عبد المجيد فنيش

لكل من سيقع هذا اللغو أمام نظره، وقد يقرؤه كاملا أو بعضه، كل الحق في أن يقرأ ويتصور كلمة * الحجر* الواردة في آخر العنوان، حسب نيته ، ولكل وجهة هو مواليها.
أما العبد الضعيف ،فإنه قد حسم نيته، فالحديث هنا عن *الحجر الصحي * الكامل بكل طقوسه، تماما كما عشناها من 20 مارس الى بداية يونيو 2020.
ولن أخفي سرا ابدا، إذا بحت بكل تلقائية و قلت إني أعيش الآن مفارقة غريبة ومقلقة، و هي أني لم أستطع ملائمة* أنا* الآني، مع * أنا* الذي كان خلال الحجر.
إنني لم أجد نفسي – كما كنت أخالها- ، و قد صدق المغاربة في قولهم : الخروج من الحمام ليس كالدخول إليه*، وقد ينطبق هذا المثل على : الدخول إلى الحجر ، ليس كالخروج منه*.
ماذا حدث بالضبط؟
أظن أن لولبا محوريا في آلة ضبط الإيقاع الذاتي ، قد أصابه الخلل مابين الدخول والخروج، فكانت النتيجة هي اصطدام بين حقيقتين، الأولى هي أن الذي مضى لن يعود، و الثانية هي أن الآتي مجهول.
لم أكن أدري أن أسابيع معدودة من الحجر ، كانت قادرة على أن تجعلني غير ماكنت خلال أكثر من خمسة عقود ، وأنه قد أضحى الآن من العبث البحث عني بين ركام ما كان.
الآن وقد انتشر القوم و افرنقعوا ، ودارت العجلات في كل اتجاه ، فقد ازداد في أعماق الوجدان ذاك الإحساس الغريب الى الحاجة الملحة في * حياة الحجر* التي مرت قصيرة ، لكنها تركت أثارها طويلة عميقة.
يبدو أنني قد تقمصت شخصية الكائن* الحجري* وإنني لن اغادرها، كما كنت ذات لحظات أقدر على مغادرة الشخصيات الدرامية التي شخصتها كممثل، او تعاملت معها كمخرج .
لست أدري- و ما أكثر جهلي- لماذا أحن اليوم الى هدوء أيام الحجر، حيث السكينة و صمت القبور يعم الحواري والأزقة.؟!
لست أدري لِمَ لم أتمكن من الاستئناس بطوابير السيارات تجوب في صخب الشوارع المؤدية إلى شيء ما؟!، وكم أتساءل هل كان لزاما بعد حياة الحجر ، أن يعود الكل إلى كل ما كان قبل الحجر، و كأن شيئا لم يحدث.؟!
الكل جازم ان أشياء كثيرة جدا قد حدثت، و أن ماءً طوفانيا قد مر تحت الجسر، ومع ذلك فلا أحد يقوى على التخلي عن شيء مما كان.
أنا جازم أن هناك حلقة مفقودة ما بين* الدخول والخروج*، و يزداد يقيني بهذا الظن، كلما تذكرت صاحبي الذي كان يردد على مسمعي عبر الهاتف ساعات من التأكيد على أن *كورونا*، فيصل فاصل بين زمنين في حياته ، وإنه قد تحول إلى إنسان آخر في كل تفاصيل يومه .
.
وكم كنت أصدق قوله ، إلى أن جاء موعد * الخروج*، وكان ما كان، إذ أن الصاحب عاد الى ما كان و بقوة كاسحة جارفة، وكأنه ثور من ثيران لا كوريدا.
ماذا حدث بالضبط؟
كيف توفق الصاحب في التخلص من كل رواسب زمن الحجر الكوروني، و ماذا أصابني أنا حتى بقيت سجين ذاك الزمن؟
أعترف أن العطب – كل العطب- في العبد الضعيف، وإنني ارتكبت الخطيئة حين نسجت صلات الود مع زمن حجر عابر، وإنني رهنت الدائم بالفاني، و الثابت بالمار.
لكن هل يكفي هذا الاعتراف؟ ألا يحتاج الأمر الى تصحيح وتقويم؟
اذا أجبت ب لا ، فقد أوصف بالجنون، و إذا قلت* نعم*, فوجب شروعي في ترتيبات الخروج من ثقافة الحجر الآن قبل الغد.
ولأن ما بين نهاية * الآن* و حلول* الغد* فسحة ، فدعوني أعيشها كاملة في الحنين إلى زمن الحجر، فاليوم *حنين*، و الغد مدبره رحيم كريم
سلا يوم : 25 يوليوز 2020
Views: 1























