الحسناء، فأنا الآن أشعر أنني لست شخصا متقاعدا، وقد بدأت حياة جديدة بحيوية ونشاط، ففي التغيير دائما هناك متعة وتجديد، فلما أكون في حفلة عرس أو مهرجان أو على خشبة المسرح مباشرة مع الجمهور.. أشعر وكأنني مازلت شابا في العشرينات من العمر.

  جسر التواصل: عدت إلى المجال الفني بشكل احترافي، هل جابهتك صعوبات معينة؟

الحسين السطاتي: الحياة كلها صعوبات في جميع الميادين، وما دمنا على قيد الحياة ستعترضنا عراقيل وحواجز، لابد أن نقاومها بالإيمان والصبر والعزيمة..والصعوبات التي تواجهنا ونتحداها هي التي تجعلنا أقوى وتكسبنا مناعة ضد الأزمات، لقد كانت ومازالت وستظل الصعوبات تعترض طريقي، لكن بفضل الله والصبر والاجتهاد والالتزام وحب المغامرة والتحدي والعزيمة، أتحدى الصعاب، سأستمر في الزحف بروح يملؤها التفاؤل حتى أتجاوز العقبات وأصل إلى هدفي، وأنا أسلك درب الحياة أعيش وأستمتع في طريقي وألعن الصعوبات المادية والمعنوية، بل أشكرها أحيانا لأنها تشحذني وتصقلني، ولا أندم على شيء جربته وفشلت فيه، لكني أندم على شيء لم أجربه، فحتى لو فشلت في الوصول إلى حلمي أكون قد استمتعت وعشت شرف المحاولة، لقد عدت إلى الميدان الفني بعد حصولي على التقاعد النسبي، يعني بعد قضائي مدة اثنان وعشرون سنة بالدرك الملكي سلك ضباط الصف، بمعنى كما سبق وذكرت صار لدي راتب شهري للتقاعد لا بأس به يقيني شر الحاجة والسؤال، ومسكن يجمعني بعائلتي، ولدي تغطية صحية عسكرية، وتأمين عن الحياة، وأستفيد أنا وزوجتي وأبنائي من جميع خدمات المصالح الاجتماعية للدرك الملكي، والخدمات الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية، وهذا من فضل ربي، له الحمد والشكر، وكانت عودتي إلى الميدان الفني عن دراسة وتخطيط، إذ طيلة خدمتي المهنية كنت على اتصال وتواصل مع الفنانين الشعبين، وكنت أقوم بشراء وجمع الآلات الموسيقية ولوازمها من آلات الكترونية ورقمية ومكبرات للصوت، كنت أحيانا أكون في دورية بسوق أسبوعي بصفتي ضابط الشرطة القضائية والعسكرية ورئيس الدورية ومعي دركيين في المهمة، مرتدين بذلتنا الدركية الرمادية القانونية، ودون اكتراث بزملائي ولا بجو السوق، كنت أشتري ما أصادفه من آلات موسيقية ولوازمها، كمنجة أو وتار أو عود أو بندير أو دربوكة أو طعريجة”..وأحيانا أعزف على الآلة الموسيقية أمام البائع من أجل تجريبها ومعرفة جودتها النغمية، أقوم بذلك من داخل السوق وسط الرحابي، فكان زملائي الدركيين يتحرجون ويخجلون من فعلي ومن تصرفاتي هاته، لكنني رئيسهم العسكري وواجب عليهم طاعتي وتنفيذ أوامري، فأنا ريفي وأعتز ببداوتي وفني، ومنهم من كان تلميذا عندي، درسته ودربته، فهم يعرفون جيدا شخصيتي، فحتى البائع أحيانا كان يصاب بالدهشة والذهول لما أخبره بأن الآلة الموسيقية أريدها لي وأنا أتفحصها مرتديا بذلتي الدركية الرمادية إضافة إلى هذا وأنا دركي اكتسبت ثقافة فنية موسيقية بقراءة أبحاث الباحثين المغاربة والأجانب حول فن العيطة والموسيقى بصفة عامة، وصارت لي مكتبة كبيرة بالمنزل مملوءة بما اقتنيته من كتب من الأسواق والمدن، واستفدت فنيا من أشياخ وشيخات العيطة بالمناطق التي عملت بها، وكنت أقوم باكتراء المعدات الموسيقية لأصدقائي الفنانين بثمن رمزي مناسب وأحضر معهم للحفلات وأشاركهم أحيانا وصلات غنائية، كما كنت أشارك معهم في تسجيل الأغاني داخل الأستوديوهات الكبرى بمدينة الدار البيضاء والرباط.. لذلك كانت مرحلة انتقالي من حقل الضابطة القضائية إلى العيطة المرساوية، مرحلة عادية بل أعتبرها ولادة جديدة بالنسبة إلي، ولا أنكر خير إدارة الدرك الملكي علي.

Views: 18

الاخبار العاجلة