الفنان عبد الرحمن بندحو

في المغرب تأسس المسرح على ظواهر مسرحية معروفة منها الحلقة و سيد الكتفي و سلطان الطلبة و غيرها من الظواهر المسرحية التي لم ترق للفعل المسرحي كما نعرفه اليوم، و لم يتعرف المغرب على المسرح إلا في أواخر الق 19 و بدايات العشرين عبر زياراة عديدة لفرق من المشرق العربي كفرقة نجيب الريحاني و القباني كما استفاد المغرب من عروض كانت تقدمها فرق فرنسية لمقيميها العسكريين و المدنيين بالمغرب، حينها ظهر التأثر و الشغف و الطموح لمغاربة نحو تأسيس ممارسة مسرحية تعثرت في بداياتها بعروض كانت لها طابع المقاومة و الدعوة نحو محاربة المستعمر بصبغة قومية عربية لتتحول بعد ذلك و خصوصا بعودة عدة اسماء استفادة من دراسات أكاديمية بأوروبا ليتم تأسيس قواعد لمسرح حديث بإنشاء فرقة المعمورة.
كل هذه المقدمة الكرونولوجية لتاريخ المسرح المغربي حاولنا من خلالها وضع أرضية لنقاش مفهوم #الصناعة_المسرحية و الذي يعتمد أساسا على الإبداع، و قد يتفق معي البعض و يختلف آخر أن الصناعة المسرحية في أوائل ثمانينات القرن الماضي إلى حدود نهاية تسعينياته خصوصا بظهور الدراسة الأكاديمية بتأسيس المعهد العالي للفن المسرحي و التنشيط الثقافي و تخرج الأفواج الأولى منه و تلاقحها بتجربة رواد المسرح المغربي آنذاك أعطى فعلا صناعة مسرحية رغم بساطتها لكنها كانت تعكس فعلا التحول الجذري الذي عرفته الحركة المسرحية خصوصا بظهور فرق مسرحية عتيدة استطاعت أن تغني الربطوار المسرحي المغربي بأعمال جادت قرائح الإبداع فيها و استطاع أن يكتب مبدعون أسماءهم بماء من ذهب على بوابة المسرح المغربي بعيدا عن سياسة الدعم و شراء النقاد _ إن وجدوا _ و أكوام المجاملات و تبادل المصالح البينية.
السر في كتابة هذه السطور هو مناقشة هذا المفهوم الذي أصبح يتيما في وطننا، أصبح يتدبدب بين قفشات مسرحية من هنا و هناك تتأرجح بين محاولات إبداعية خجولة و بين ظاهرة سوداوية بدأت تنخر واقعنا و مجتمعنا المسرحي.
و قد بدأت هذه الظاهرة “copier coller” تتسلل لممارستنا المسرحية بعد مشاركات متعددة لفرق مسرحية في مهرجانات دولية و خصوصا مهرجان أفينيون حيث أصبحت فرق او مخرجوا فرق يحملون قوالب جاهزة من عروض أوروبية ليتبنوها بدعوى أنها إبدعاتهم.
شيء مخجل و مخزي، قد نستسيغ الأمر حين كان الامر بعيدا عن الثورة التكنولوجية و الوسائطية و الرقمية التي نعيشها اليوم لبعد المهتمين و المتابعين عن أوروبا، لكن اليوم فالعالم قرية صغيرة و لا أظنه غباء من بعض المخرجين فهم يظنون أن لا أحد يتابع الحركة المسرحية العالمية و بالتالي تجد نفسك أما عروض مسرحية نسخة طبق الاصل لعروض لفرق أوروبية.
فكيف أيها السادة يا آلهة المسرح بالمغرب يمكننا الحديث عن صناعة مسرحية في غياب الإبداع الشرط الأساسي لكل فعل فني؟ كيف يمكننا الحديث عن صناعة مسرحية و أنت تجد أن السينوغرافيا عبارة عن قوالب جاهزة تنتظر نصوصا لوضعها عليها دون مراعاة ثيمة النص أو خصوصياته؟ كيف يمكن الحديث عن صناعة مسرحية و الإخراج يسبق النص؟
و بالتالي حين نود الحديث عن الصناعة المسرحية يجب أولا أن نخلص المسرح المغربي من سرطان النقل و الضحك على الذقون و عقلية المحاباة و المجاملة و شراء أقلام النقاد و الصحافيين.
هذا لا يمنع وجود ذمم نزيهة تتعب و تشقى من أجل توفير صناعة مسرحية حقيقية أو ممارسة واقعية لفعل مسرحي واقعي يعطي لمسرحنا هويته المغربية التي فقدناها في زمن الكليشيات الجاهزة و القوالب السينوغرافية و الاخراجية الجاهزة الهادفة لتحقيق الابهار فقط بعيدا عن كل قيمة فنية إبداعية حقيقية.
فالتحديث و التجريب في المغرب يجب أن يقوم على اساس مراعاة المستوى الفكري و الذوقي للمواطن المغربي الممثل لجمهورنا، فما فائدة عرض مسرحي ندعي أنه إبداع يعرض لنخبة معينة من أجل المجاملة فقط و لا يفهمه عامة الجمهور؟
أليس الصناعة المسرحية في وطننا مفهوم يتيم؟
Views: 13
























