3.2 مليار درهم… والخروف ما يزال يتصرف كأنه “حيوان فاخر”

جسر التواصل19 مايو 2026آخر تحديث :
3.2 مليار درهم… والخروف ما يزال يتصرف كأنه “حيوان فاخر”

عبد العزيز الخطابي

كيف تحوّل الدعم إلى نشرة أخبار… بينما بقي المواطن يشتري
اللحم بعقلية مستثمر في البورصة؟
في المغرب، لم يعد المواطن يسأل عن الطقس. ولا عن نتائج الكرة.
ولا حتى عن سعر الدولار. السؤال الوطني الحقيقي أصبح أكثر بساطة وأكثر رعبًا: “شحال واصل الخروف اليوم؟” وكأن الأمر لا يتعلق بسوق مواشٍ. بل بسهمٍ صاعد في بورصة عالمية لا يملك الشعب فيها إلا حق الفرجة.
الدولة تقول إنها ضخت ما يقارب 3.2 مليار درهم لدعم الكسابة وإعادة تكوين القطيع الوطني. حمايةً لإناث الأغنام والماعز. وضمانًا لاستقرار أسعار اللحوم الحمراء. وصونًا للقدرة الشرائية للمواطن. كلام جميل. منظم. يحمل رائحة التقارير الرسمية والاجتماعات المكيفة والمصطلحات التقنية الثقيلة. لكن المواطن. ذلك الكائن الذي يعيش خارج البلاغات الرسمية. لا يرى “إعادة تكوين القطيع” بل يرى فقط أن جيبه يُذبح يوميًا دون مناسبة دينية.
المشكلة في المغرب ليست في إعلان الدعم. بل في اختفاء أثره فور خروجه من الميكروفون الرسمي. فالدولة تتحدث عن الملايير. بينما المواطن يتحدث عن “النص كيلو”. الحكومة تتكلم بلغة “استقرار السوق” والمواطن يترجمها مباشرة إلى لغة أخرى: “واش هاد الاستقرار ساكن غير فالتلفزة؟”
لأن المنطق البسيط يقول إن الدعم حين يُضخ بهذا الحجم. يفترض أن يُحدث رجّة في الأسعار. ليس بالضرورة أن يصبح الخروف يُباع بالتقسيط المريح أو أن يتحول الجزار إلى جمعية خيرية. لكن على الأقل أن يشعر المواطن أن هناك دولة تدخلت فعلاً. أما أن تُصرف الملايير. ثم يرتفع السعر أكثر. فهنا يتحول الاقتصاد إلى نوع من السحر الأسود: المال يختفي. والأسعار تتكاثر، والمواطن وحده يؤدي ثمن الخدعة كاملة.
والأكثر إثارة للسخرية أن الدعم يبدو دقيقًا جدًا على الورق. النعجة لها تسعيرة. والماعز له تسعيرة. والترقيم موجود، والإحصاء الوطني حاضر. والشروط مضبوطة. والدفعات محددة… كل شيء مرتب بعناية إدارية تثير الإعجاب. وحده الشيء الغائب هو النتيجة. وكأن الدولة أتقنت فنّ عدّ الخرفان. لكنها نسيت عدّ غضب المواطنين.
في المغرب. لدينا قدرة خارقة على إنتاج الأرقام. لكننا نفشل دائمًا في إنتاج الأثر. نوزع الملايير كما توزع المنشورات الانتخابية. ثم نترك السوق يشتغل بمنطق الغابة: الوسيط يرفع. والتاجر يبرر. والمضارب يبتسم، والمواطن يكتشف مرة أخرى أنه الحلقة الوحيدة غير المدعومة في هذه السلسلة الغذائية الطويلة.
ثم يظهر علينا خبراء الشرح والتبرير ليقولوا إن الغلاء سببه الجفاف وارتفاع الأعلاف والأدوية والنقل وتراجع القطيع وارتفاع الطلب وكثرة الوسطاء. جميل. لكن أليست الدولة تعرف هذا كله أصلًا؟ أم أن الحكومة اكتشفت فجأة أن الشمس حارة في الصيف وأن الجفاف ليس مؤامرة كونية جديدة؟
إذا كانت هذه الأسباب معروفة. فلماذا يبدو التدخل الرسمي وكأنه مجرد إسعاف لفظي؟ لماذا يتحول الدعم إلى عملية إنقاذ للقطاع. بينما يتحول المواطن إلى ضحية جانبية لا تدخل ضمن الحسابات؟ لأن الحقيقة التي يخاف كثيرون من قولها هي أن الدولة غالبًا ما تدعم “الإنتاج” لكنها تنسى “السوق” تدعم البدايات وتترك النهاية للوحوش.
فالكساب قد يحصل على الدعم. لكن من يضمن أن الوسيط لن يبتلع الفارق؟ من يضمن أن “الشناق” لن يحول الدعم إلى فرصة إضافية للربح؟ من يضمن ألا تتحول المساعدة العمومية إلى مجرد أوكسجين يُبقي الأسعار مرتفعة بدل خفضها؟
المشهد أحيانًا يبدو عبثيًا بشكل يستحق الدراسة في كليات الفلسفة لا الاقتصاد. الدولة تقول إنها تحارب الغلاء. والغلاء يحتفل بانتصاراته كل أسبوع. المواطن يسمع عن “حماية القدرة الشرائية” ثم يدخل السوق فيشعر أن قدرته الشرائية أصبحت تحتاج بدورها إلى دعم نفسي ومادي.
والأدهى أن الخطاب الرسمي دائمًا ما يقدّم المواطن كأنه شريك في الصبر الوطني. يُطلب منه أن يتفهم الظروف. ويتحمل المرحلة. ويثق في الإصلاحات. ويقتنع بأن الأزمة عالمية. لكن أحدًا لا يشرح له لماذا تتحول كل أزمة عالمية في المغرب إلى أزمة محلية مضاعفة. الحرب ترفع الأسعار هنا. الجفاف يرفعها هنا. النفط يرفعها هنا، الدولار يرفعها هنا… وحتى حين تنخفض بعض المؤشرات عالميًا. تبقى الأسعار عندنا وفية لمبدأ “الطلوع أسهل من النزول”
في النهاية. المواطن المغربي لم يعد يريد سماع لغة الأرقام المجردة. لأنه يعرف أن المليارات قد تُصرف فعلًا. لكن السؤال ليس: “كم صُرف؟” بل: “من استفاد؟” فالدعم الذي لا ينعكس على السوق يتحول إلى تمرين محاسباتي لا أكثر. والدولة التي تقيس نجاحها بحجم الأموال المرصودة. دون قياس أثرها الحقيقي. تشبه طبيبًا يفتخر بعدد الوصفات الطبية بينما المريض يزداد سوءًا.
ثم هناك السؤال الأكثر حساسية: أين تذهب كل هذه الأموال فعليًا؟ لأن الشفافية ليست أن تعلن الرقم فقط، بل أن تشرح المسار الكامل للمال: من الخزينة إلى الكساب. ومن الكساب إلى السوق. ومن السوق إلى المواطن. أما أن يبقى الدعم بلا أثر واضح. فذلك يفتح الباب أمام أخطر شعور يمكن أن يصيب مجتمعًا: فقدان الثقة.
والمغاربة لم يعودوا يطالبون بالمستحيل. لا أحد ينتظر أن يصبح اللحم الأحمر حقًا دستوريا أو أن يتحول الخروف إلى منتج مدعوم مثل الخبز. الناس فقط يريدون منطقًا مفهومًا. إذا كانت الدولة تدعم القطاع بالملايير، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على السعر. وإذا لم ينعكس. فإما أن الدعم غير كافٍ. أو أنه يضيع في الطريق. أو أن هناك من حوّل الأزمة إلى تجارة موسمية مربحة جدًا.
المفارقة الساخرة أن المواطن أصبح يشعر أحيانًا أن الخروف نفسه يعيش وضعًا اقتصاديًا أفضل منه. الدولة تحصي الخروف. ترقّم الخروف. تدعم الخروف، تحمي إناث الخروف، تتابع القطيع… بينما المواطن لا يحصل إلا على خطابات الصبر وبلاغات “الظرفية الصعبة”
لقد تحول الخروف في المغرب من أضحية إلى مؤشر سياسي واجتماعي خطير. صار يقيس المسافة بين الخطاب والواقع. بين البلاغ والسوق. بين الدولة والشارع. وكلما ارتفع سعره، ارتفعت معه الأسئلة التي لا تريد السلطة سماعها: من يراقب؟ من يحاسب؟ من يستفيد؟ ولماذا تبدو الدولة قوية جدًا في إعلان الدعم… وضعيفة جدًا في فرض أثره؟
وفي النهاية. يبقى المشهد كله مختصرًا في صورة واحدة ساخرة ومؤلمة: حكومة تتحدث عن 3.2 مليار درهم. ومواطن يقف أمام الجزار يحسب بثقلٍ فلسفي عميق: هل يشتري اللحم… أم يحتفظ بحقّه في النجاة حتى آخر الشهر؟
ذلك هو السؤال الحقيقي. وليس كم بلغ حجم الدعم.

Views: 43

الاخبار العاجلة