مجتمع

حديث الاثنين : الأسرة بين الماضي والحاضر

طارق المعروفي

ماذا وقع للأسرة ؟
ما الفرق بين أسرة الماضي و أسرة اليوم ؟
لماذا أحدث التطور التكنولوجي تغييرا شاملا على مفهوم الأسرة ؟
هل لا زالت وظيفة تربية الأبناء من مهام الأسرة، أم أنها تخلت عن جزء منها ؟
هناك عدة تساؤلات حول هذا الموضوع ، منها ما نجد تفسيرا منطقيا له ، و منها ما نستغرب له و لا نجد له جوابا.
* لقد كانت الأسرة في الماضي أكثر ترابطًا وتماسكا، فقد كان يعيش في بيت الجد أو الجدة، الأبناء مع زوجاتهم وأولادهم وبناتهم. ونظرا لوجود منازل كبيرة في بعض الأحيان، فإننا نجد في البيت الواحد أكثر من أسرة. كما نجد حتى أزواج البنات يسكنون معهم، ويجتمع الجميع على وجبات الطعام في أجواء تسودها الألفة والمحبة و السعادة، وبالتالي يسود التعاون وروح المشاركة الجماعية في تكاليف الحياة ومصاريف المعيشة.
أما في هذا الزمن ، فقد تغير الحال، وأصبح الأبناء بمجرد زواجهم يخرجون للسكن خارج بيت الأسرة، ولا عيب في ذلك فهذه سنة الحياة العصرية، فلا بد من أن يعيش الأبناء حياتهم الشخصية وما فيها من خصوصية و حرية، وحتى يستمتع الإبن وزوجته بمزيد من الحركة والانسجام معًا ، بعيدًا عن عيون زوجات الأشقاء ونظرات الفضول وحتى المراقبة.أضف إلى ذلك أن المنازل أصبحت اليوم صغيرة لا تصلح إلا لأسرة واحدة .
لقد بات التفكك الأسري في هذا الزمن ظاهرة معاشة يعاني منها الجميع ، بحيث أن مكان العمل للأبناء خارج مدنهم في بعض الحالات ، ساعد على انشغالهم و تعودهم على الغياب عن الوالدين و الإخوان . وقليل من يحرص على التواصل والاهتمام والالتزام بزيارة أهله رغم المسافات.
و من أهم أسباب تشتت الأسرة ،هو موت الوالدين اللذان كانا دائما عبارة عن مغناطيس يلتف حولهما الأبناء و البنات و حتى الأحفاد. فأصبح الأخ بعد وفاتهم لا يسأل عن أخيه إلا نادرا ،و الأخت منشغلة قلما تسأل عن أحوال أختها.أما الأبناء، فهم منشغلون في أشياء أخرى بعيدة عن الأسرة ، و حل الأصدقاء محل العائلة.
* و عن صلة الرحم ،لازلنا نتذكر أن والدنا كان يصر في الأعياد الدينية على أن نصاحبه لزيارة الأسرة الكبيرة من أجل أن نتعرف على أبناء العم و الخال، و بنات العمة و الخالة و جل أفراد العائلة، و كنا حريصين على التشبث بهذه الخصلة الحميدة لتلقينها لأبنائنا . و لكن و مع الوقت، أصبحت التهاني مقتصرة على الآباء و الأمهات بواسطة المكالمة الهاتفية فقط، و بعد وصول الهاتف “الذكي “، لم تعد التهاني بالحديث عبر الهاتف، بل بإرسال صور جاهزة، يكفي الضغط على زر لكي تصل إلى كل أفراد العائلة . و يا لها من تهاني. كما أن تقديم العزاء أصبح بدوره مقتصرا على إرسال التعزية الجاهزة عبر الهاتف .
*أما بخصوص دور الأسرة في تربية الأبناء، فيمكن القول أن التطوّر هو سُنة الحياة وفيه منافع كثيرة، و لكن على الأسرة أن تتذكر دوماً أنّ تلك الآلة التكنولوجية لم تأتِ لتبعثر دور الأسرة وتهدم أركانها، حيث كان لا بد أن تكون الأسرة هي من يدير تلك التكنولوجيا وتوظّفها في خدمتها، وليس أن تقوم التكنولوجيا بفرض نفسها على البناء البشري؛ حيث إنّ العلاقة الأسريّة لا تحتاج آلة أو مُخترعاً، بل تحتاج إلى إنسان وقلب، مودة وتعاطف. إننا اليوم نعيش في مجتمع مضطرب أركانه، حيث فقدنا الاتصال مع أبنائنا، ونحتاج إلى “وقفة حقيقية” مع أنفُسنا لإعادة وظائف الأُسرة المسلوبة.
لقد تراجعت الأسرة فأعطت المجال للآخرين في التأثير، فشكّل ضعفها قوة وحضوراً للآخرين، فكان الطريق سالكاً أمام عديد المؤسسات والجهات لنشر أفكارها ومعتقداتها في عقول هؤلاء الأبناء، مما خلق منهم أفراداً بلا هوية واضحة؛ مما جعل أطفالنا أحياناً ينتقون من المنظومة التربوية ما يتناسب مع خيالهم، لا مع منظومة القيم الأسرية ونظامها التربوي.
و في النهاية تبقى الأسرة هي النواة الأولى في التربية و التلاحم و التآزر و التماسك، فكلما تمسك أعضاؤها بعضهم ببعض، كلما استمرت في إشعاعها و تقديرها في المجتمع.
و الله يهدي ما خلق .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى