حكاية أوروبية

جسر التواصل18 أغسطس 2020آخر تحديث :
حكاية أوروبية

عمر عاقيل

عادة تكون الأندية الصاعدة إلى بطولة الدوري الحائط القصير، فما بالكم بفريق حديث النشأة، هذا هو حديث لايبزيغ الألماني الذي شغل دنيا كرة القدم، بعد أن أمسى رقما صعبا في ألمانيا وحقق رقما قياسيا لفريق صاعد علاوة على مزاحمته البايرن ودورتموند وبقية أندية الدوري، بل وصل حد تحقيقة المفاجأة ووصوله لمربع أرقى الكؤوس وأمجدها أوروبيا، لايبزيغ ورغم كل النتائج اﻹيجابية إلا انه لا يحفل بكل ذلك الإهتمام في ألمانيا، وخاصة من قبل الإعلام الألماني، إذا أن ريد بول لايبزيغ على ما يبدو فريق غير محبوب من قبل طائفة من عشاق كرة القدم في ألمانيا، ويطلقون عليه تندرا “فريق العلبة”، يقصدون بذلك علبة مشروب ريد بول.
في الملاعب الألمانية بالقدر الكبير الذي تكن فيه الجماهير الألمانية العداء للايبزيغ، بالقدر الكبير الذي يلعب لايبزيغ كرة قدم جميلة، ويخوض تجربة مشابهة لليستر سيتي الإنجليزي، وهو ما يزيد من كره جماهير الأندية الألمانية له، فالتأهل التاريخي لدور نصف أبطال أوروبا أمام أتلتيكو مدريد، يعد إنذارا كبيرا وإعلان نية تامة من الفريق الجديد للفوز بالبطولة الألمانية مستقبلا.
لا يمكن الحسم بأن لايبزيغ سيكون ليستر سيتي آخر في ألمانيا، ولا يمكن الحسم بما يمكن أن يحققه من مفاجأة في أبطال أوروبا، لكن لايبزيغ طرح إمكانية إعادة الإنجاز في ألمانيا بفترة قصيرة، كل هذا والكره والغضب من الجماهير الألمانية يزداد ضد الفريق الجديد وسياسته وأسلوبه في الرعاية، فالجماهير وإدارات الأندية الأخرى تعتبر أن النادي الجديد يمس بجوهر كرة القدم الألمانية وطبيعتها المبنية على تحقيق الأرباح المعقولة في سبيل تطوير كرة القدم، وليس تحويل كرة القدم إلى لعبة إعلانات وأموال وعمل تجاري بحت.
سابقا لم تكن لكرة القدم قيمة مادية طائلة مثل الذي تعيشه اليوم في ظل المتغيرات الحديثة من حقوق النقل التلفزيوني، والإستثمار باستقطاب أبرز نجوم بمبالغ مالية كبيرة، وغيرها من الأمور التي فرضها الإحتراف أمرا لا طوعا، لم يكن فيما قبل مستغربا أن يتسلل لقب بطولة ما لفريق مغمور، ساهمت عوامل متفرقة في إحداث صناعة مجده لن يتكرر فيما بعد إلا بالصبر والبناء المستمر في اﻹستثمار والرعاية وجلب النجوم، في يومنا المعاصر بات ذلك حدثا تاريخيا فارقا في مشاهدة أحد الأندية الصغيرة إن صح التعبير يحلق عاليا في سماء كبريات الدوريات العالمية مزاحما عمالقة الأندية التي أشتهرت بأنها لا تعرف طريقا غير الطريق الذي اعتادت عليه في حصد الألقاب، على سبيل المثال، أين هيلاس فيرونا الإيطالي وإنجازاته الثلاثة في تحقيق الدوري اﻹيطالي في عشرينيات وثمانينيات القرن الماضي، أين كالياري وبولونيا والبقية التي قد نستغرب كيف أنهم تسللوا غفلة إلى المراكز المتقدمة، أين ديبورتيفو لاكورونيا وكسره احتكار قطبي العالم وإسبانيا بدايات القرن الجديد، أين بلاكبيرن روفرز ونيوكاسل في مهد الكرة العالمية، لم تعد الكرة كسابق عهدها، المعطيات تغيرت وبون الفوارق صار واضحا وشاسعا للغاية وضيق في آن واحد من حيث رؤية أبطال جدد لم يعتد محبي الكرة عليهم يصنعون الحدث، الكرة لم تعد تديرها مسائل الفوز والخسارة وحدها، أصبحت أبعد عن ذلك كله، الفوز أصبح لزاما والمراكز الأولى أصبحت إجبارية لاعتبارات اقتصادية تقودها المادة وجلب أبرز نجوم المستديرة.
بالنظر إلى الأعوام السابقة فلا حدث هناك شد الإنتباه أكثر من تتويج ليستر بلقب الدوري الانجليزي، وصول الثعالب لذلك الإنجاز الكبير والمفاجيء كان نتاج عمل دؤوب وجهد واضح، وحظ ليستر بوصولها إلى لقب الدوري كسبت الشيء الكثير من الود والإحترام، اليوم ومع ما يقدمه لايبزيغ في أبطال أوروبا يبشرنا بشارة استعادة ذكريات الزمن الجميل في متعة كرة القدم، وأن كرة القدم ومع تغييرها إلا أنها تملك من المفاجأة ما يكفي لإحداث حكايات لم يكن أشد المتشائمين يتوقع حدوثها، الفريق وبأسماء لا تملك الشهرة التي تملكها أندية المقدمة على الصعيد الاوروبي وبقيادة مدرب شاب مع ذلك يحقق نتائج كبيرة ويكسب احترام وتعاطف الجميع.

لم يعد هناك شك في أن لايبزيغ أصبح من أكبر المنافسين على البوندسليغا، فلايبزيغ مختلف للغاية مع الألماني الشاب ناغلسمان، الفريق جماعي ومباشر ومنضبط، جماعي من ناحية التوليفة المتجانسة التي أسسها المدرب خلال سنوات عمله، ومباشر في فاعليته وجودته، فحتى مع مباريات بدا للجميع أنه سيسقط نراه ينتصر ويتجاوز الأختبارات بنجاح تام، أما من حيث اﻹنضباط فكل المجموعة تؤدي أدوارها على أكمل وجه، المهاجمون تراهم أول المدافعين والدفاع جدار إسمنتي يصعب اختراقه، وإن تم تجاوزه فالعرين بحراسه آمنة، ليس مدحا أو ثناءا للايبزيغ ولكن لمساهمة هذا النادي حديث النشأة فيما تحقق يبدو ذلك جوهريا وبقوة.
توهجه أوروبيا هو مرحلة زادت من جمالية البطولة قبل كل شيء، ومرحلة ستدفع المنافسة إلى تقديم كرة فنية عالية المستوى، فهل لايبزيغ جاهز لسحب البساط من تحت أقدام الباريسيين والوصول إلى محطة ختام أمجد وأعرق البطولات الأوروبية ؟

الاخبار العاجلة