الأستاذ حسن برطال والقصة القصيرة جدًّا . حوار مع المعنى في حضرة الاختزال.

جسر التواصلمنذ 39 دقيقةآخر تحديث :
الأستاذ حسن برطال والقصة القصيرة جدًّا . حوار مع المعنى في حضرة الاختزال.

كريم القيشوري  جسر التواصل

تقديم :

ليس من السهل أن تحاور قاصّاً اختار أن يقول الكثير بالقليل، وأن يجعل من الصمت جزءاً من الحكاية، ومن المفارقة نافذةً نطل منها على تناقضات الإنسان والمجتمع.
وليس من السهل أن نختزل العالم في بضعة أسطر، أو أن نحمّل الكلمات القليلة أسئلة الإنسان وقلقه وتناقضاته. ومع ذلك، استطاعت القصة القصيرة جدًّا أن تصنع لنفسها مكانة داخل المشهد الأدبي، مستندةً إلى التكثيف والإيحاء والمفارقة، ومراهنةً على ذكاء القارئ وقدرته على استكمال ما يتركه النص من فراغات.

مع القاص المغربي حسن برطال، أحد الأسماء المرتبطة بتجربة القصة القصيرة جداً في المغرب.
في هذه المحاورة الافتراضية معه نحاول الاقتراب من أسئلة هذا الجنس الأدبي، واستكشاف العلاقة بين قصر النص واتساع دلالته، وبين صمت اللغة وضجيج الواقع، وبين ما يكتبه المبدع وما يستنبطه القارئ. وهي محاورة افتراضية تتخذ من تجربته الأدبية موضوعًا للتأمل والحوار.

كريم القيشوري : أستاذ حسن برطال، كيف يمكن لكاتب أن يختزل حكاية كاملة في بضعة أسطر، دون أن يفقدها عمقها الإنساني؟

حسن برطال : ليست المسألة أن نكتب أقل، بل أن نقول أكثر بأقلّ. القصة القصيرة جدًّا لا تحتمل الحشو، لكنها تتّسع للإيحاء. قد تكفي كلمة واحدة لتفتح بابًا على حياة كاملة، وقد تصنع نهاية مفاجئة ما لم تستطع صفحات طويلة أن تصنعه.

كريم القيشوري : هل القصة القصيرة جدًّا شكل أدبي يفرضه إيقاع العصر، أم اختيار جمالي واعٍ ؟

حسن برطال: قد يكون إيقاع العصر أحد أسباب انتشارها، لكن الاختزال ليس وليد السرعة وحدها. إنه موقف من اللغة ومن العالم. الكاتب الذي يختار هذا الجنس الأدبي مطالب بأن يعرف ما الذي ينبغي قوله، وما الذي يجب تركه للقارئ كي يكتشفه بنفسه.

كريم القيشوري: يقال إن القصة القصيرة جدًّا تعتمد على المفارقة والنهاية الصادمة. هل يكفي ذلك لصناعة قصة ناجحة؟

حسن برطال: المفارقة وسيلة وليست غاية. والنهاية الصادمة قد تثير الدهشة، لكنها لا تضمن بقاء القصة في الذاكرة. الأهم أن تكون المفارقة نابعة من صميم التجربة الإنسانية، وأن تأتي النهاية لتعيد ترتيب المعنى في ذهن القارئ، لا لمجرّد مفاجأته.

كريم القيشوري : أين تقف اللغة في هذا الجنس الأدبي؟ هل ينبغي أن تكون بسيطة أم كثيفة بالإشارات والرموز؟
حسن برطال : اللغة البسيطة ليست بالضرورة لغة سهلة، واللغة المليئة بالرموز ليست بالضرورة عميقة. المطلوب أن تكون كل كلمة في مكانها، وأن تؤدي أكثر من وظيفة إذا أمكن. في القصة القصيرة جدًّا، لا مكان للكلمة التي لا تضيف شيئًا إلى الصورة أو الإيقاع أو الدلالة.

كريم القيشوري : وماذا عن القارئ؟ هل تكتب له القصة أم تتركه شريكًا في بنائها ؟

حسن برطال: القارئ شريك أساسي. الكاتب يقدّم النص، لكن القارئ يساهم في إتمامه بخبرته وخياله وأسئلته. لهذا قد يقرأ شخصان القصة نفسها، ويخرجان بمعنيين مختلفين. جمال هذا الجنس الأدبي أنه لا يقول كل شيء، بل يمنح القارئ فرصة ليقول ما لم يُكتب.

كريم القيشوري : هل يمكن للقصة القصيرة جدًّا أن تحمل قضايا المجتمع وهموم الإنسان، رغم مساحتها المحدودة ؟

حسن برطال: بالتأكيد. قد تختزل لقطة صغيرة قضية اجتماعية واسعة، وقد يكشف موقف عابر عن خلل عميق في العلاقات الإنسانية. المهم ألّا تتحول القصة إلى خطاب مباشر أو موعظة. الأدب يطرح الأسئلة، ويجعلنا نرى ما اعتدنا ألّا نراه.

كريم القيشوري : ما النصيحة التي يمكن تقديمها للكاتب المبتدئ في هذا المجال؟

حسن برطال: أن يقرأ كثيرًا، وأن يراقب التفاصيل الصغيرة، وأن يتعلّم الحذف قبل أن يتعلّم الإضافة. وليس كل نص قصير قصة قصيرة جدًّا؛ فالقصة تحتاج إلى حدث أو تحوّل أو توتر دلالي، وإلى بناء يجعل كلماتها القليلة ضرورية. كما ينبغي ألّا يستعجل النشر، بل أن يمنح نصوصه الوقت الكافي للمراجعة.

كريم القيشوري : أخيرًا، هل تستطيع القصة القصيرة جدًّا أن تغيّر نظرتنا إلى العالم؟

حسن برطال: ربما لا تغيّر العالم كله، لكنها قد تغيّر الطريقة التي ننظر بها إليه. أحيانًا تكفي قصة من بضعة أسطر كي تجعلنا نتوقف أمام مشهد عادي، فنكتشف فيه سؤالًا لم يخطر لنا من قبل.

كريم القيشوري : شكرًا لكم على هذه المحاورة الافتراضية التي تفتح نافذة على جماليات التكثيف، وتؤكد أن قِصر النص لا يعني ضآلة المعنى.
خاتمة : تظلّ القصة القصيرة جدًّا مغامرة في اقتصاد اللغة واتساع الدلالة؛ فهي نصّ صغير في حجمه، كبير في احتمالاته، يترك للقارئ صدى قد يستمر طويلًا بعد انتهاء القراءة .

الاخبار العاجلة