محاور الحوار :
– ما الذي يدفع الشاعرة إلى الكتابة في جنس أدبي آخر، هو القصة القصيرة جداً ؟
– هل يتعلق الأمر بتحول في الرؤية الإبداعية، أم برغبة في التجريب وتوسيع آفاق الكتابة؟
– كيف توفّق المبدعة بين لغة الشعر الرمزية / الانزياحية ، ولغة القصة القصيرة جداً القائمة على السرد والتكثيف والإيحاء والمفارقة؟

كريم القيشوري : لنبدأ من سؤال يبدو بسيطاً، لكنه ينطوي على إشكالية إبداعية ونقدية: ما الذي يدفع الشاعرة إلى كتابة القصة القصيرة جداً، مع ما يبدو بين الشعر والسرد من اختلاف، بل وربما من تناقض؟
فاطمة الشيري : أعتقد أن الكتابة الإبداعية لا تخضع دائماً لحدود الأجناس الأدبية، ولا تنطلق بالضرورة من قرار واعٍ باختيار هذا الجنس أو ذاك. إنها، في كثير من الأحيان، استجابة لحاجة داخلية تفرض على المبدع شكلاً معيناً من أشكال التعبير. هناك لحظات لا يتسع فيها الشعر لما أريد قوله، أو لا أجد في القصيدة الشكل الأنسب لاحتضان تجربة بعينها، فأجدني أمام نص سردي قصير جداً، قادر على التقاط لحظة خاطفة، أو بناء مشهد دال، أو تقديم مفارقة تختزل تجربة إنسانية كاملة.
ومع ذلك، لا أرى أن الشعر والقصة القصيرة جداً جنسان متناقضان بالضرورة؛ فهما مختلفان في آلياتهما الفنية، لكنهما قد يلتقيان في الحساسية الجمالية، وفي القدرة على الإيحاء، وفي اقتصاد اللغة. ولعل هذا التقاطع هو ما يجعل الانتقال بينهما ممكناً ومثمراً.
كريم القيشوري : هل نفهم من كلامك أن خلفية هذا الانتقال نفسية بالدرجة الأولى، أم أن هناك دوافع فنية وجمالية تتجاوز الحاجة إلى التعبير عن الذات ؟
فاطمة الشيري : لا يمكن الفصل بصورة حاسمة بين النفسي والفني في تجربة الكتابة. فالكتابة تنبع من توتر داخلي، من أسئلة مؤجلة، ومن رغبة في فهم الذات والعالم، لكنها لا تتحول إلى إبداع إلا عندما تجد شكلها الفني المناسب.
بالنسبة إليّ، تمثل الكتابة في الجنسين إمكانيتين مختلفتين لمقاربة التجربة الإنسانية. يمنحني الشعر مساحة أوسع للتأمل، وللاشتغال على الصورة والاستعارة والإيقاع والانزياح اللغوي، بينما تتيح لي القصة القصيرة جداً بناء موقف سردي بالغ التكثيف، تتحرك فيه الشخصيات والأحداث والدلالات ضمن مساحة محدودة.
إنها ليست مجرد رغبة في التنويع، ولا محاولة للكتابة في جنس أدبي يحظى بالاهتمام، بل هي بحث عن الشكل الأكثر قدرة على استيعاب الفكرة وتحويلها إلى تجربة جمالية.
كريم القيشوري : لكن أليست هناك مخاطرة في هذا الانتقال؟ أعني أن الشاعرة قد تحمل معها إلى القصة القصيرة جداً أدواتها الشعرية، فتكتب نصاً جميلاً من الناحية اللغوية، لكنه يفتقر إلى مقومات القص؟
فاطمة الشيري : هذا احتمال وارد، بل إنه من أبرز التحديات التي تواجه الشاعر عندما يكتب السرد. فليس كل نص مكثف قصة قصيرة جداً، كما أن كل نص يعتمد الاستعارة والصورة ليس بالضرورة قصيدة.
القصة القصيرة جداً تحتاج إلى وعي خاص بالبناء السردي، حتى عندما تتكون من جمل قليلة. إنها تحتاج إلى حدث، أو تحول في الموقف، أو علاقة بين بداية ونهاية، أو مفارقة تعيد تشكيل فهم القارئ للنص. وقد تتجلى هذه العناصر بصورة ضمنية، لكن غيابها الكامل قد يحوّل النص إلى خاطرة أو مقطع شعري.
لذلك، أحرص على ألا تكون اللغة الشعرية بديلاً عن السرد، بل وسيلة لإغنائه. فالشعرية في القصة القصيرة جداً لا تعني أن نتخلى عن الحكاية، وإنما أن نجعل الحكاية قادرة على إنتاج أكثر من معنى، وأن نترك للمتلقي مساحة لاستكمال ما لم يُقَل.
كريم القيشوري : هل يعني ذلك أنك تتعاملين مع الشعر والقصة القصيرة جداً بوصفهما مشروعين إبداعيين مستقلين، أم أنك تنطلقين من رؤية واحدة تتخذ أشكالاً متعددة ؟
فاطمة الشيري : أعتقد أن هناك وحدة عميقة تجمع كتاباتي، حتى عندما تختلف أشكالها. فالمبدع لا يبدأ من الصفر كلما انتقل من جنس أدبي إلى آخر؛ إذ ترافقه أسئلته الكبرى، وانشغالاته الإنسانية، وموقفه من العالم، وحساسيته تجاه اللغة.
لكن وحدة الرؤية لا تعني وحدة الأدوات. فالقصيدة لا ينبغي أن تتحول إلى حكاية مصغرة، والقصة القصيرة جداً لا ينبغي أن تصبح قصيدة مقطعة إلى جمل نثرية.
أتعامل مع كل جنس أدبي باعتباره نظاماً جمالياً له شروطه وإمكاناته. وفي الوقت نفسه، أسمح للتجربة بأن تعيد تشكيل هذه الشروط، لأن الإبداع لا يتحقق بتطبيق القواعد بصورة آلية، وإنما بإدراكها ثم توظيفها أو تجاوزها بوعي فني.
كريم القيشوري : لنتوقف عند مسألة التكثيف. كثيراً ما يُقال إن القصة القصيرة جداً قريبة من الشعر لأنها تعتمد الاقتصاد اللغوي والإيحاء. هل ترين أن هذا التشابه كافٍ لتفسير انتقال الشاعرة إلى هذا الجنس؟
فاطمة الشيري : التكثيف عامل مهم، لكنه لا يكفي وحده لتفسير التجربة.
إن التكثيف في الشعر يرتبط غالباً بتعدد الدلالات، وبالعلاقات الإيقاعية والصورية، وبالانزياحات التي تجعل اللغة تقول أكثر مما تعنيه في استعمالها المباشر. أما في القصة القصيرة جداً، فإن التكثيف يرتبط أيضاً بإدارة الحدث، وحذف التفاصيل غير الضرورية، وتوزيع المعلومات، وبناء المفارقة، واختيار النهاية التي تعيد توجيه القراءة.
يمكن القول إن الشعر يكثف التجربة الشعورية واللغوية، بينما تكثف القصة القصيرة جداً التجربة السردية والدلالية، مع وجود مساحات مشتركة بينهما.
ولذلك، فإن ما يجذبني إلى هذا الجنس ليس قصر النص في حد ذاته، بل قدرته على بناء عالم كامل من خلال لحظة محدودة، أو حركة بسيطة، أو عبارة واحدة تفتح أفقاً واسعاً للتأويل.
كريم القيشوري : هل يمكن أن يكون الاهتمام بالقصة القصيرة جداً استجابة لتحولات العصر، حيث تتراجع القدرة على القراءة الطويلة، وتتزايد الحاجة إلى النصوص القصيرة والسريعة؟
فاطمة الشيري : لا شك أن تحولات الحياة المعاصرة، وسرعة تداول النصوص عبر الوسائط الرقمية، أسهمت في توسيع حضور الأشكال الأدبية القصيرة. لكنني أتحفظ على اختزال القصة القصيرة جداً في مجرد استجابة لثقافة السرعة.
فالنص القصير ليس بالضرورة نصاً سهلاً أو سريع الاستهلاك. قد نقرأ قصة في بضعة أسطر، ثم نكتشف أن دلالاتها تحتاج إلى تأمل طويل، وأنها تثير أسئلة تتجاوز حجمها بكثير.
المشكلة ليست في قصر النص أو طوله، وإنما في قدرته على تحقيق أثر جمالي وفكري. وقد تكون القصة القصيرة جداً، حين تنجح فنياً، أكثر إرباكاً للقارئ من نص طويل، لأنها تحرمه من التفسيرات الجاهزة، وتضعه أمام فراغات يتعين عليه ملؤها.
كريم القيشوري : لنتناول جانباً آخر. هل تختلف علاقتك باللغة عندما تكتبين الشعر عنها عندما تكتبين القصة القصيرة جداً ؟
فاطمة الشيري : تختلف العلاقة من حيث الوظيفة، لكنها لا تنفصل من حيث الوعي الجمالي.
في الشعر، قد أنطلق من كلمة أو صورة أو إيقاع داخلي، ثم أترك النص يتطور وفق علاقاته الخاصة. أما في القصة القصيرة جداً، فأبدأ أحياناً من موقف أو مشهد أو مفارقة، ثم أبحث عن اللغة التي تستطيع تقديمه بأقل قدر من الوساطة.
في الحالة الأولى، قد تقودني اللغة إلى التجربة، وفي الثانية قد تقودني التجربة إلى اللغة، وإن كان هذا التمييز نسبياً وليس قاعدة ثابتة.
وأهم ما أحرص عليه هو ألا تتحول اللغة إلى استعراض بلاغي. فالجملة المدهشة لا تنقذ قصة ضعيفة البناء، كما أن الصورة الجميلة لا تكفي وحدها لتأسيس قصيدة ناجحة. ينبغي أن تكون اللغة جزءاً من بنية النص، وأن تؤدي وظيفة جمالية ودلالية في الوقت نفسه.
كريم القيشوري : ثمة من يرى أن الشاعر عندما يكتب القصة القصيرة جداً يميل إلى إغراقها في الرمزية والغموض، بينما تميل القاصة إلى بناء الحكاية وتوضيح العلاقات بين الشخصيات والأحداث. هل توافقين على هذا التمييز؟
فاطمة الشيري : لا أعتقد أن هذه الفروق يمكن تعميمها. فهناك شعراء يكتبون قصصاً قصيرة جداً تتمتع ببناء سردي محكم، وهناك كتاب سرد يميلون إلى لغة شديدة الشعرية.
لكن من الممكن أن تؤثر الخبرة السابقة في اختيارات الكاتب. فقد يميل الشاعر إلى الاهتمام بالصورة والانزياح والإيقاع، وقد تميل القاصة إلى الاهتمام بالشخصية والموقف والتحول السردي. غير أن هذه الميول لا ينبغي أن تتحول إلى أحكام مسبقة.
التحدي الحقيقي هو أن يكتسب الكاتب مرونة تسمح له بالإفادة من خبرته السابقة من دون أن يصبح أسيراً لها. فالشاعرة التي تكتب القصة مطالبة بأن تتعلم كيف تبني الحدث، مثلما أن القاصة التي تكتب الشعر مطالبة بأن تدرك خصوصية الإيقاع والتشكيل الشعري.
كريم القيشوري : إلى أي حد يمكن اعتبار الكتابة في الجنسين نوعاً من التحرر من القيود التي يفرضها التصنيف الأدبي؟
فاطمة الشيري : أرى أن المسألة لا تتعلق بالتحرر من التصنيف بقدر ما تتعلق بتوسيع إمكانات التعبير. فالأجناس الأدبية ليست سجوناً، بل أشكال تاريخية وجمالية تطورت لتستجيب لحاجات الإنسان في التعبير والتخييل.
إن معرفة خصوصية كل جنس لا تحد من حرية المبدع، بل تمنحه أدوات أكثر دقة. وكلما ازداد وعي الكاتب بالفروق بين الشعر والسرد، أصبح أقدر على الانتقال بينهما من دون الوقوع في الخلط أو التكرار.
أما التجريب، فلا يعني أن نكتب نصاً لا يمكن تصنيفه، بل أن نبحث عن إمكانات جديدة داخل الأجناس الأدبية وعند تخومها، مع الحفاظ على ضرورة تحقيق النص لفرادته الفنية.
كريم القيشوري : وماذا عن تلقي القارئ؟ هل تتوقعين من قارئ شعرك أن يكون هو نفسه قارئ قصصك القصيرة جداً؟ وهل تؤثر خلفيته القرائية في فهمه للنصوص؟
فاطمة الشيري : القارئ عنصر أساسي في اكتمال التجربة الإبداعية. وقد ينجذب بعض القراء إلى الشعر أكثر من السرد، أو العكس، لكنني أؤمن بأن النص الجيد يستطيع أن يفتح أبواباً جديدة أمام القارئ.
ومع ذلك، فإن قراءة القصة القصيرة جداً تتطلب انتباهاً خاصاً إلى التفاصيل الصغيرة، وإلى ما يُحذف بقدر الانتباه إلى ما يُكتب. فالعنوان، مثلاً، قد يؤدي وظيفة أساسية في توجيه الدلالة، والنهاية قد تعيد تشكيل المعنى الذي بناه القارئ منذ البداية.
أما في الشعر، فقد يكون الإيقاع الداخلي، أو التوتر بين الصور، أو العلاقة بين الكلمات، عنصراً أساسياً في إنتاج المعنى.
ولا أريد من القارئ أن يبحث في قصصي عن الشاعرة التي يعرفها، بل أن يمنح القاصة فرصة لتقديم تجربتها بأدوات مختلفة.
كريم القيشوري : في ضوء هذه التجربة، هل يمكن القول إن كتابة الشعر والقصة القصيرة جداً تمثل نوعاً من الحوار الداخلي بين صوتين إبداعيين داخل المبدعة الواحدة ؟
فاطمة الشيري : يمكنني قبول هذا التصور إذا لم نفهم الصوتين باعتبارهما شخصيتين منفصلتين. إنهما وجهان لحساسية إبداعية واحدة، لكن لكل منهما طريقته في مقاربة العالم.
الشاعرة قد تسأل: كيف يمكن تحويل الألم إلى صورة، أو تحويل الذاكرة إلى لغة؟ أما القاصة فقد تسأل: كيف يمكن تجسيد الألم في موقف، أو الكشف عن الذاكرة من خلال حدث صغير أو نهاية مفاجئة؟
في الحالتين، نحن أمام محاولة لفهم الإنسان، لكن الطريق إلى هذا الفهم يختلف باختلاف الشكل الفني.
ولعل أجمل ما في الانتقال بين الجنسين أنه يجعلني أراجع أدواتي باستمرار، ويمنعني من الاطمئنان إلى صيغة واحدة للكتابة. فكل جنس أدبي يختبر قدرتي على الرؤية من زاوية جديدة، ويكشف لي حدود ما أستطيع قوله وما ينبغي أن أتركه للصمت.
كريم القيشوري : أخيراً، إذا طُلب منك تلخيص الخلفية العميقة لاهتمامك بالشعر والقصة القصيرة جداً في عبارة واحدة، فماذا تقولين؟
فاطمة الشيري : أكتب الشعر حين أشعر بأن التجربة تحتاج إلى أن تتحول إلى لغة وصورة وإيقاع، وأكتب القصة القصيرة جداً حين أجد أن لحظة سردية واحدة قادرة على اختزال عالم كامل. لا أبحث عن جنس أدبي بديل، بل عن الشكل الذي يمنح التجربة حقها في التعبير. وما يجمع الكتابتين، في النهاية، هو رغبتي في اكتشاف المعنى الكامن وراء التفاصيل الصغيرة التي تبدو عابرة، لكنها تختزن أسئلة الإنسان الكبرى.























